رئيس التحرير: عادل صبري 06:42 مساءً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

صراع "السلمية" و"الثورية" بين قيادة الإخوان الجديدة والقديمة

صراع السلمية والثورية بين قيادة الإخوان الجديدة والقديمة

ملفات

محمد جمال عرفة

محمد جمال عرفة يكتب

صراع "السلمية" و"الثورية" بين قيادة الإخوان الجديدة والقديمة

محمد جمال عرفة 30 مايو 2015 10:13

 

في أول مجزرة شهدتها مصر عقب انقلاب 3 يوليه 2013، ضد أنصار جماعة الاخوان المعتصمين أمام مقر الحرس الجمهوري، والتي قتل فيها 162 شهيد في رمضان قبل عامين، ظهرت لأول مرة بين بعض شباب المتظاهرين الاسلاميين عبارة (سلمية ماتت) وخصوصًا من المنتمين إلى التيارات السلفية غير المنضوية تحت حزب النور، وكذا بعض شباب الإخوان، وانتشرت حينئذ صفحات على فيس بوك بعنوان (الثورة المصرية المسلحة).


وقد قوبلت هذه الدعوات بالمزيد من الرفض من قبل أولئك الذين يؤمنون بالمقاومة السلمية، وصرح بعضهم على مواقع التواصل بقوله: "إن هدف الانقلابيين هو جر الإسلاميين للعنف كي يسهل تبرير العنف الرسمي ضدهم"، ناهيكَ عن عدم تعادل القوة العسكرية، فضلًا عن القناعة أن المعارضة السلمية أكثر تأثيرًا على المستوى البعيد فضلًا عن جلبها لتعاطف العالم مع المعارضين السلميين في مواجهة الآلة العسكرية وعنف الشرطة.


ولكن مع توالي عمليات قتل المتظاهرين والمعتصمين في 7 مواجهات بين الاسلاميين والشرطة المدعومة من قوات الجيش، بدأت تظهر تعليقات غاضبة من بعض شباب الاخوان على قادتهم، على مواقع التواصل، وتحديدا عقب فض رابعة والنهضة، وصلت لحد قول عبارات جارحة في حق بعضهم ومطالبتهم بالصمت بدلا من تصريحاتهم التي كانت تظهر مصره على "السلمية".
 

ومقابل هذا الغضب الشبابي، والدعوة للرد علي قتل المتظاهرين والمعتصمين، بدأ الشباب يتوجهون بخطابهم لقادتهم الميدانيين، لا القادة التاريخيين، منتقدين بعض المظاهرات التي تخرج بلا حماية، ويطالبون بتخصيص فريق من المتظاهرين للتصدي للبلطجية المتعاونين مع الشرطة أو للشرطة نفسها، لمنعهم من ضرب المتظاهرين.
 

ولاحقا بدأت حركات شبابية تظهر وتطالب بما هو أكثر من مجرد الرد بالحجارة أو المولوتوف أو الشماريخ لحماية المتظاهرين خصوصا الفتيات، بالرد على عنف وقتل الشرطة للمتظاهرين بحرق سياراتهم وتكبيدهم خسارة مادية دون استخدام السلاح، وكان هذا أول ظهور بمبدأ (ما دون القتل فهو سلمية)، ولاحقا ظهرت حركات تدعي "مولوتوف" و"ولّع" تؤكدان أنّ هدفهما هو (السلمية الخشنة)، ردًّا على "انتهاكات قوات الأمن وقتلها المصريين بغير ذنب"، ثم ظهرت حركات أخرى مثل (قصاص) و(هنرعبكم).
 

وفي كل مرة كانت الشرطة تقتل المزيد من المتظاهرين أو تقتل معتقلين في السجون وأقسام الشرطة بفعل التعذيب أو الاهمال الطبي (أكثر من 100 وفق تقارير حقوقية محلية وعالمية)، كانت الدعوات من بعض شباب الاخوان بالرد تتزايد، ومعه مزيد من النفور من القيادات التاريخية.
 

الملفت هنا أمران: (الأول): أن ما جري كان "اختلاف" لا "خلاف وانشقاق"، وظل الجميع سواء من القيادات أو القواعد أو الشباب متلاحمين، بعكس ما تشهده غالبا أحزاب وجماعات أخري، وهو أمر مفهوم بسبب طبيعة الجماعة ككيان مؤسسي له تاريخ عريق ولها طابع تنظيمي معقد، وغياب الانشقاقات الكبرى من تاريخها باستثناء انشقاقات فردية قدرها البعض بعدد أصابع اليدين على مدار 80 عاما لقيادات من الاخوان.
 

وربما لهذا أيضا دشن غالبية الاخوان هاشتاج أسموه ( #الجماعه_اقوي) علي تويتر حصد مركز متقدم بمجرد تدشينه، وركزت أغلب التعليقات عليه علي أنه "لن يستطيع أحد التشكيك بيننا، القيادة والقواعد يدا واحدة فقد عزمنا على نجاح ثورتنا والقصاص لشهدائنا ويد الله معنا لبناء بلدنا #الجماعة_أقوى"، ورفع البعض شعار "اختلاف لا خلاف" ليؤكد علي عدم وجود انشقاق وإنما اختلافات في الراي.
 

الأمر (الثاني) أن الصراع الذي ظهر مبكرا منذ 2014 بين بعض قادة الجماعة القريبين من القواعد الشبابية التي تتحمل عبء المواجهة في الشارع، الداعين لنهج "ثوري" يتضمن "أدوات" الثورة، أي كل وسيلة ولكن ما دون استعمال السلاح، وبين القيادات التاريخية القديمة من مكتب الارشاد الذي شكله د. محمد بديع قيل إنقلاب 3 يوليه 2013، لم يكن صراع بين قيادات قديمة وأخري جديدة كما جري تصويره مؤخرا بعدما ظهر للعلن، ولكنه صراع بين أنصار "السلمية" والبقاء بدون رد فعل، اعتمادا علي رد الفعل المحلي والعالمي المتعاطف، وأنصار "الثورية" الذين يؤيدون استعمال الاساليب الثورية التي ليس من بينها السلاح، ولهذا يقولون أنهم "سلميون ولكن ثوريون"، ويبررون استعمال أدوات ثورية سبق أن تم استخدامها في ثورة 25 يناير مثل حرق سيارات الشرطة أو المولوتوف أو الحجارة أو العصي وغيرها مما جري استعماله في الموجة الأولي للثورة يناير 2011.
 

وقال بعضهم أن تبني مجموعات شبابية أساليب عنيفة في الرد على عنف السلطة مثل: "العقاب الثوري"، و"مجهولين" عبر إسقاط وتفجير أبراج الكهرباء أو حرق سيارات رجال شرطة أو قضاة، بعبوات ناسفة بدائية من مواد تباع في الاسواق، هو جزء من الثورة بينما انتقده أخرون من شباب الاخوان لأنه يضر المواطن العادي، فيما شكك فريق ثالث في أن يكون من يفعل هذا جهات أمنية لزيادة الغضب الشعبي ضد الاخوان وتبرير اتهامهم بالإرهاب، وفي الوقت نفسه حشد الدعم للمشير السيسي ليقال إنه هو المخلص من هذا العنف والتخريب الذي يحدث.
 

ولهذا قيل أن البيانان اللذان صدرا يوم الخميس 28 مايو الجاري، (أولهما) من مكتب الإرشاد القديم لجماعة الإخوان، و(الثاني) من القيادة الجديدة المنبثقة عن انتخابات داخلية أجريت في فبراير الماضي 2014، في أعقاب استبعاد أعضاء خرجوا من مصر إلى الخارج وإحلال بدلاء لهم من قيادات (الداخل)، أخرجا الأزمة المكتومة داخل الجماعة، للعلن بين دعاة السلمية وتلقي الضربات الأمنية دون رد، من القادة القدامى، ودعاة الثورية والرد من القادة الجدد وغالبيتهم من الشباب وفق مبدأ (ما دون القتل فهو سلمية).
 

فقبل هذا ظل هذا التنازع الداخلي مكتوما ولم يخرج إلى العلن سوي في تعليقات شباب الجماعة على مواقع التواصل الاجتماعي حيث كانوا يسخرون -بتعليقات لاذعه احيانا -من قادتهم القدامى أعضاء مكتب الارشاد القديم، خصوصا "محمود حسين" الامين العام السابق، والمتحدث باسم جماعة الإخوان السابق "محمود غزلان"، عقب كل مقال أو تصريح يدلون به ويؤكدون من خلاله على السلمية، حيث طالبهم الشباب بالصمت، وانتقدوا حتى بياناتهم العادية في مواقف مثل حرب اليمن.
 

ولكن ما فجر الخلافات الاخيرة بين تيار القادة القدامى والقادة الجدد هو تطور هذه (الثورية) إلي "العنف المسلح" باستهداف عدد من الضباط بالقتل، في حالات أعلنت عن أغلبها مجموعات مرتبطة بتنظيم بيت المقدس في سيناء مثل "أجناد مصر"، ولكن ربط الاعلام الرسمي هذا العنف بالإخوان، والمخاوف من انزلاق بعض الشباب في هذا العنف المسلح، ما دفع قادة الجماعة القدامى لإصدار بيانات تشدد علي السلمية، ولكنهم ذيلوها بألقابهم السابقة، ما وُصف بأنه "انقلاب" من "القدامى" علي "الجدد" خشية علي الجماعة ككل لو اتبع بعض شبابها هذا النهج، ولكن هذه البيانات جاءت بأثار سلبية وأعادت هجوم الشباب علي هذه القيادات التي حملها بعضهم مسئولية الفشل في إدارة الازمة وتوفير بدائل منذ الانقلاب علي الرئيس مرسي.
 

المتوقع بالتالي عقب ما يمكن تسميته بـ "إجهاض الانقلاب" لصالح القادة الجدد دعاة "الثورية"، إذا جاز اعتبار أن ما حدث في البداية كان "انقلابا" من القيادة القديمة الداعين للسلمية، أن يترتب على حسم هذا النهج الثوري عدة تطورات أبرزها:
 

(أولا): أن تتصاعد عمليات المقاومة من قبل المتظاهرين والمعارضين، وتتزايد أعمال العنف غير المسلحة مثل حرق سيارات أو أقسام شرطة أو منشأت حكومية وقطع طرق وأساليب أخري اتبعها ثورة يناير 2011، خصوصا بعدما قال محمد منتصر المتحدث الرسمي باسم الجماعة: أن الجماعة تطورت هياكلها وآليات عملها "للتناسب مع العمل الثوري للقضاء على الانقلاب".
 

(ثانيا): قد يؤجج هذا العنف ويزيده أيضا ظهور مجموعات اخير من غير الاخوان تتبني نفس النهج، مثل "بلاك بلوك" الذين ينتمون لتيارات يسارية وليبرالية، رغم الشكوك لدي البعض – بعد نفي بلاك بلوك الأصلية قيامها بهذه الاعمال – أن تكون هذه المجموعة الجديدة حالة "ظهور مؤقت" على يد أجهزة أمنية لزيادة مشاعر الخوف والفزع بين المصريين، وبالتالي زيادة تعلقهم بالسيسي بدلا من مهاجمته لعدم إنجازه شيء بعد مرور عامه الأول في الحكم، أي تصويره كمنقذ للمصريين من خطر "الإرهاب" الذي يتهددهم.
 

(ثالثا): تردد أن القيادي الدكتور محمد طه وهدان، المسئول عن قسم التربية السابق بالجماعة، هو الذي يقود القيادة الجديدة للإخوان داخل مصر، بعد عزل القيادة القديمة في انتخابات مكتب الارشاد فبراير 2014، وتردد أن الشرطة اعتقلته بسبب حركته السريعة والمتكررة خلال الأسبوع الماضي، لرأب الصدع بين المكتبين، ودوره في المكتب الجديد للإخوان، كما أن له علاقة جيدة بقواعد الجماعة وشبابها الرافضين لسلمية القيادات القديمة والداعين للنهج الثوري والمواجهة مع الشرطة، وهنا يثور السؤال: هل اعتقال د. وهدان جاء لضرب جناح "الثورية" لصالح جناح "السلمية"؟ وهل نظام السيسي يرغب في ترجيح واستعادة كفة الخط القديم الذي كان من الممكن التفاهم معه والذي تفضل دول إقليمية راعية للإخوان بديلا عن جيل الشباب الذي يضع الخيارات "الثورية" فوق كل شيء"؟ وهل يعني هذا أن حكومة السيسي لا تزال تضع في اعتبارها احتمال اللجوء للتفاوض مع هذه القيادات التاريخية للجماعة (التي تم عزلها) ولا تزال تعول علي "سلمية" الجماعة؟ للإبقاء علي النظام الحالي ضمن مصالحة، بدلا من "الثورة" التي تريد القضاء علي النظام الحالي ككل؟
 

(رابعا): طرحت مصادر إخوانية فكرة لحل الخلافات تتلخص في صيغة تفاهم بين المكتب الجديد، والمكتب القديم، لإجراء انتخابات جديدة، مشيرة إلى أن عدد من أعضاء مجلس الشورى (لم تسمهم) قدموا طلبا بإقامة انتخابات جديدة لمكتب الإرشاد، في أسرع وقت للفصل في هذا الخلاف، ولكن حالة الغضب بين القواعد الاخوانية نتيجة ما جري وغضب الشباب على القيادات القديمة التي عادت للظهور تطالب بالسلمية في وقت يقتل فيه المزيد من الشباب في الشوارع برصاص الشرطة أو تعذيبها في السجون، أجهض هذه الفكرة، حيث أطلق عدد من شباب الجماعة هاشتاغ بعنوان "مش هنرجع لورا (لن نعود للوراء)"، في إشارة إلى دعمهم للقيادة الجديدة للجماعة، وبعدما قال أخرون أن ما جري هو (اختلاف لا خلاف) ودشنوا هاشتاغ بعنوان "قوتنا في وحدتنا"، مشيرين إلى أن ما يتم حاليا لا يصب إلا في صالح السلطة الحالية.
 

الخلاصة أن عنف النظام الحالي هو المسئول عن إخراج مارد "شباب الجماعة" من قمقم (السلمية) إلى فضاء (الثورية)، وأنه هو المسئول عن الانقلاب الاول الأصلي في منهج الجماعة من (السلمية المطلقة) التي جعلت تيارات يسارية وليبرالية تتهمها بالتأخر في المشاركة في ثورة 25 يناير، إلى "الثورية المطلقة" التي جعلت الاخوان وتيارات اسلامية وسياسية متعاطفة معهم هم من يقودون الثورة الحالية هذه المرة وحدهم، ما سيجعلهم يطالبون أيضا بالقسم الأكبر من الكعكة السياسية لو نجحوا في إسقاط السيسي وعدم القبول بأي تنازلات كما حدث في ثورة يناير، والاصرار علي نزع نظامه من جذوره لا قطع رأسه فقط كما حدث مع مبارك، فعاد جسد نظامه (الدولة العميقة) ليلملم شمله ويقود ثورة مضادة.

 


 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان