رئيس التحرير: عادل صبري 01:04 صباحاً | الثلاثاء 25 سبتمبر 2018 م | 14 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

قيمة أرواح أهل غزة صدقاً ونفاقاً

قيمة أرواح أهل غزة صدقاً ونفاقاً

حسن منيمنة 27 يوليو 2014 09:42

قُدِّر لأهل غزة أن يتم تذكيرهم دورياً، وبمهلة فاصلة لا تتجاوز العامين، بأن ثمة من يرى أن أرواحهم أقل قيمة من أرواح الآخرين.

فالحكومة الإسرائيلية، لدرء التهديد الذي تشكله صواريخ تطلق من وسطهم متوعدة التجمعات السكانية في إسرائيل، على رغم أن القوات المسلحة الإسرائيلية وضعت موضع التنفيذ منظومة دفاعية قادرة على اعتراض فعّال لهذه الصواريخ، لا تجد حرجاً بأن يرتفع عدد قتلاهم من غير المقاتلين إلى المئات، لا بل تهنئ نفسها على ميزتها الأخلاقية المفترضة، لإقدامها على خطوات تنبيهية للمدنيين بالخروج والنزوح، على رغم توثيق عدم فعالية هذه الخطوات واقتصارها في أكثر من حالة على الطابع الشكلي بل الدعائي.

والرئيس الأميركي باراك أوباما، وهو في منتصف ولايته الثانية، أي حيث يفترض أن يكون قد انعتق مما يعتبره البعض ولاءً كاذباً لمصلحة إسرائيل طمعاً بالدعم الانتخابي لمؤيديها في الولايات المتحدة، اختار أن يحاضر الأميركيين المسلمين الذين دعاهم إلى الإفطار السنوي، والذي درج البيت الأبيض على إقامته في العقدين الماضيين، بقناعته حول حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها، مساوياً من دون الخوض بالتفاصيل بين حالة القلق التي تطاول الإسرائيليين من خطر الصواريخ العشوائية، وحالات الموت والدمار التي تشهدها غزة في الهجمة العسكرية التي تبدو مزيجاً من الوقائية والاقتصاص.

كان بوسع هذا الرئيس أن يبقى صامتاً إزاء ما يجري في غزّة، فالمناسبة دينية واجتماعية ومحلية لا تستدعي طرح الأمور الخارجية أو الخلافية. لكنه تحدّث وحاضر حول استثنائية وتسامح أميركيين يعود إليه الفضل الكبير في تبديدهما، فيما هو أشار من غير عمد إلى أنه يشاطر الكثرة من مواطنيه الذين يرون المسلم غريباً عن مجتمعهم فلا يخاطب إلا بالشأن الدولي، ويتفق مع من يسقط على المواجهة في فلسطين طابع الصراع الديني ويغيّب منها الجانب الحقوقي.

أرواح أهل غزة أقل قيمة، ليس لدى الحكومة الإسرائيلية ورئيس الولايات المتحدة فحسب، بل هي كذلك لدى قيادة حركة حماس، والتي تقيس النجاح والفشل ليس بقدرتها على تجنيب الفلسطينيين القتل، بل بمدى تحقيقها للقتل المضاد، مكتفية بمقدار لا يقارب التكافؤ أبداً. فكل قتيل إسرائيلي مدعاة احتفال، وإن كان ثمن قتله موت المئات من أهل غزة. بل إن ثقافة المقاومة التي تعتنقها حماس وتفرضها على أهل غزة شاؤوا أو أبوا، ترى في السعي إلى النجاة من الموت خيانة، وفي التحذير من مساوئ المواجهة العسكرية تخاذلاً، وترى في الموت استشهاداً، وإن كان كما هي الحال مع معظم الذين قتلوا في غزة، مجانياً وعبثياً، جلّ ما يحققه مكسب آني زائل هو «فضح» العدوان الإسرائيلي واستهتاره بمعايير العدالة في الحروب، وهي المعايير التي تجاهر «حماس» فعلاً وقولاً برفضها، مقابل الجرح الدائم الذي لا يندمل من التيتيم والتثكيل والإعاقة والألم.

والموقف المؤيد لهذا المنحى المقلل من قيمة أرواح أهل غزة يجادل بالكرامة كقيمة عليا، وبالحصار المميت سبباً لنهج الاستشهاد، فارضاً تعارضاً غير مبرر بين الكرامة والحياة، إذ إن سبل المقاومة لا تقتصر بتاتاً على الأساليب التي أثبتت عقمها وما زالت حركة «حماس» متمسكة بها، في حين أن هذه الأساليب، من الرشق بالصواريخ إلى التهديد بالقتل ومحو الوجود، من العوامل الدافعة إلى تشديد الحصار، وإلى تمتين الموقف الداخلي الإسرائيلي وكذلك الدولي في إهمالهما المعيب لحق الفلسطينيين بالحياة والكرامة.

إلا أن الجديد في هذه الجولة المتكررة من الهجمات الإسرائيلية القاتلة على غزة هو أن ثمة من يرى، على ما يبدو، أن أرواح أهل غزة أكثر قيمة من أرواح غيرهم.

فقد مضى على العراق أكثر من عقد وهو يتآكل داخلياً بأفعال انتقامية لمظالم تتوزع بين الصدق والكذب، والظن والوهم، ويتوافد إليه الشباب العربي من القاصي والداني، لينحروا وينتحروا بأفعال إجرامية ألبست ثياب الدفاع عن الدين والمذهب، فيما سورية تعيش منذ أكثر من ثلاثة أعوام مقتلة متواصلة من نظام يجهد لاستبدال ما فقده من القدرة على فرض نفسه بالترهيب بالعمل على حرمان معارضيه وقاعدتهم الشعبية من مقومات الاستمرار.

ولا تتوقف مآسي الإنسان العربي، المسلوب الكرامة والمهدد بحياته، على العراق وسورية. فإذ تتكاثر الأطراف المتواجهة في هاتين الدولتين، وتتباعد انتماءاتها العقائدية، فإنها من دون استثناء تجتمع على تثمين المقاومة في غزة وإدانة العدوان الإسرائيلي عليها.

فـ «حزب الله» اللبناني، والذي تحتل قواته المتجاوزة الحدود بأمر من الولي الفقيه الإيراني، منطقة القلمون السورية، والذي يفاخر بعمليات القتل الجماعي لمن يشتبه في أنهم من المعارضين لنظام دمشق، يلتقي في مناصرته لغزّة، كلامياً فقط، مع الدولة الإسلامية وخليفتها الذي يعتبر تهجير السكان من ديارهم فعل رحمة، والقتل الممنهج لمن يمتنع عن مبايعته إحقاق حق. ولا يشكل التشابه بين الظلم الذي يتعرض له الغزّيون والظلم الذي يقترفه هؤلاء بمن هم تحت سطوتهم أي حرج لهم، بل تبدو أرواح أهل غزة، لوهلة، أغلى من أرواح عموم العراقيين والسوريين.

لكن الأمر ليس كذلك طبعاً. فسخط أتباع الجمهورية الإسلامية والدولة الإسلامية ليس لإزهاق أرواح الأبرياء. وليست أرواح أهل غزة الأغلى ثمناً، إذ النبرة المرتفعة عائدة لهوية القاتل لا لماهية المقتول. فالدماء تفور في العروق أكثر، وتداول صور الألم والموت يتم في شكل أوسع عندما يكون جلاد هذا الإنسان العربي المظلوم يهودياً. وموطن احتقار حياة الإنسان العربي ليس لدى الجمهورية والدولة ومشتقاتهما، بل في معظم الثقافة العربية التي لا تختلف عن هؤلاء في استطابة تسعير الحقد على اليهودي في إطار استهجان مظلومية غزة.

لغزّة أكثر من جلّاد. أول هؤلاء الجلادين طبعاً، الاحتلال المقدم على العدوان والفارض الحصار من ثلاث جهات. ثانيهم، وعن قرب، الأخ الشقيق المساهم في هذا الحصار من جهته الرابعة، قبل ثورته وبعدها وبعد انقلابه. ثالثهم، وهو الأقرب، قيادة تقيس بمقاييس تسقط الحياة بحجة الكرامة، وتسقط الكرامة من دون حجة. ورابعهم أسرة دولية مستقيلة وقوة عظمى فاشلة. وخامسهم ثقافة عربية متأرجحة في تثمينها أرواح أهل غزة بين الصدق والنفاق.

نقلا عن الحياة الندنية

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان