رئيس التحرير: عادل صبري 11:38 مساءً | الأحد 23 سبتمبر 2018 م | 12 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

خليل العنانى يكتب: الخسائر المصرية من الحرب الإسرائيلية على غزة

خليل العنانى يكتب: الخسائر المصرية من الحرب الإسرائيلية على غزة

26 يوليو 2014 22:02

تراجع الدور الإقليمي لمصر بشدة أواخر عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك، والآن تفقد مصر ما تبقى من لها من قوة ورصيدبعد موقفهاالمتهافت في إدارة ملف الحرب الإسرائيلية الجارية على قطاع غزة. وبافتراض حسن النية، فقد كشف الفشل فى إدارة ملف الأزمة الحالية عن حجم الخلل والتراجع الذي أصاب منظومة الحكم الجديدة/القديمة فى مصر خاصة على مستوىالأجهزة السيادية (وزارة الخارجية والدفاع والأجهزة الاستخباراتية). فهل ُيعقل أن تطرح مصر مبادرة للتهدئة دون أن يتم عرضها على الطرف الأصيل فى الأزمة الحالية وهو فصائل المقاومة الفلسطينية؟ وهل ُيعقل أن يتم تقزيم الدور المصري كي يصبح أقرب لدور "ساعي البريد" بين الفلسطينيين والإسرائيليين إن لم يكن أقل؟ وهل وصل الأمر إلى الدرجة التي ينعدم فيها التمييز بين العدو والصديق؟

دعك من الانحطاط والتدهور المهني والأخلاقي الذي أصاب طيف واسع من النخبة السياسية والإعلامية فى مصر، والتي يتبنى كثير منهم نفس المنهج الصهيوني فى التعاطي مع المقاومة الفلسطينية وأهل غزة، فهذا عرض لمرض كبير اسمه الاستبداد الذي غسل الأدمغة والعقول طيلة العقدين الماضيين، ولكن أن يصل الأمر إلى حد هيمنة التفكير التآمري على صانعي السياسة الخارجية المصرية فهذا مؤشر خطير على مدى تدهور الدبلوماسية المصرية؟ فقبل أيام أشار وزير الخارجية المصري سامح شكري بأن ما يحدث فى المنطقة هو "مؤامرة" تستهدف "تفكيك المنطقة إلى دويلات صغيرة" يقودها محور إقليمي فى القلب منه حركة "حماس". من حق الوزير أن يتبن ما يشاء من مواقف سياسية وإيديولوجية، لكن من غير المنطقي أن يردد كلاما دوجمائيا دون أن يقدم دليلا ملموسا على صحة ما يقول.

لعقود طويلة كانت القضية الفلسطينية بمثابة ورقة سياسية ودبلوماسية حيوية لدى مصر التي استخدمتها فى أحيان كثيرة لصالح الفلسطينيين، وفى أحيان أخرى لتحقيق مكاسب سياسية خاصة بالنظام السياسي خلال عهد مبارك. ولكن منذ قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير تحولت هذه الورقة إلى عبءومصدر قلق للدولة المصرية. وأسباب ذلك كثيرة منها، أولا، انخراط الأجهزة السيادية المصرية (المخابرات العامة والحربية ووزارة الدفاع) في اللعبة السياسية بشكل يومي وتفصيلي لم يحدث منذ عهد عبد الناصر، وهو ما جعلها تلتفت عن وظائفها الأساسية وحجب عنها الرؤية الكلية والموضوعية للمسألة الفلسطينية، وهو ما ينطبق أيضا على ملفات وقضايا إقليمية أخري كملف المياه والعلاقة مع إثيوبيا وملف الوضع فى سوريا. ثانيا، "مصرنة" القضية الفلسطينية والإصرار على جعلها جزء من تفاعلات الأزمة السياسية الداخلية. وهو ما حدث بالفعل وأدى ليس فقط إلى حالة اشتباك غير مبررة بين الأمرين، ناهيك عن محاولة النظام الحالي تصدير أزمته السياسية للخارج من خلال القفز للأمام دون حسابات واقعية وهو ما قد يورط البلاد فى ملفات إقليمية أخرى سيكون ثمنها باهظا.

ثالثا، الاستسلام الواضح من قبل هذه الأجهزةللمزايدات الإعلامية والسياسية للنخبة المصرية التي تسعى لتصفية حساباتها مع الإخوان على حساب القضية الفلسطينية، وذلك على الرغم من هيمنة وتأثير هذه الأجهزة على مضمون ومحتوى الخطاب الإعلامي فى مصر منذ انقلاب الثالث من يوليو ٢٠١٣. فعلى سبيل المثال لم تتوقف هذه النخبة عن تكرار المزاعم التي أنتجتها الشبكة الإعلامية للثورة المضادة بتورط حركة "حماس" فى عملية اقتحام السجون أثناء ثورة ٢٥ يناير وهو ما كتبنا عنه في حينها، وهى الأكذوبة التي يبدو أنها تحولت إلى "حقيقة" لدي السلطات المصرية وباتت تتصرف علي أساسها ما أدى إلى خلط كثير من الأوراق. وقد زادت عملية "الشيطنة" الممنهجة لحركة "حماس" والمقاومة الفلسطينية بعد إسقاط جماعة "الإخوان المسلمين" قبل عام، إلى أن وصل الأمر إلى اتهام الحركة قضائيا بأنها "منظمة إرهابية"، وذلك فى تماه تام مع التصنيف الإسرائيلي للمقاومة الفلسطينية. لذا لم يكن غريبا أو مفاجئا أن يستشهد رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتانياهو بالموقف المصري من الحركة كي يبرر جرائمه المتواصلة على قطاع غزة.

من جهة أخرى، فإن الحرب على غزة تمثل أول اختبار حقيقي وجاد للرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي الذي لا يبدو أنه يتمتع بنفس القدرة والذكاء فى التعاطى مع القضية الفلسطينيةمقارنةبسلفيه مبارك ومرسي. فالرجل لا يفرق بين صراعه الوجودى مع جماعة "الإخوان" وموقفه من حركة "حماس"، أو بين "حماس" وبقية فصائل المقاومة الفلسطينية. وهو ما دفعه إلى الوقوع فى خطأ استراتيجي فادح حين تعامل هو وأجهزته بغطرسة مع المقاومة ولم يدعها للتحاور أو الجلوس منذ بدء الحرب الإسرائيلية وحتى الآن، وهو ما سيفعله قطعا تحت وطأةتطورات الأزمة والضغطالخارجي لإنهاءها ما سوف يؤثر سلبا على رأسماله السياسي والإقليمي.

موقف السيسي من الحرب على غزة يعكس جزء مهم من رؤيته (بافتراض وجودها) لسياسة مصر الخارجية ودورها الإقليمي، وهى امتداد لنفس رؤية مبارك خاصة خلال العقد الأخير من حكمه والتي كانت ترى فى مصر مجرد "مقاول" سياسي يستثمر فى موقعها الجيواستراتيجي ووزنه التاريخي دون القيام بأي جهد حقيقي لتطوير وتحديث هذا الدور وتعظيمه. وقد عبر السيسي عن ذلك بعبارته الوافية الشهيرة "مسافة السكة" والتي تلخص بوضوح نظرته لطريقة إدارة السياسة الخارجية. وهي العبارة التي تعكس منظورا كلاسيكيا وبائسا للعلاقات الدولية عفا عليه الزمن يقوم بالأساس على فكرة القوة "الخشنة" أو العارية، التي تقاس بحجم الجيوش وكفاءتها واستعدادها، ناهيك عن التركيز الشديد على البعد الدولتي. وهو مفهوم تجاوزته العلاقات الدولية منذ أكثر من نصف قرن بعد ظهورأبعاد أخرى للسياسة الخارجية كالقوة الاقتصادية والتكنولوجية، وظهور فاعلين غير دولتيين، بالإضافة إلى العلاقة الوثيقة بين الداخل والخارج فى ظل عالم معقد ومتداخل.

ويبدو أن عدم قدرة السيسي، ومن خلفه الدولة المصرية، على التمييز بين الملفات المختلفة وتحرى الخيوط الدقيقة الفاصلة بينها، من شأنه إفقاد مصر لدورها الإقليمي وسوف يؤدي بنتائج عكسية تماما لما يطمح إليه الرجل ومن يدعمونه. فمن شأن الرعونة والتخبط فى إدارة ملف الحرب على غزة، ودخول الدولة المصرية فى مخاصمة مع المقاومة الفلسطينية، ليس فقط أن يؤثر على صورة الدولة المصرية ويأكل من قوتها الناعمة التي تضاءلت بشكل واضح منذ انقلاب يوليو وإنما أيضا سوف يفقدها الملف الحقيقي الوحيد الذي يمنحها أفضلية خارجية وهو الملف الفلسطيني.

وحتى الآن فإن خسائر مصر من الحرب على غزة تفوق ما كان يطمح إليه السيسي وداعميه. فمن جهة أولى، فقد خسرت مصر جزءا مهما من رصيدها ورأسمالها الدبلوماسي والشعبي بسبب الرعونة والتشدد اللذين تدير بهما الأزمة الحالية. وفقدت مصر فعليا صفة "الوسيط" (هنا بالمعني الفني المحض وليس سياسيا لأن مصر فقدت حيادها السياسي منذ وصول حماس للسلطة عام ٢٠٠٦) حيث لا يعقل لمن يقوم بأي وساطة أن يفرض شروطه على أحد طرفي الأزمة وفق منطق: إما أن تقبلوا مبادرتنا أو أن تموتوا!! وهو هنا، ربما من حيث لا يدري، قد أنهى دوره كوسيط.

ومن جهة ثانية، لأول مرة منذ قيام دولة إسرائيل عام ١٩٤٨ تضع مصر نفسها فى خصومة صريحة وواضحة مع المقاومة الفلسطينية ليس فقط إعلاميا وإنما أيضا سياسيا ودبلوماسيا. ويكفي أن نقرأ مانشيتات وتعليقات وتصريحات المسؤولين الإسرائيليين كي نعرف إلى حد ابتعدت مصر عن القضية الفلسطينية واقتربت من عدوها الأول.

ومن جهة ثالثة، ساهم التخبط وضيق الأفق فى تقليص خيارات الدبلوماسية المصرية فالآن إما أن تصر على المبادرة المطروحة دون تعديل من أجل حفظ ماء الوجه وهو ما لن تقبله المقاومة الفلسطينية بعد النتائج غير المتوقعة التي حققتها على الأرض، رغم الخسائر البشرية الكبيرة، أو أن تتراجع وتقبل بمطالب المقاومة المشروعة وهنا أيضا ستبدو خاسرة في أعين مؤيديها خاصة من جوقة اليمين الشوفيني المتطرف من إعلاميين وسياسيين.

ومن جهة رابعة، فإن فشل السيسي فى إدارة الأزمة الحالية من شأنه تقليل ثقة حلفاءه في قدراته السياسية، وبالتالي التأثير على الدعم المالي والسياسي الذي يلقاه. فالرجل لم يف بالمهمة المطلوبة وهي "خنق" حماس وإضعافها، بل على العكس ساهم فى زيادة شعبيتها وتحسين موقفها التفاوضي بسبب رعونته وضعف بصيرته.

لقد آن الأوان كي تعيد القاهرة التفكير فى دورها الإقليمي خاصة فيما يتعلق بالملف الفلسطيني الذي يجب أن تتوقف عن التعاطي معه باعتبارها الوكيل الحصري له. فالجغرافيا والتاريخ، وحدهما، لا يبرران فرض الوصاية على المقاومة الفلسطينية أو تحديد خياراتها التي هى أدرى بها من أي طرف أخر. وعلى من يديرون هذا الملف أن يتوقفوا عن المماحكات والمراهقة السياسية التي تضر ولا تنفع، فمصر كانت، وستظل، أكبر من ذلك بكثير.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان