رئيس التحرير: عادل صبري 05:16 مساءً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

إعادة فلسطين إلى رأس الأجندة الدولية

إعادة فلسطين إلى رأس الأجندة الدولية

مقالات

الأكاديمي الفلسطيني خالد الحروب

إعادة فلسطين إلى رأس الأجندة الدولية

تجاوزت القضية الفلسطينية محاولات إدخالها حيز النسيان

خالد الحروب 17 أغسطس 2014 12:31

صمود غزة ومقاومتها على رغم الاكلاف الغالية أفشل اهداف إسرائيل بشكل فادح وأربك سياسييها، والأهم انه فاجأ الجميع بإعادة فلسطين الى رأس اجندة القضايا الاقليمية والدولية، بعد ان أُزيحت جانباً. الملفات والقضايا المفتوحة والنازفة في المنطقة في السنوات الاخيرة همّشت فلسطين والفلسطينيين وقضيتهم، ولا تحتاج الى تعداد او توصيف.

بيد أن ما يحتاج الى إعادة تذكير هو الكيفية التي آلت بها فلسطين لأن تصبح «واحدة من القضايا» الكثيرة اقليمياً بعدما كانت القضية الاولى، وكيف أُزيحت عن جدول أولويات الشأن الدولي. بل وربما الاكثر لفتاً للنظر كيف تضاءلت حتى على الاجندة الاسرائيلية لتنزلق من قضية ملحّة على مستوى السياسة والاستراتيجية الاسرائيلية العامة، إلى مجرد قضية من قضايا التنافس السياسي والمزايدة الانتهازية بين الاحزاب المتصارعة على السلطة.

فخلال اكثر من عشرين سنة منذ اتفاق اوسلو تحقق لإسرائيل ما لم تكن تحلم به من تهميش خارجي للقضية الفلسطينية، وتحويلها من مسألة احتلال عسكري واستعماري، إلى نزاع بين كيانين سياسيين (اسرائيل والسلطة الفلسطينية) تتكفل بحلّه «عملية سلام» مفتوحة إلى الابد! وداخلياً تمكنت من شطب الكفاح المسلح من اجندة قطاع عريض من حركة النضال الوطني الفلسطيني. تعاضد الوضع العربي الذي التصق في منحنى انهيار متدحرج منذ اتفاق كامب ديفيد، ثم حرب الخليج الاولى، وتسارع في الانهيار مع غزو صدام حسين للكويت، وبقي تسارعه حتى الآن. في العقدين العجاف المذكورين راهن الفلسطينيون على مسار المفاوضات بعد ان قدموا تنازلات تاريخية لم يتوقعها احد، كل ذلك ضمن «حاضنة» من التنازلات العربية والتأكيدات على ان المفاوضات هي الاستراتيجية العربية الوحيدة لحل الصراع مع اسرائيل.

وقدمت الدول العربية مجتمعة عرضاً لم يحلم به قادة الصهاينة منذ تأسست اسرائيل وتمثل في المبادرة العربية، والتي دعت إلى اعتراف وتطبيع كاملين مع اسرائيل مقابل تطبيق حل الدولتين. اسرائيل رفضت كل ذلك، إذ كانت ولا تزال تسكرها نشوة التفوق العسكري على العرب، وتعتاش على ضعفهم المتواصل ضعفاً. وكان حظ الفلسطينيين من ذلك الضعف نصيب الأسد وتكرس بالانقسام بين «فتح» و «حماس»، والضفة وقطاع غزة منذ عام 2007.

بالتوازي مع ذلك، استمر مشروع التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس وتعاظمت «دولة المستوطنين» ونفوذهم واستعر نفوذ اليمين الاسرائيلي وقوى التطرف الديني، وتآكلت القناعات الاسرائيلية الهشة اصلاً بفكرة «حل الدولتين». عملياً، لم يكن هناك اي ضاغط حقيقي على اسرائيل كدولة ومجتمع سياسيين وحزبيين للنظر جدياً في «المسألة الفلسطينية»، ذلك ان كل الشؤون الاسرائيلية الحياتية مستمرة، والاقتصاد مزدهر، والشواطئ مزدحمة بالمصطافين! تحولت القضية الفلسطينية والفلسطينيون بسبب ذلك من مسألة جوهرية متعلقة بمصير الوجود اليهودي في ارض فلسطين، الى مجرد كرة سياسية في الملعب الحزبي الاسرائيلي، وعادة ما تستخدم انتهازياً بهدف تجميع الاصوات الاكثر تطرفاً. بمعنى ما، تحولت فلسطين والفلسطينيون الى اداة وظيفية للتظاهر والتنافس الحزبي حيث يزعم المتنافسون أن كلاً منهم اكثر حرصاً على «امن اسرائيل» من الآخرين. وقد تفاقمت هذه الآلية في السنوات الاخيرة، كما تفاقم شعار «امن اسرائيل» وهو الذي تم تضخيمه اصلاً لغايات انتخابية وغدا وكأنه وحش حقيقي. صارت اسرائيل وهي القوة الاكبر في المنطقة هي الاكثر خوفاً وتوجساً على وجودها، وفي خضم تفاقم الخوف المصطنع، والتنافسات الحزبية، صارت تطرح شرطاً اضافياً على الفلسطينيين وهو «يهودية الدولة».

جاءت سلسلة الحروب على قطاع غزة (2009، 20012، 2014) في السياق المذكور، التباهي بمن يستطيع توجيه ضربة اكبر الى الفلسطينيين وكسر ارادتهم، والعزف على وتر «امن اسرائيل». من منظور اوسع، جاءت تلك الحروب لإنهاء آخر معاقل الكفاح الوطني الفلسطيني المسلح، و «قص العشب» كما كان يكرر السياسيون الاسرائيليون. كلما انخفضت شعبية الائتلاف الحاكم في اسرائيل، او تردّت صورة رئيس الوزراء، يلتفت حوله فلا يجد سوى قطاع غزة ليوجه اليه ضربة عسكرية تحسن من وضعه الانتخابي - مرة اخرى تقليص الفلسطينيين الى مجرد اداة في التنافس الحزبي.

في الحرب الاخيرة، انقلب السحر على الساحر وتلاحقت مفاجآت لم تكن مُنتظرة، وعلى عكس ما هو متوقع تماماً. فهنا توقع نتانياهو ان يخوض حرباً من ايام عدة تكون نزهة حقيقية بالمقارنة مع مغامراته السابقة. فهذه المرة كانت كل الظروف مشجعة: العرب في أسوأ اوضاعهم التشتتية، ومصر ناقمة على قطاع غزة و «حماس» التي تقوده، و «حماس» نفسها محاصرة ومختنقة سياسياً ومالياً، والسلطة الفلسطينية في الضفة حائرة بين ضياع البوصلة وفشل رهانها على المفاوضات، والازمة المالية المتواصلة، وتآكل رأسمالها السياسي والوطني... وكل ذلك على خلفية الانقسام الفلسطيني والعزل الجغرافي والسياسي والوظيفي المتواصل لقطاع غزة وفصمه عن الوطن الفلسطيني.

نتيجة الحرب فاجأت نتانياهو وإسرائيل برمتها، وحققت حتى الآن عكس ما هدفت اليه وربما اكثر. فمن ناحية اولى وأساسية اعادت هذه الحرب قضية فلسطين والفلسطينيين إلى واجهة الحدث العالمي، ونفضت الغبار عن مركزيتها، سواء الاقليمية او الدولية. انطلق الغرور العسكري الاسرائيلي ووحشيته الى ابعد مدى بسبب توتره الشديد نتيجة انعدام «النزهة العسكرية» التي أملها في قطاع غزة، وجرّه ذلك الى مواجهة الرأي العام العالمي الذي ذُهل لما تقوم به «الدولة الديموقراطية الوحيدة» في الشرق الاوسط. ففي قصفها وتدميرها للمدارس والمستشفيات وألوف بيوت المدنيين كانت اسرائيل تقدم نسختها «الداعشية» او «الاسدية» الخاصة بها. وبفضل الاعلام العادي والاجتماعي المعولم، اتسع نطاق التأييد للفلسطينيين وعادت الروح الى قضيتهم من جديد.

اقليمياً، عادت القضية الفلسطينية لتقضّ مضاجع العرب الذين ارادوا دوماً الاتكاء على وسائد التراخي والتخلي المتُمثلة في إحالة الموضوع كله إلى الفلسطينيين والرضى بما يرضون، وتركهم يخوضون معاركهم في السياسة والحرب وحدهم. انكشف وضع الانظمة العربية واحترق كثير من سياسييها أمام الإحراج المتراكم، ويدفع ذلك كله في الوقت الراهن إلى تحريك الكتلة العربية الساكنة ولو في الحد الأدنى. واستطاعت اسرائيل من خلال الحرب ان تجمع ضدها ولو موقتاً مواقف دول عربية وإقليمية متناقضة، من ايران وتركيا، الى مصر ودول الخليج، وصار لزاماً على كل من هذه الدول ان تظهر موقفاً افضل من الاخرى تجاه فلسطين.

فلسطينياً، حققت اسرائيل وعلى عكس ما استهدفت تماماً تعزيزاً شبه فريد للموقف الفلسطيني لم تشهده الساحة الفلسطينية منذ الانقسام عام 2007. فعوض ان تكرس الانقسام الفلسطيني وتقضي على حكومة التوافق الفلسطيني وتزيد من عزل «حماس»، رسخت هذه الحكومة، واضطرت السلطة لأن تتجه نحو مربع «حماس» والمقاومة. وما برز حتى الآن من اداء جماعي في الموقف الفلسطيني وتفويت الفرص على اسرائيل للعب على التناقضات الفلسطينية يعتبر انجازاً كبيراً، ومحرجاً لإسرائيل. وبسبب هذا الموقف الجماعي، فإن المطالب التي قدمتها «حماس» والمقاومة على طاولة المفاوضات في القاهرة اصبحت هي المطالب الفلسطينية الجماعية، وعلى رأسها فك الحصار.

المهم في المسألة الآن هو ألا تُعاد القضية الى أدراج النسيان، وأن يستمر الموقف الفلسطيني موحداً الى ما بعد مفاوضات التهدئة. ليس الهدف الوطني الفلسطيني اسقاط نتانياهو ولا الانخراط في اللعبة السياسية الاسرائيلية، بل إجبار كل الاسرائيليين على إعادة موضعة القضية في جوهر وجودهم ونقاشاتهم، وليس كأداة انتخابية. كما ان ما سيتحقق في القاهرة حتى لو كان جزئياً بالنسبة الى قطاع غزة يجب ان يكون البداية في استراتيجية هجومية جديدة تقودها حكومة التوافق، ويكون احد اهم اسلحتها جر اسرائيل الى المحكمة الجنائية الدولية، ثم مواصلة الضغط واستثمار المناخ الذي ولّدته حرب غزة وصمودها.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان