رئيس التحرير: عادل صبري 10:28 مساءً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

سَلامٌ للذين أحبُّهم عبثًا، سلامٌ للهواء

سَلامٌ للذين أحبُّهم عبثًا، سلامٌ للهواء

فن وثقافة

الشاعر الراحل محمود درويش

سَلامٌ للذين أحبُّهم عبثًا، سلامٌ للهواء

سارة قويسي 10 أغسطس 2015 10:41

في صغري كنت أتابع بشغفٍ المسلسلات السورية، توقفت كثيراً أمام مسلسل صلاح الدين، وصقر قريش، وملوك الطوائف، وربيع قرطبة.

بينما أُشاهدُ مسلسل "صلاح الدين الأيوبي" توقفت عند كلمات الأغنية التي صحبت النهاية، استمعت إليها كاملة، أخذت أبحث عنها بشغف، كلماتها التي مست أوتار قلبي الصغير كانت تثير كثيرًا من الشغف بداخلي.. بحثت عن كاتبها، تعرفت إليه، كنت أعيدُ الاستماع إلى الأغنية، وأعيد قراءة كلمات القصيدة دونَ مللٍ، حتى صحبتني في عزلتي، من هنا، كانت بداية معرفتي بصديقي محمود درويش.

أريد أن أحيا
وأَنا أُريدُ، أُريد أَن أَحيا، وأَن
أَنساك.. أَن أَنسى علاقتنا الطويلة
لا لشيءٍ، بل لأَقرأ ما تُدَوِّنُهُ
السماواتُ البعيدةُ من رسائلَ. كُلَّما
أَعددتُ نفسي لانتظار قدومِكَ
ازددتَ ابتعادًا. كلما قلتُ: ابتعدْ
عني لأُكمل دَوْرَةَ الجَسَدَيْنِ، في جَسَدٍ
يفيضُ، ظهرتَ ما بيني وبيني
ساخرًا: ” لا تَنْسَ مَوْعِدَنا ”
- متى؟- في ذِرْوَة النسيان
حين تُصَدِّقُ الدنيا وتعبُدُ خاشعًا
خَشَبَ الهياكل والرسومَ على جدار الكهف..

كنت أتعجب من تلك الدهشة التي تصحبني في كل مرة أتحدث فيها إلى درويش، وأخاطبه عبر قصائده، يظُن بي الأصدقاء الجنون، ولكن إذا لم تخنّي الذاكرة، قابلته ذات مرة في ندوة في مكتبة الإسكندرية. عرفت بأنّي قابلته بعد ذلك بفترة طويلة لأنني لم أتعرف إلى ملامحه قبلها، كنت أخلط بينه وبين سميح القاسم الذي قابلته في ندوة تالية.

محطتي التالية في معرفتي بدرويش كانت على سُلّمِ قسمنا العزيز في الكلية، كنت أملك صديقًا عاشقًا له، كان يبادلني أشعاره، ويلقيها على مسامعي، ويقلده في طريقة الكتابة. شَهِدَت أروقة القسم مبارزاتٍ شعرية توّجت درويشًا بطلًا لها بين طالبين من طلبة الدراسات العليا في الجامعة.

أيها الموت انتظر

"لم أولد لأعرف أنني سأموت،

بل لأحب محتويات ظل الله،

يأخذني الجمال الى الجميل،

فيا موت انتظرني ريثما أنهي تدابير الجنازة في الربيع الهش".
 

في صباح التاسع من شهر أغسطس-آب، في الصيف الحارق تلقينا خبر وفاته، لم أفق بعد من وفاة مصطفى محمود، كيف لي أنْ أتخيل العالم بدون درويش؟! لم ينتظرك الربيع، ولم تُكمل تدابير الجنازة وأنت تقبع في غرفة العمليات وتعرف أنّها النهاية، أيها الموت انتظر.. من قال أنَّ الموت يستمع إلى أحد!

كان يومًا حزينًا.. ذهبت إلى صديقي الشاعر، وحملت معي مختارات من قصائد درويش، ووردة. وقفنا على سلم القسم كالعادة، وحلّ الصمت بيننا.

لماذا تركت الحصان وحيدًا؟!

"وأبي قال مرة:

الذي ما له وطن

ما له في الثرى ضريح

ونهاني عن السفر!"

في السنة التمهيدية لدراستي الماجستير، درسنا ديوان "لماذا تركت الحصان وحيدا؟"، كنت أشكو من جهلي بنصوص شعرية كثيرة، كنت أتوه بينها، تهدأ نفسي بقراءة الروايات، ولكن هذا الديوان كان مختلفا عن جميع الأشعار التي قمت بدراستها، ديوان يزرع بداخلي شغف البحث، ويهديني المفاتيح لفهم المعضلات النقدية المليئة بالتفاصيل، أنا أجالس شاعرا يعرف جيدا ماذا يفعل وكيف يطوع النقد والتفاصيل الصغيرة لصالحه.

من العجيب أنه بدأ مشواره الفني رساما، وتحايل على فقره بالكلمات كي يتخلص من عبء شراء الألوان والأقلام الكثيرة، فرسم بالكلمات مجموعة من أجمل القصائد التي كتبت بالعربية.

ليس الأمل مادَّةً ولا فكرة. إنه موهبة .

كلما فكَّر بالأمل أنكه التعب والملل،
واخترع سرابًا، وقال: بأيّ ميزانٍ أَزِنُ
سرابي؟ بحث في أدراجه عمَّن كأنه
قبل هذا السؤال، فلم يعثر على مُسَوَّداتٍ
كان فيها القلبُ سريعَ العطب والطيش .
ولم يعثر على وثيقة تثبت أنه وقف
تحت المطر بلا سبب. وكلما فكَّر بالأمل
اتسعت المسافة بين جسد لم يعد
خفيفًا وقلب بالحكمة. ولم يكرِّر
السؤال: مَنْ أنا؟ من فرط ما هو
مُجَافٍ لرائحة الزنبق وموسيقى الجيران العالية.

في اللامبالاة فلسفة، أنها صفة من صفات الأمل!

يعتقد كثير من النقاد المعاصرين أن محمود درويش شاعر كبير، ولكنه لا يملك عظمة أمل دنقل، ولا غموضه في الكتابة، ولكن الشعر الجيد هو ما يصل إلى القراء وينتشر.

إذا نظرنا إلى عينة من متلقي شعر درويش، سنجد أنّ أشعاره تتناسب مع كافة تفاصيل حيواتنا، من التفاصيل الصغيرة جداً جداً إلى التفاصيل الكبيرة التي تهزنا. بإمكان المتلقي أنْ يقتبس كل يوم مقطوعة من أشعاره تعبر عن تفاصيل يومه البسيطة وحزنه الذي لا ينتهي، حتى الاغتراب الذي لم يسلم منه أحد تحدث عنه درويش بأكثر الجمل أريحية وتناولها ببساطته المعهودة، وسهولته الممتنعة والعصية على التكرار، خاصة مع ما يوظفه من تقنيات سردية، لا يلتفت إليها سوى القارئ المثقف، فكلما ارتفع مستوى ثقافة القارئ، كلما تعرَّف على التقنيات التي استخدمها درويش في صياغة قصائده.

 

العاشق سيء الحظ

"وخُذي القصيدةَ إن أَردتِ، فليس لي فيها سواكِ

خُذي (أَنا) كِ . سأُكْملُ المنفى

بما تركَتْ يداكِ من الرسائل لليمامِ .

فأيُّنا منا (أَنا) لأكون آخرَها ؟

ستسقطُ نجمةٌ بين الكتابة والكلامِ

وتَنْشُرُ الذكرى خواطرها"


 

من أسرار وطرائف محمود درويش التي لا يعلمها الكثير، أنه تزوج مرتين، لكنه عاش حياة العازب. كان يحب أن يطهو الطعام بنفسه، لكنه يكره الكزبرة في الطعام، واشتهر بولعه بشرب القهوة، وله طقوسه الخاصة، فهو يعدها بيده ويتفنن في إعدادها على مهل وعلى نار هادئة، فالقهوة لا تشرب على عجل وفي فنجان أبيض. باتت القهوة دليله إلى عادات الناس وتفاصيل حياتهم، القهوة أخت الوقت تُحتسى على مهل.. القهوة صوت المذاق، صوت الرائحة، القهوة تأمل وتغلغل في النفس وفي الذكريات.. للقهوة سحر يبطل تعويذات الوحدة.. والقهوة لمن أدمنها مثلي هي مفتاح النهار، القهوة لمن يعرفها مثلي هي أن تصنعها بيديك لا أن تأتيك على طبق.. القهوة كالحب قليل منها لا يروي، وكثير منها لا يشبع.. القهوة إما عربية وإلا فلا.. كالنساء تمامًا!


يقول: "أحب أنْ أقع في الحب، السمكة علامة برجي (الحوت)، عواطفي متقلّبة، حين ينتهي الحب، أدرك أنّه لم يكن حبًا، الحب لا بد من أنْ يُعاش، لا أنْ يُتذكر"، لذلك لم تكن المصرية حياة الهيني هي المرأة الوحيدة التي أحبها درويش، فقد كشف الفيلم الوثائقي "سجّل أنا عربي" عن قصة حب درويش وتمارا بن عامي التي سبقت قصة حبه للسورية رنا قباني.

 

"يطير الحمام.. يحط الحمام

أعدّي لي الأرض كي أستريح.

فإني أحبّك حتى التعب"

حظيت حياة الهيني بأجمل قصائده عن الحب وأنضجها، تخبرنا القصة المشهورة عن لقائهما، أنه التقاها مصادفة. تزوجا في منتصف الثمانينيات لعدة أشهر، وانفصلا.

التقاها درويش في حفلة في بيت صديق له، ورأى فيها امرأة أعجبته. لم يتحدث معها، وبعد فترة قرر استضافة صديقه وضيوفه، وأكد على صديقه أن كل من كان ضيفًا في ذلك اليوم فهو مدعو للحفلة في بيته، ويوم الحفلة جاء الكل ما عدا هذه المرأة، فقرر درويش أن ينظم حفلة أخرى لعلها تأتي ولكنها أيضا لم تأت. استمر هذا الوضع لمدة سنة، أعتقد أنه كتب خلالها قصيدة "في الانتظار، يُصيبُني هوس برصد الاحتمالات الكثيرة". مرت سنة وكان درويش يزور صديقه، فوجدها ضيفة عنده، كان هذا هو اللقاء الثاني وبداية قصة حب تطورت لزواج. كان هذا هو الزواج الثاني في منتصف الثمانينات من المترجمة المصرية "حياة الهيني".

تحكي حياة أنّ درويشًا كان يضع لها وردة حمراء كل يوم على السرير، ما عدا لو كان بينهما بعض الضيق أو الضجر. تحكي أنَّه في يومٍ بعد العشاء قال أنَّه كتب قصيدة لها، وجلس يُلقي عليها الشعر كالندى، وتكمل القصة فتقول أنّ مارسيل عندما سمع قصيدة "يطير الحمام"، طلب غناءها، ولكنه فوجِئ بالرفض القاطع من درويش، وقال له: هذه قصيدة شخصية. واستمر مارسيل في تكرار الطلب دون أنْ يمل، واستمر درويش في الرفض، إلا أنّ درويش قبل ذهابه إلى أمريكا لدخول غرفة العمليات، ولأنّه كان يشعر أنه لن يرجع إلا في تابوت، اتصل بمارسيل وطلب منه أنْ يلحن القصيدة ويغنيها، ففعل مارسيل، ومات درويش قبل أنْ يسمعها.

"هَا أنا ذا أسْتطيعُ الذَّهاب إلى آخِر العمر في اثنين:

وَحدي، وَوَحدي..!"

يقول درويش: "لم نُصب بأي جراح، انفصلنا بسلام. ولم أتزوج مرة ثالثة... ولن أتزوج. إنني مدمن الوحدة. لم أشأ أنْ يكون لي أولاد، وقد أكون خائفًا من المسؤولية. ما أحتاج إليه هو الاستقرار، فأنا أغيّر رأيي، أمكنتي، أساليب كتابتي... طوال الوقت. الشعر محور حياتي، ما يساعد شعري أفعله، وما يضرّه، أتجنبه".

 

"سَأمْدَحُ هذَا الصَّباحَ الجَديد، سَأَنْسَى اللَّيَالَي، كُلَّ اللِّيَالي

وَأَمشِي إلَى وَرْدَةِ الجَار، أَخْطفُ مِنْهَا طَريقَتَهَا فِي الفَرَحْ

سَأقْطِفُ فَاكهَة الضَّوْء مِنْ شَجرٍ واقفٍ للْجَميعْ
سَأَمْلكُ وَقْتًا لأسْمَعَ لحن الزّفاف على ريشِ هذَا الحمامْ
سلامٌ على كُلِّ شَيْءٍ... شوارعُ كالنَّاس واقفةٌ بَيْن يوْمَيْن
لا تملك الأرْض غَيْرُ الطُّيوْر التي حَلَّقتْ فَوْقَ سَطْح الغناء،
ولا يَمْلك الطَّيْرَ غَيْرُ الفَضَاءِ المُعَلَّقِ فوق أَعَالي الشَّجَرْ
سلامٌ عَلَى نَوْمِ مَنْ يَمْلكُون من الوَقْتِ وَقتًا لِكَيْ يَقْرأْوا.. وسلام على المُتْعبَينْ

في صباح هذا اليوم من كل عام أجلس لأمارس طقوسي الخاصة في ذكراك، أطالع قصائدك، أعيد ترتيب أبحاثي، وقراءتها، أجلس على أريكتي المفضلة وأنا أحمل كوب القهوة بيدي، أعبث في خصلات شعري وأنا أحاول أنْ أتذكر كلماتٍ عن القهوة، أتذوقها على مهل، أرتشفها ببطء ممل وأنا أحاول أنْ أمتص النكهة من كل رشفة في فنجاني الأبيض الأثير، الذي لا يخرج إلى النور سوى في يوم واحد طوال العام، أستعيد ذكرياتي معك، أتخيل حواري غير الممكن معك، أسألك عن حياة، ورنا، وريتا، أغار من ريتا، وأعيد صياغة قصة حياة الهيني بطرق مختلفة، ابتسم لذاتي، أخلع عويناتي، أذهب إلى قاعة المكتبة التي قابلتك بها صدفة ولم أعرفك، أعاتب نفسي، أعنفها على جهلها، أتمنى أنْ أعيد عقارب الساعة إلى الوراء، ولكن لا جدوى!

أتخيلك وأنت تلقي الشعر على مسامعي، تقرأه لي وحدي، تخبرني بحكاياتك، صباح هذا اليوم مختلف، ترتجل قصيدة وأنت جواري، أتخيلها في مدح هذا الصباح، تعزف حلمي الغائب، تذكرني بأنّ هذا الصباح مختلف، فتتألق في مدحه، وتختطف الفرح، كل الفرح من ابنة الجيران، وتقلد طريقتها في المشي والغناء، تقضي المساء معي وأنت تلقي السلام على الأشياء، سلام على كل شيء، سلام على ريش هذا الحمام، سلام على المتعبين، سلام عليكِ يا صغيرتي، تنام على رمال البحر جاري، تخبرني برحلتك المُتعِبة، وتوقِك لنومٍ مريح، تغفو، يأخذك النوم مني وأنا أردد كلماتك: "حلِمت بأن لي حلما، سيحملني وأحمله إلى أن أكتب السطر الأخير على رخام القبر "نِمتُ.. لكي أطير"!

 


اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان