رئيس التحرير: عادل صبري 07:44 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

البارانويا .. للمبتدئين

البارانويا .. للمبتدئين

بقلم: محمد جادلله 19 أغسطس 2014 09:18

لم يدرك عندما فتح عيناه بصعوبة بعد "جلسة كهرباء" الأمس .. أين هو؟ أي سقف هذا الذي ينظر إليه ؟؟.. فسقوف حياته كلها .. كانت دائماً بيضاء ..

تحامل على نفسه وهو يجاهد للنهوض التدريجي من سريره .. فأدرك أنه .. نائم على سرير المستشفى الحديدي .. بقى جالساً لفترة طالت على حرف السرير .. مستنداً عليه بكفيه .. مطأطئ الرأس .. ومرت عليه الثوان ببطئ .. حتى ظن أنه لن ينهض أبداً..

.....:

من خلف باب الغرفة .. جاءه صوت أخيه وهو يسأل الممرضة بلهفة: هو صاحي والا لسه نايم؟ .. وتخيل ابتسامة الألم على وجهه وهو يدس مبلغاً من النقود في يد الممرضة مضطراً ..

ثم استحضر صورة تلك الممرضة الفاسدة الماجنة التي تراوده عن نفسه كل ليلة .. وهي تحصي النقود بدقة خبير اعتاد ضميره الرشوة ..

وتأكد ظنه فيما سمع حين جاءه صوتها وهي تهمس: يا كرم الله.. والله .. أنا خففت عليه "جرعة الكهربا" امبارح .. وطظ في كلام الدكتور .. والله .. ده بس علشان كرم أخلاقك ده..

.....

شد ذراعاي بكلتا يديه ليساعدني على النهوض من على السرير الصدئ .. واتجهنا سوياً .. خطوة .. خطوة .. إلى النافذة المطلة على الحديقة ..

سألته: عامل إيه؟ كل الأمور بخير ؟ الشغل .. ومديحة وولادك عاملين إيه؟

تردد في الإجابة !! .. فقلت في نفسي: لا يريد أن يكذب علىَّ .. فالتوائم يكتشفون الكذب بينهم .. مهما بلغت درجة إتقانه.

رد بعدها وهو يتحاشى أن تلتقي عينانا: الحمد لله على كل حال .. ما تشغلش بالك انت بس لحد ما تخرج من هنا بالسلامة ..

"عجيب أمر توأمي .. لم يهتم يوماً بنفسه .. هو يهتم في كل لحظة بالآخرين من حوله .. ويتفاني في حبهم .."

تداعت إلى وجدانهما في لحظة الصمت ذات الفكرة .. بذات الكلمات .. فنظر كل منهما في عيني الآخر بذات الحب .. وكأنهما ينظران في مرآه ..

.......

قلت وأنا أنظر في عينيه كي أكون أكثر أقناعاً بالكذب منه:

أنا أحسن الحمد لله .. الأصوات اللي كانت بتزن في وداني علطول ..بتقولي إن فيه ناس بتتآمر عليا وعايزين يدمروني وهاتموتني .. خفت وقلت أوي .. والتهيؤات اللي بتحصلي كمان قربت تختفي .. يظهر الدوا جاب نتيجة ..

ثم نظرت عبر النافذة قائلاً:

كتر خيرك والله .. استحملتني سنين بصبر .. وأقنعتني إن ده مرض وسواس قهري وفصام .. وإني لازم اتعالج .. غير كده كان زماني انتحرت أو ارتكبت جريمة ..

بس أمانة عليك .. لتستغل موضوع انك دكتور زيهم وتخليهم يبطلوا يدوني جلسات الكهربا .. بتتعبني أوي أوي..

ساد الصمت لوهلة .. ثم سألته وأنا أحاول رفع جفناي بصعوبة:

- طمني انت بقى عليك .. انت عامل إيه في الدوشة اللي حواليك.. شغلك .. والبيت والعيال؟

- أنا مش مستريح والله .. بس الحمد لله على كل حال .. مضغوط من كل ناحية ..العيادة .. والمستشفى .. وصاحبها اللي مطلع عنينا .. واللي كان ناقص إبنه

الدكتور جمال اللي حاطط مناخيره في كل حاجة .. وحاططني في دماغه.. ده غير طلبات مديحة والعيال اللي مابتخلصش .. وهانصيف فين .. ومارينا وماريناش .. ده غير إن معالجة المرضى بقت صعبة أوي .. لأن أغلبهم ما بيعترفوش داخلياً أنهم محتاجين علاج .. أو أن العلاج هاينفعهم ..

ابتسمت له بحب وقلت:

طب انت كده يتخاف عليك .. انت أعصابك رقيقة .. مانتا دكتور آه .. بس كمان أديب وشاعر .. فنان يعني .. يا أخي تتعب كده !!! .. خد بالك من نفسك ..

.....

امتدت يدي لتفتح زجاج النافذة لتبهرني درجات اللون الأخضر الممتدة على مرمى البصر.. فسرحت في جمالها.. وأجبرتنا أصوات العصافير الرقيقة على التزام الصمت والاسترخاء ..

حتى انتبهت على يد الممرضة وهي تربت على كتفي .. وجائني صوتها قائلاً:

جلسات الكهربا هاتبتدي .. عندنا أربعة النهاردة ...

التفت إليها صارخاً: حرام عليكم !!!! أربع جلسات إيه؟؟ الجلسة بتاعة امبارح تعبته أوي ..

وقفت مذهولة من رد فعلي وقالت بتردد وهي تضغط على الكلمات:

- يا دكتور .. عندنا أربع جلسات .. لأربعة مرضى .. هانبتدي بعد عشر دقايق .. وهو مين فيهم يا دكتور اللي الجلسة تعبته أوي إمبارح؟

التفت بعنف وأنا أشير إلى توأمي .. فلم آجد له أثراً .. ووجدته مكتبي الكبير ومن خلفه مكتبتي العامرة بالكتب .. في مكان سريره ...

خانتني قدماي من هول الصدمة .. فقد تذكرت في تلك اللحظة حقيقة أني .. طفل وحيد لأبواي ..

استندت على ذراعها وأنا أقطع المسافة إلى كرسي المكتب بصعوبة حتى ارتميت عليه والعرق البارد يتصبب من جبهتي ..

بدا على وجهها الذعر وهي تسألني: مالك يا دكتور .. أجيبلك حاجه ..

رددت وأنا أجتهد أن تخرج الكلمات بوضوح من فمي:

أنا .. أنا تعبان شوية .. خلى الدكتور جمال يقوم بالجلسات بدالي ... وبعديها .. خليه يجهز لجلسة خامسة .. ويبلغني ..

قالت بفضول: الخامسة لمين يا دكتور ؟؟

رددت عليها بكل هدوء قائلاً: لمريض .. هايوصل كمان شوية.. واحتمال نحتاجها ..

.....

إستلقيت بعدها مغمضاً عيناي على مقعدي الوثير .. وسرى الخدر في جسدي .. حتى انتبهت على صوت الدكتور جمال وهو يداعبني قائلاً:

هاه ؟ عامل إيه يا بطل النهاردة ؟ معلش الجلسة بتاعة امبارح كانت تقيلة شوية .. أوعدك جلسة النهاردة هاتكون أخف ..

يالا يا راجل ... فوق كده .. انت استحليت النوم عالسرير المصدي ده والا إيه !!!
.....

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان