«هنا كان رمضان».. ذكريات «مصر العربية»

عادل صبري رئيس تحرير موقع مصر العربية

حركة غير طبيعية تدبّ في أركان المكان المزدحم، يقدم حارس الشركة ويحمل بين يديه "زينة رمضان" فتقبل عليها الفتيات بابتسامات وحركات طفولية يلتقطون بينها الصور في مرح لايزال عالقًا في الأذهان لم تفلح مرارة الأيام وقسوتها وما ألم بهم من حال جعلهم الآن يقبعون في منازلهم من أن تمحو تلك الذكريات.

 

 

كان الجميع فتيات وشباب، رئيس التحرير  والمحررون صغار وكبار وعمال "البوفيه" والنظافة يجتمعون في يوم واحد بإفطار  في إحدى ليالي شهر رمضان الكريم، وهكذا دام الحال منذ تأسس "مصر العربية".

 

 

ولكن هذا العام يبدو حزينًا بعض الشيء، ربما لاتزال تجمعهم ذكريات الأعوام الماضية ولكن لم يعد لهم من هذا المكان الذي كان لهم بمثابة "بيت ثان" من شيء سوى أبواب مغلقة ينبعث منها سواد حالك يبث في نفوسهم خيفة.

 

كل يوم قبل موعد الإفطار بساعة كان يجوب أحدهم بين بقية المحررين يسأل كل منهم عما يريد من طعام وشراب، ليصطحب زميلًا آخر ويذهبا سويا لإحضارهم، ومع تكبير الأذان يفترشون إحدى القاعات، يتبادل كل منهم الدعاء للآخر، ولا تخلو جلستهم من الضحك والمزاح والأمنيات.

 

الشباب والفتيات كانوا يتنافسون على السعادة، هم لهم دورة رمضانية لكرة القدم في ليالي رمضان، وهن يتفقن على إعداد وجبات في منازلهن لفطار جماعي خاص بفتيات "مصر العربية"، فيقف الشباب يطلون من خارج نافذة إحدى القاعات يشتهون ما يروا من طعام طازج يغنيهم عن تلك الأكلات الجاهزة.

 

يمر رئيس التحرير عادل صبري ويرى ما أعدت الفتيات من طعام فيثني عليهن ويمدحهن، ثم يسدي إليهن نصائح كالأب لأبنائه ألا يتناولن أكل المطاعم غير الموثوق فيه، وفي وقت آخر يحث الفتيات ألا يتأخرن عن موعد الإفطار في منازلهن.

 

أما الشباب فحين يعودون في اليوم التالي للدورة الرمضانية فيسألهم "صبري" عن الفريق الفائز وأيهما المهزوم، ليدخلوا في حلقة من المزاح والضحك، يسخر من جسد هذا السمين وأن "كرشه" سيجعله يخسر لا محالة، ويثني على بطولة ذاك، ليريهم مهارته هو في لعب الكرة حين يجتمعون في "اليوم الترفيهي" كل عام.

 

وفجأة وعلى حين غفلة داهمت قوات الأمن "مصر العربية" في 4 أبريل 2018 قبل نحو شهر أو يزيد قليلًا عن حلول شهر رمضان، ألقت القبض على رئيس التحرير أو كما يلقبه المحررون "أبو البنات" ليقضي ما يزيد عن 30 يوما خلف القضبان.

 

حل رمضان جديد ولكن لم يعد من تلك التجمعات سوى الذكريات، يجلس أصحابها في منازلهم، يشاركون الصور التي جمعتهم الأعوام الماضية على صفحاتهم على "الفيس بوك" يبكون تلك "اللمة" وما فرقهم، ثم يضحكون حين يتذكرون تفاصيل جمعتهم سويا.

 

وقبل يوم من رمضان قررت نيابة الدقي، للمرة الرابعة على التوالى تجديد حبس الكاتب الصحفى عادل صبري، رئيس تحرير موقع مصر العربية، 15 يوما على ذمة التحقيقات في التهم الموجهة إليه، ومنها "ﺍﻻﻧﻀﻤﺎﻡ ﻟﺠﻤﺎﻋﺔ ﺇﺭﻫﺎﺑﻴﺔ، ﻭﺍﻟﺘﺮﻭﻳﺞ ﺑﺎﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﻜﺘﺎﺑﺔ ﻭﺍﻟﺼﻮﺭ ﻭﺍﻟﺮﺳﻮﻡ ﻭﺍﻟﺮﻣﻮﺯ ﺇﻟﻰ ﺍﻟﻤﺬﺍﻫﺐ ﻭﺍﻷﻓﻜﺎﺭ ﺍﻟﺘﻲ ﺗﻬﺪﻑ ﺇﻟﻰ ﺗﻐﻴﻴﺮ ﺍﻟﺪﺳﺘﻮﺭ ﻭﻋﺮﺿﻬﺎ ﻋﺒﺮ ﻣﻮﻗﻊ ‏« ﻣﺼﺮ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ‏» ﺍﻹﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ.

 

ربما كان يعلم "صبري" أنه فتح الباب لتجربة مختلفة في مهنة الصحافة، ففي إحدى حفلات الإفطار الجماعي لـ"مصر العربية" قال إن الموقع يقوم بأيدي جيل جديد من الصحفيين الذين يقولون كلمة الحق في وقت صعب أن تُقال فين، قال "احنا لسة طالعين السلم والسلم عالم وأفقنا واسعة"، ولكن هل له أن يواصل الصعود؟، وإذا كانت تكبله الكلابشات في غياهب السجن، فهل لأبنائه أن يستكملوا الطريق؟.

 

 

 ليس مجرد مكانا يبحثون فيه عن لقمة العيش، وإنما كان بمثابة "بيت" أو هكذا تصفه إسراء الحسيني محررة بـ"مصر العربية" ذلك المكان الذي آنس غربتها عن أهلها الذين يقيمون في الصعيد، لطالما كانت تفضل الإفطار فيه عن مسكنها الذي تقيم فيه في القاهرة.

 

تقول إسراء إنها قضت رمضانين في "مصر العربية"، تتذكر حين كانوا يضعون جدول المواعيد في العمل كانت تحرص أن تكون من بين الذين يجلسون وقت الإفطار، حتى إذا خالف ذلك مواعيد عملها "كنت بحب لمتنا على الفطار".

 

تتذكر حين كانوا يقسمون الأعمال فيما بينهم من يحضر الفطار ومن يشتري العصائر، ومن يوزع البلح على الناس حتى يأخذ ثوار إفطارهم، ثم تجتمع الفتيات في شرفة الموقع تدعو كل منهن سرًا بما تتمنى تحقيقه، تفاصيل كثيرة تقتحم مخيلتها وهي تجلس في مسكنها تقارن بين هذه الأيام ومثيلتها رمضان الماضي.

 

في أول رمضان العام الماضي بعد الإفطار كان حارس الموقع يجوب بين المحررين يوزع عليهم "كنافة" وقطع حلوة اشتراها لهم المدير المالي لـ"مصر العربية"، هي أيضا ذكرى تحلق في ذهن "إسراء وهي تسترجع ذكرياتها التي قضتها العامين الماضيين.

 

تواصل :"أنا مفتقدة رمضان كله ليس فقط يوم الإفطار الجماعي، كنت أحب أشارك في تعليق الزينة في الموقع كما كنت أفعل في بيتنا، ثم أعلق "بوجي وطمطم" فوق مكتبي، واللذين مازالا هناك ولكن هم الآن وحدهم بدوني، وأنا بعيدة عن الموقع بات إحساسي بالغربة ضعفين، الموقع كان يهون علي كل شيء والآن لم يعد موجودا".

 

تفاصيل قليلة تختلف ما بين "إسراء" وآيات قطامش المحررتين بالموقع :"رمضان في مصر العربية فعلًا غير، كنا بنحضر الأكل ونفرش ونفطر مع بعض، مكنش مجرد موقع كان بيت، يعني فرحة أستاذ عادل بلمتنا وأحنا عاملين أكل بيتي بدل أكل الشارع اللي كان ديما لما يشوف حد بياكله يسمعه كلمتين عشان خايف على صفحته".

 

"كانت تلمع عينيه ويرسم بسمة خفيفة على شفتيه وهو يتذوق بعض الأطعمة التي أعدتها الفتيات يحفزنهن ويثني عليهن"، تلك البسمة التي لا تزال تتذكرها "آيات"، وغيرها من كلمات ومواقف، لاسيما ذلك اليوم الذي أعد فيه "صبري" إطعام في مكان ما بوسط النيل، وترك المجال للشباب يتحدثون عن حلمهم للموقع.

 

كان دائما رئيس التحرير  يطلق التحذيرات بألا يتناول أحد الإفطار في المكاتب، فقط في "البوفيه"ولكن كان المحررون يفترشون إحدى القاعات المحظور الطعام فيها، وكانوا ينظفون أماكنهم جيدا ولا يتركون أثرا لفعلتهم حتى لا يعلم "صبري" فيتلقون منه قسطا من التبويخ الذي يختمه بالمزاح "بتعملوا كده في بيتوكم".

 

وتمضي الأيام سريعًا ويحل العيد، وفي الصباح الباكر يحضر "صبري" على غفلة ليطمئن على سير العمل، فيجد بلالين تزين الموقع فيطلق ابتسامته المعتادة ثم يجمع الفتيات ويعطي كلا منهن العيدية،ثم يدخل مكتبه ممارسا عمله بكل همة ونشاط.

 

تبدل الحال وبدلا من أن يجلس في مكتبه يقبع حاليا في زنزانة، تقول آيات "حتى الآن لا أستوعب أن هذا الرجل الذي يستحق المكآفاة على تفانيه في العمل  مكبل اليدين بكلابشات في السجن، والموقع الذي أجلس فيه أكثر من بيتنا، وصلوا إلى هذه الحالة بات مغلقا، ربما يكون مكوثنا في المنزل صعب، ولكن ليس لدي أي مانع من نظل هكذا مقابل أن يخرج هذا الرجل ويقضي العيد مع أولاده".

 

حين قررت النيابة التجديد لـ"عادل صبري" كانت تجلس "نوران التهامي"، كانت محررة بالموقع تدعو له أن يأخذ إخلاء سبيل، ورغم أنها يئستمن هذا الأمر لكنها لا تتحمل أن يقضي هذا الرجل رمضان في السجن.

 

تتذكر نوران حين كانت تعمل بالموقع أنها كانت تنتظر رمضان من العام للآخر لتلك اللحظات التي يسودها البهجة بينها وبين زملائها في الإفطار الجماعي، وتواصل "حتى حدثت مشاكل الحجب لم أعد أتحمل نفسيتي ساءت للغاية لذلك تركت العمل".

 

تعود نوران للتذكر تفاصيل أول رمضان قضته في "مصر العربية" وكم كانت تشعر بالغربة لأنها لاتزال حديثة بين زملائها،  لذلك كانت تتردد في حضور الإفطار السنوي، ولكن فيه تلاشى هذا الشعور "كنت حاسة إني وسط عيلتي محستش بالغربة اللي كنت خايفة منها".

 

انطلقت نوران وسط الحضور وراحت تلتقط لهم صورا للذكرى، ومضت أيام رمضان وحل العيد، ذهبت للموقع بعد صلاة العيد وفي تمام الساعة 9 وصل أستاذ عادل صبري، بادل التهاني بالحضور ثم تجمعت الفتيات في مكتبه سألوه العدية التي اعتادوا عليها منه.

 

اتخذت نوران جانبا، فجاء أحد المحررين سألها لماذا لم تذهب معهم لتأخذ العدية، فأخبرته أنه تشعر بالحرج فنادى صبري "ياريس في بنت جديدة في الأخبار مش هتعديها عدية ولا إيه"، فرد عليه "خليها تيجي هي مكسوفة ولا إيه" وبالفعل أعطاها العدية وكان هذا أول تعامل مباشر بينها وبين "صبري" وحينها علمت لماذا يطلقون عليه "أبو البنات".

 

 

كلمات قليلة اختصرت بها سارة نور، محررة بمصر العربية، كيف قضت عامين في هذا المكان "كنت أشعر وكأنني في منزلي، افتقد كثيرا إفطارنا سويا وتلك الروح والبهجة التي كانت تسود المكان والأمل الذي يراودنا ولكن كل هذا ذهب ولم يعد له آثر سوى مجرد ذكريات".

 

مقالات متعلقة