رئيس التحرير: عادل صبري 10:30 صباحاً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

محمد شمس يكتب: النزهة الإسرائيلية بغزة

محمد شمس يكتب: النزهة الإسرائيلية بغزة

مقالات

محمد شمس

محمد شمس يكتب: النزهة الإسرائيلية بغزة

27 يوليو 2014 12:04

غزة مدينة ساحلية فلسطينية على البحر المتوسط تصلح كمنتزه رائع لمن أراد أن يتنسم الهواء المقاوم الحر ,غير أن إسرائيل دوما ما تحب التنزه في غزه عبر طائراتها التي تدك المدينة على سكانها وأهلها بين الحين والآخر.

في نهاية 2008 قصفت الطائرات الإسرائيلية غزة بكل الأسلحة المسموحه والممنوعه لمدة تزيد عن الثلاثة أسابيع وأنهت العدوان من طرف واحد ,ثم أعادت النزهه في عام 2012 لمدة أسبوع وانتهى العدوان بهدنة تحت وساطة مصرية ,واليوم  تعيد قصف المدينة مرة اخري لما يزيد عن أسبوعين حتى الآن ولاتزال المعركة مستعرة و مستمرة بينما كانت إسرائيل تتطلع لهدنة وإيقاف لإطلاق النار تحت المبادرة المصرية ولكنها تفاجأت برفض حماس والمقاومة الفلسطينية للمبادرة ،فإسرائيل هي إسرائيل بعدوانها ولكن المقاومة تطورت بالقدر الذي يجعلها تتطلع لتغييرجزء مهم من قواعد اللعبة.

فاجأت كتائب القسام الجميع عندما أعلنت كتائب القسام - الجناح العسكري لحماس - في بيان لها أنها "ستوجه ضربة صاروخية لتل أبيب في تمام الساعة التاسعة مساءً، وأن منظومة القبة الحديدة الإسرائيلية "مدعوة للإستعداد لأقصى درجة لها لاعتراض صواريخ j80 (جعبري 80) " فتوجهت القنوات الإعلامية والوكالات الإخبارية كلها نحو تل أبيب تتابع ساعة القصف التي لم تخطئ موعدها.

فلم تعد المقاومة تطلق الصواريخ ثم تتبناها بل باتت تحذر مواطني العدو وتخبره بموعد الإطلاق في استهانة بإمكاناته وقدراته وبحرب نفسية على أعلى مستوى. فما الذي جرى لقدرات المقاومة العسكرية ؟!!

ما أراه أن التطور الذي حدث في المقاومة لا يتمثل في قدراتها التسليحية ولا العسكرية بالدرجة الأولى فهذه القدرات لا تزال محدودة وبالمقارنة بقدرات العدو الإسرائيلي العسكرية فهي محدودة جدا ولكن العقل الإستراتيجي لحماس والقسام قد تطور كثيرا ،فاستطاعت المقاومة عبر مجموعه لا متناهية من العمليات والأدوات القتالية والإعلامية والسياسية أن تصوغ استراتيجية مركزة صدمت بها العدو ونجحت في تحسين أي تفاوضات قادمة وربما تنجح في كسر الحصار وهو الأثر الإستراتيجي الذي تسعى إليه حماس لتحقيقه والإنجاز الأكبر أمام شعبها.

"ان ما يجري هو عدوان وليس حرب بين طرفين متكافئين " هذا ما وصف به خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحماس العدوان على غزة في المؤتمر الصحفي الذي عقده بالدوحه.وما قاله مشعل هو ما يعرف بالحرب الغير متماثله (أو المتناظرة) ، تلك التي تكون بين حركة مقاومة وجيش نظامي وهذه هي الإستراتيجية التي خاض بها حزب الله حربه مع إسرائيل في 2006 وهذا ما تعلمته المقاومة ولا تزال تجهله إسرائيل وهو كيف تخوض حربا غير متماثله وتحقق النجاح ,أو كما قدم أندرو ماك في دراسة بعنوان "لماذا تخسر الدول الكبيرة معاركها الصغيرة "وهو يشرح فيها الحروب الغير متماثله فقد بيّن كيف استطاعت فيتنام أن تنتصر على أمريكا رغم أنها خسرت كل المواجهات المباشرة!! 

فالحروب الغير متماثله هو مفهوم طوره روبرت تومبسون وركز فيه على أنه في هذا النوع من الحرب يكون مركز الثقل ليس في القدرات العسكرية ولكن في الحاضنة الشعبية والإمداد الخارجي؛والحاضنة الشعبية كلما امتزجت مع المقاومة وتداخلت معها كلما جعلتها أقدر على الفوز بالمعركة وكلما استخدم الجيش النظامي القوة بشكل مفرط – كما تفعل إسرائيل – كلما عزز من لُحمة من الحاضنة الشعبية بالمقاومة حيث تصبح الحرب قضيتها الأساسية وبالتالي لن يتمكن الجيش النظامي من خوض الحرب المفتوحه التي وعد بها نتنياهو وهو أول من يذوق ويلاتها بالخسائر المتزايدة التي تتعرض لها إسرائيل يوما بعد يوم.

ويقيس ايفان اريجوين في دراسة بعنوان "كيف يفوز الضعفاء بالحروب" نتائج الصراعات الغير متماثلة ومعدلات فوز الطرف الأقوى أو الأضعف بالحرب  ليجد انه في الفترة من 1800- 1998 استطاعت القوى الضعيفه بالفوز بما يمثل 30% من الصراعات الغير متماثلة التي تم خوضها في هذه الفترة والتي يصل عددها ل 200 صراع وحرب والأمرالملفت الآخر أن هذه النسبة تزاد في الخمسين سنة الأخيرة من عمر الدراسة ففي الفترة من 1950- 1998  نجد أن معدلات تحقيق انتصار الأطراف الأضعف في الحروب على الأقوى أعلى بنسبة 55% لصالح الطرف الأضعف .

وما نريد تعلمه وما أظن أن المقاومة الفلسطينية تعلمته وأعدت نفسها له :أنه كلما استطاعت القوى الأضعف أن  تورط القوى النظامية – الأقوى-  لحرب غير متماثله كلما كانت فرصتها في الفوز أكبر ما حافظت على الحاضنة الشعبية وأدارت العمليات برؤية استراتيجية واضحه.

وكلما استطاعت القوى النظامية الأقوى في توريط القوى الضعيفه أو المقاومة في الحرب المباشرة أو عزلها عن حاضنتها الشعبيه وتصويرها أنها تعمل ضد شعبها كلما كانت فرصها في الفوز أعلى وحتى الآن يبدو أن إسرائيل تورطت في حرب غير متماثله تديرها المقاومة الفلسطينية بإبداع.

ولكن متى تنتهي هذه الحرب ؟وكيف ؟ هذا هو السؤال الذي يدور في أذهان الجميع وإن كنت أرى أن الحرب لن تطول والعدوان لن يستمر وأمام إسرائيل خيارات منها انهاء الحرب من طرف واحد ولكني أظن أن هذا ليس السؤال المهم ولكن السؤال المهم كيف لا تتكرر هذه النزهه الإسرائيلية العام القادم أو الذي يليه ؟!!

ما تريده المقاومة الفلسطينية وتحاول ان تحققه لشعبها هو فك الحصار عن غزة وإعادة الإتفاق على فتح المعابر وإنهاء الوضع المأزوم الذي يعيشه القطاع منذ ثمان سنوات وأن يكون هناك تعهدات وضمانات لعدم تكرار العدوان مرة أخرى .

وبرغم موقفنا المصري السئ سواء من النظام الحالي أو الموقف الإعلامي المخزي ,أو الموقف اللاإنساني من منع المساعدات سواء بمنع القافلة التي أطلقها نشطاء وشباب من الأحزاب وتم منع وصولها لغزة ومنع الطائرة التونسية من الوصول لأقرب نقطة لنقل الجرحى ومنع الطبيب النرويجي مادس جيلبرت من الدخول وكلها مواقف لا تشرف المصريين لا سلطة ولا شعبا ، إلا أنه يجب أن تحذر المقاومة من الإنسياق وراء خصومة تفقد بها الدعم المصري ،وألا تتورط السلطة في مصر في خصومة تفقدها أهم أوراقها السياسية الخارجية فضلا عن عمق أمنها القومي وأمنها الشرقي الذي يجب أن تدعمه وتقويه لا أن تساهم في إضعافه أو تنظر إليه بأنه أحد التهديدات التي تواجهها .

لقد انتصرت المقاومة يوم أن أحيت في قلوب وعقول الشباب العربي أن الحق لا ينتصر إلا بالقوة ،وأنه من أراد النصر أوتي الحيل ،وأن المقاومة هي السبيل ،ومهما كنت ضعيفا فهذا لا يعفيك من مسئولية الفوز والإنتصار.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان