رئيس التحرير: عادل صبري 11:49 صباحاً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

زلزال غزة وانهيار دور مصر الإقليمي

زلزال غزة وانهيار دور مصر الإقليمي

فلسطين تقاوم

لم تعد مصر قادرة على تأدية دور الوسيط بكفاءة

زلزال غزة وانهيار دور مصر الإقليمي

د. أحمد تهامي 26 أغسطس 2014 11:44

مؤشران هامان انتهيا بتصريح خالد مشعل بأن مفاوضات القاهرة لا جدوى منها، وابتدءا باستبعاد مصر من اجتماع باريس حول قضية غزة، وهما مؤشران خطيران للغاية حول مدي تراجع دور مصر الاقليمي وانعزالها عن أهم قضايا الأمن القومي المصري بسبب سياسات السلطة الحاكمة التى انقلبت تماماً علي الدور التاريخي لمصر ونظرية الأمن القومي ومصالحها العليا.

إن إصرار السلطة علي التواطؤ في حصار غزة وعداء حركات المقاومة ومساندة العدوان بطريق مباشر أو غير مباشر أثر بشكل سلبي وغير مسبوق علي مكانة مصر وقوتها الناعمة ودورها الإقليمي. فالمبادرة المصرية التى جاءت – كما يري كثير من المراقبين داخلياً وخارجيا - جاءت لصالح الطرف الإسرائيلي في العدوان علي غزة.

وكان الحرص - في البداية - علي استبعاد الطرف المقاوم وتجاهل حضوره في الأزمة مما أدى لإجهاض المبادرة وفشل مؤتمر الأربعة الذي حضره جون كيري وبان كي مون ونبيل العربي ومحمود شكري في القاهرة في تحقيق أي انجاز. ثم أتى ما تبدى باعتباره انتهازية إسرائيلية للمفاوضات المصرية في التحضير لعملية اغتيال 3 من كبار قادة حماس ليضفي مزيدا من الإحراج – بقدر علامات الاستفهام على الدور المصري.

 

إطلالة على الأبعاد التأسيسية للدور المصري

والحقيقة أن التراجع والتدهور الحالي في مكانة مصر ودورها لا يمكن استيعابه بدقة بدون إدراك عميق لحقائق وطبيعة موقعها في الصراع العربي الإسرائيلي والانقلابات المأساوية في ممارسة وسياسات واستراتيجيات النظم والقيادات الحاكمة والقيادات من السادات ومبارك والسيسي.

فالدور المصري ينطلق من نظرية الأمن القومي ومصالح مصر العليا، وأهم ركائز هذه النظرية أن التهديد الحقيقي لمصر يأتي من العدو الإسرائيلي – وليس من حركات المقاومة كما يحصل الآن. ولذلك فمساندة حركة التحرر الفلسطينى لا يرتبط فقط بالأبعاد الإنسانية والأخلاقية أو كما ادعى السيسي في خطابه في ذكري 23 يوليو أن مصر قدمت مائة ألف شهيد من أجل فلسطين. فهذه الحروب كانت من أجل مصر وفلسطين معاً.

فمن منظور الجغرافيا السياسية كانت إقامة إسرائيل بمثابة قطع للتواصل الجغرافي والبشري بين مصر ودول المشرق العربي، بل إن وجود إسرائيل نفسها في الرؤية الاستعمارية الغربية جاء كأداة وعصا غليظة لمنع حركات التحرر والوحدة العربية والإسلامية. ولذلك دخلت مصر في حرب 1948 لمنع نشوء كيان صهيوني معاد علي حدودها الشمالية الشرقية. وتوالت المواجهات العسكرية الضارية في حروب 1956 و1967 و1973.

ومن المنظور الاقتصادي فإن ارتباط إسرائيل بالرأسمالية العالمية يقوم علي أساس استغلال موارد المنطقة المالية والبشرية لخدمة اندماج اسرائيل في النظام الاقتصادي العالمي، ولذلك نظرت مصر في عقد التسعينات بكثير من التوجس والقلق لمشروعات التعاون الاقتصادي الشرق أوسطي التى كانت تستهدف إدماج إسرائيل اقتصادياً في المنطقة كطرف يحتكر المعرفة والتكنولوجيا؛ فيما يقدم العرب والمصريين الأيدي العاملة والمال وفقاً لنظرية الشرق الأوسط الجديد.

 

كامب ديفيد وتصور جديد لدور مصر

بداية التدهور في دور مصر ارتبط بمعاهدة كامب ديفيد التى مهدت لسلام مصطنع بين مصر وإسرائيل علي حساب نظرية الأمن القومي المصرية التقليدية، وأدى ذلك  إلى قطيعة وانشقاق تاريخي في العلاقات العربية – العربية، وعزل مصر، وتجميد موقعها في الجامعة العربية في نهاية عصر السادات. وقد حاول نظام مبارك في بدايته السعي لإقامة نقطة توازن في العلاقة باعتبار أن التعاون والسلام وحتى التطبيع مع إسرائيل لا يكون بالضرورة علي حساب العلاقة مع الدول العربية وحركة التحرر الفلسطينية علي وجه الخصوص.


ولكن السنوات الأخيرة في عهد مبارك شهدت تراجعا في دور مصر؛ بتبعيتها شبه الكاملة للسياسة الإسرائيلية - الأمريكية، وقبولها الضمنى للاعتداء الاسرائيلي علي لبنان في 2006 وغزة في 2008، وذلك في إطار مخطط توريث السلطة لنجل مبارك، وحرصه علي حيازة الرضا الأمريكي والإسرائيلي لهذا الأمر. وقد كانت أبرز نتائج ثورة يناير تحسين العلاقات مع الطرف الفلسطينى المقاوم وتجميد العلاقات مع اسرائيل، وخصوصاً بعد محاصرة سفارة إسرائيل في القاهرة، ثم دعم حكومة الرئيس الأسبق مرسي لغزة والمقاومة في صفقة الأسرى، وإجهاض العدوان علي غزة في 2012؛ مما أعاد لمصر حضورها العربي المفقود.

وعلي الرغم من أن التحول في دور مصر ارتبط باتفاقية كامب ديفيد، إلا طبيعة نظام الحكم ونمط القيادة والنسق الإدراكي لصناع القرار يكشف عن تفاوت في الممارسة والسياسات. وتكشف المقارنة بين مبارك والسيسي عن مستوي أعمق من التدهور والانحدار في مكانة ودور مصر في المرحلتين، فعلي الرغم من ممالآة نظام مبارك لإسرائيل وتورطه في تطبيع غير مسبوق معها؛ إلا أنه كان حريصاً علي استخدام بعض وسائل الضغط المتاحة؛ ومن أهمها الحراك الشعبي والمظاهرات في الشارع المصري كأوراق ضغط علي أمريكا وإسرائيل، بينما يقمع السيسي كل أنواع المظاهرات والاحتجاجات الشعبية بكل عنف وقسوة، ولا يفكر فيها كرصيد.

كما كان نظام مبارك يسمح بالجهود الإغاثية والمؤتمرات المناصرة للقضية الفلسطينية؛ فتشكلت اللجنة الشعبية لدعم الانتفاضة التى قدمت الكثير من رموز العمل العام في مصر، وكثيراً ما نشطت لجنة الإغاثة الإنسانية في نقابة الأطباء في إعداد القوافل والمساعدات الطبية لغزة رغم الحصار. ولكن تقييد نظام السيسي للعمل النقابي أجهض هذا الدور.

وقد أدي تحالف أحزاب "جبهة الإنقاذ" مع أجهزة الدولة للسيطرة علي النقابات خصوصاً الأطباء  إلى تغييب دورها الوطنى والإغاثي في التخفيف عن أهل غزة، وفقدت مصر مصدراً من أهم مصادر القوة الناعمة.

ومن ناحية ثالثة كان نظام مبارك أكثر قدرة علي المناورة في بعض الأحيان حيث كان بإمكانه المراوغة باستخدام بعض الأدوات الدبلوماسية؛ مثل استدعاء السفير المصري من تل أبيب، أو الدعوة لاجتماعات قمة عربية رمزية لإظهار التضامن ولو شكلياً مع فلسطين. أما مصر السيسي فليس لديها هذه المرونة؛ بل هناك جمود وتصلب في مساندة إسرائيل، وعداء للمقاومة جعلها تمنع قوافل الإغاثة الانسانية التى يعدها النشطاء. ولم تلوح مصر مجرد تلويح بسحب السفير المصري كما كان يحصل سابقا، بل استمرت رحلات مصر للطيران  إلى مطار بن جوريون علي نفس الوتيرة علي الرغم من تجميد عدد كبير من شركات الطيران العالمية لرحلاتها.

وأخيرا، فقد كان نظام مبارك يحتفظ بشعرة معاوية مع حركات المقاومة ويحرص علي استمرار التواصل مع حماس والجهاد من خلال قناة المخابرات المصرية بل كان يتم استضافتهم في القاهرة في حوارات المصالحة الوطنية والتهدئة، كما كانت الأجهزة الأمنية تغض الطرف عن بعض أنشطة التهريب واقتصاد الأنفاق؛ مما يحقق استفادة متبادلة لغزة وأهل سيناء علي الحدود. أما نظام نظام السيسي فيحاصر القطاع وغزة بشكل أكثر قسوة حيث يغلق معبر رفح بشكل شبه دائم ويهدم الأنفاق بهدف خنق القطاع وإضعاف سلطة حماس. وفي المقابل تحظي السلطة المصرية بتأييد واسع النطاق من إسرائيل، واللوبي الإسرائيلي في واشنطن، والذي تدخل أكثر من مرة من أجل استمرار المعونة العسكرية للجيش المصري بعد انقلاب 3 يوليو 2013.

ولا شك في أن استبعاد مصر من المشاركة في مؤتمر باريس لم يكن المؤشر الوحيد علي انهيار مكانة مصر وتراجع قوتها الناعمة ودورها الاقليمي، فالرأي العام العربي وحتى الدولي ينظر بغضب وسخط  إلى السياسة المصرية. فالمظاهرات التى تعم أنحاء مختلفة من دول العالم تنتقد الحصار المصري لغزة وعدائها لحركات المقاومة بشكل صريح. ومصر السيسي أصبحت موضع اتهام صريح بالتواطؤ. وقد جاء في استطلاع رأي الشعب الفلسطمينى في الضفة الغربية أجراه مركز أوراد في 23 يوليو 2014 أن نحو 93% من الفلسطينين يرون دور الحكومة المصرية سلبياً في الأزمة، وهذه نسبة غير مسبوقة في تاريخ العلاقات المصرية الفلسطينية، وهي نفس النسبة التى حصلت عليها الولايات المتحدة في نفس الاستطلاع، أي أن نظرة الفلسطينين لدور مصر في الأزمة هي نفس نظرتهم لأمريكا الحليف الرئيسي لإسرائيل.

 

مصر في الإستراتيجية الأمريكية

ومن زاوية براجماتية بحتة يلاحظ أن الفشل في إدارة الأزمة الحالية أثر تأثيرا سلبيا على دور مصر كوسيط وعامل تهدئة واستقرار في الاستراتيجية الأمريكية. فعلي الرغم من كثافة الاتصالات الدولية في بداية الأزمة، وتردد جون كيري بين القاهرة وتل أبيب، ودعم كثير من الدول الغربية للمبادرة المصرية، إلا أن تصلب الموقف المصري وفقدانه لمقومات التأثير السياسي والأخلاقي علي المقاومة سحب البساط تدريجيا ًمن الدبلوماسية المصرية وجعل مركز الثقل والفاعلية في الاتصال الفلسطيني الإسرائيلي.

فمصر في نظامها الراهن أخذت تخسر دورها كوسيط غير منحاز وعامل استقرار وضابط لتهدئة الأوضاع في الملف الفلسطيني، وهي بذلك تخسر أيضاً مكانتها في الإستراتيجية الأمريكية. فالدور المصري كان مفيداً في الإستراتيجية الامريكية تجاه المنطقة العربية والاسلامية كما صاغها كيسنجر في السبعينيات من أجل ثلاثة أهداف هي الوقوف في وجه التمدد السوفيتي في المنطقة، وتوفير قاعدة للتحرك الامريكي في الخليج، وأخيراً دور الوسيط بين الفسلطينيين والإسرائيليين. وبعد انهيار الاتحاد السوفيتى ووجود القوات الأمريكية مباشرة في الخليج لم يبق من أدوار يمكن أن تقوم بها مصر سوي الوساطة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولكن عداء السيسي للمقاومة وسياسته الرامية لتفكيك وحصار حماس وغزة جعلته طرفاً منحازاً يتبنى نفس الأجندة الإسرائيلية في المعركة.

ونظراً لأن النظام المصري الحالي لا يستطيع أن ينفك عن حالة العداء والكراهية لحماس، فإنه يتقمص شخصية ودور الطرف الإسرائيلي، بمعنى أنه يصبح طرفاً معادياً وليس وسيطا، وهو بذلك يفقد نقطة تميزه ودوره في الإستراتيجية الامريكية. ويري ستيفن كوك في مقاله بالفورين بوليسي أن مصر فقدت هذه الوظائف، وهو ما يعكس شعور بعدم الرضا الأمريكي تجاه عجز السيسي ومؤسسته عن القيام بالدور الوظيفي المنصوص عليه في بنية العلاقات المصرية الأمريكية.

والواقع أن توزيع الأدوار في الإستراتيجية الأمريكية يقتضى أن تقوم مصر بدور الوسيط حين تتصاعد الأزمة، وليس أن تكون طرفاً منحازا، فما أكثر الأطراف المنحازة، وما أكثر الموارد التى يمتلكونها. أما أدوار الوسيط والمهدئ وإطفائيو الحرائق فقد كانت مصر تؤديه بمرونة وبراجماتية لفترة طويلة. إن انحيازات السلطة الحاكمة في مصر وتدهور علاقاتها مع الطرف المقاوم تفقدها قيمتها في الإستراتيجية الأمريكية، وذلك حتى تقوم بإعادة تعديل وظيفتها ودورها في المنطقة، أو أن تحل محلها أطراف اقليمية أخرى يمكنها ملء الفراغ مثل تركيا وقطر علي وجه الخصوص.

والأكثر أهمية أن الموقف الرسمي المصري – بل والعربي - المتواطئ في العدوان لم يعد يمتلك القدرة على تغيير ميزان القوى في المواجهة الميدانية التي يمكن أن تطول أكثر من ذلك مما يزيد الضغوط علي الموقف المصري.

دكتوراة العلوم السياسية من جامعة درهام بالمملكة المتحدة

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان