رئيس التحرير: عادل صبري 12:59 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

كامب ديفيد.. بين مبدأ السيادة ومخاطر النظرة النفعية

كامب ديفيد.. بين مبدأ السيادة ومخاطر النظرة النفعية

ملفات

اجتماع على هامش الاتفاقية

النفعية تحول الاتفاقية لمعاهدة "وقت العوزة".. لتهديد مصر

كامب ديفيد.. بين مبدأ السيادة ومخاطر النظرة النفعية

وسام فؤاد 04 نوفمبر 2014 11:10

السياسة اجتهاد بشري. ومن هنا، فإن طبيعتها قد تجعل من وجود الاختلاف وتعدد وجهات النظر أمرا طبيعيا، غير أن يصبح مصدر وحدة وتوافق عندما يتعلق بأية روح مصرية، وبخاصة لو كانت روح جندي من أبناء قواتنا المسلحة. هنا لا تصبح السياسة موضع اختلاف. هي قولة واحدة لا تحتمل وجهات نظر: الدم حرام حرام حرام.


التباين بين فترتي مبارك والسيسي

كان منطقيا في هذا السياق أن نلحظ تباينا حيال هذا الملف بين فترة حكم مبارك وفترة حكم السيسي. فخلال فترة حكم مبارك كان ثمة انقسام بين النخب السياسية والثقافية حول الاتفاقية والموقف منها، فقد كانت النخب وقتها منقسمة ما بين ضرورة تعديل هذه الاتفاقية لأنها افتئات على قيمة سيادة الدولة المصرية على كامل ترابها، وبين ساكت عن مطلب التعديل أو رافض له يرى أن الاتفاقية تقي مصر من احتمالات عدم استقرار مصدرها التهديد الحدودي.

اليوم يمكننا أن نلحظ اتساع نطاق المطالبين بتعديل الاتفاقية. فحادث كرم القواديس الإرهابي جعل القطاع المؤيد للاتفاقية أو على الأقل الصامت عليها يتحرك – غيرة على الجنود المصريين – للمطالبة بإعادة النظر في هذه الاتفاقية التي تقيد عدد الجنود.

وإطلالة على المشهد العام المصري تفيد بذلك المضمون؛ ما بين أحزاب وتيارات سياسية تقليدية وجديدة ومجالس جامعات وفنانين ومثقفين وأدباء.

وهنا يجدر أن نلاحظ أن اتساع نطاق المطالبة بالتعديل لا تستند لنفس الدافع. فلا يزال ثمة قطاع واسع من المطالبين بضرورة تعديل الاتفاقية أو إلغاءها الذين ينطلقون من أن الاتفاقية تمس السيادة المصرية، هذا الجانب لا يزال يتمسك برؤيته منذ توقيع الرئيس الأسبق السادات على تلك الاتفاقية.

أما الرافضون الجدد للاتفاقية المطالبون بإعادة التفاوض على بنودها فإنهم ينطلقون من مبدأ "حرمة دم الجندي المصري"؛ وبخاصة بعد تكرار حوادث الاعتداء على الجنود المصريين في سيناء، وهي الحوادث التي فتحت الباب للتساؤل حول جدوى تحديد عدد الجنود المصريين المتمركزين في سيناء، بما يجعل القوة المصرية المنتشرة هناك لا تكفي لتأمين بعضها، وبخاصة مع قلة عدد الجنود الذي يقابل مساحة شاسعة تتجاوز ثلث مساحة مصر. من وجهة نظر هذا القطاع.

لا يمكن المزايدة على وطنية الطرفين، لكن ما ينبغي الوقوف عنده أن وجهة النظر الثانية التي تربط تعديل المعاهدة بضرورة زيادة عدد الجنود لحمايتهم هي وجهة نظر براجماتية نفعية وليست مبأية، حتى لو كان من ورائها نبيل بهذا القدر. فنبل هذا الهدف يتفق عليه الجميع. والمطالبة به مسعى للجميع، لكن قطاعا يريد تأمين الجنود في إطار أشمل يحترم مصر كدولة تتمتع بسيادة مطلقة على كامل ترابها، وفريق آخر يكتفي بتأمين الجنود.


مفهوم السيادة يتزحزح نحو الفئوية

عندما اتجهنا للخبراء الإستراتيجيين للوقوف على حقيقة تأثر أرواح جنودنا بالنقص في العدد والمعدات، أفاد الخبراء بأن الوجود العسكري المصري في سيناء مهدد بسبب قلة العدد، لكنهم أضافوا أن العدد غير مقيد من الناحية العملية. فالقوات المسلحة المصرية بالتنسيق مع إدارة الاحتلال الصهيوني في فلسطين المحتلة تسمح للقوات المسلحة المصرية بإدخال ما يريدون من قوات في إطار "التعاون للقضاء على الإرهاب". ولا يمكن التعويل على تجاوز أحد المحللين في إحدى الصحف المصرية المستقلة ليقول إن الجيش المصري أحيانا "لا يستأذن"، فتلك النبرة العنترية تضر أكثر مما تفيد. كما أن المطالبة بتعديل الاتفاقية لا تعني أن رفض أي مصر لها يجعله يجر مصر "الدولة" لمواجهات غير محسوبة.

المشكلة في الطرح البراجماتي الذي يقصر تعديل الاتفاقية على زيادة عدد القوات وذلك فقط لحماية الجنود، هذا التوجه يهين مبدأ سيادة الدولة المصرية على أراضيها. فلا تستحق دولة أن يتعامل أبناؤها مع "سيادتها" باعتبارها مفهوما "يمكن أخذه في الاعتبار".

السيادة وضع قانوني ينسب للدولة عند توافرها على مقومات مادية من مجموع أفراد وإقليم وهيئة منظمة وحاكمة، وهي تمثل ما للدولة من سلطة تواجه بها الأفراد داخل إقليمها وتواجه به الدول الأخرى في الخارج، ومن مقتضيات هذه السلطة أن يكون مرجع تصرفات الدولة في مختلف شؤونها إرادتها وحدها.

كان مفهوم السيادة مطلقا إبان نشأته. ولكن مع  تعقيدات العالم المعاصر، ثارت قضايا متعددة كالتكتلات الإقليمية والعولمة والتدخل الإنساني ومكافحة الإرهاب تحاصر سيادة الدولة، لكن الحصار كان قانونيا في صورة معاهدات. هذه المعاهدات كانت رهنا بإرادة الدول. ولهذا وجدنا بريطانيا تحافظ على رمز سيادتها "العملة البريطانية" ضمن الاتحاد الأوروبي، ووجدنا دولا مختلفة تجابه "وصفة" صندوق النقد الدولي بداعي الخصوصية المجتمعية، ووجدنا تيارا دوليا يرفض مقررات مؤتمرات العولمة التسعينية كمؤتمر الأمم المتحدة للسكان 1996، واتفاقية السيداو الخاصة بالطفل.. إلخ. الخلاصة أن مفهوم السيادة كان يقف دوما حاجزا ضد تغول المجتمع الدولي أو فاعليه الأقوياء على الدول القومية باختلاف وضعها على سلم القوة الدولية.


انقسام من نوع جديد.. اتفاقية لـ"وقت العوزة"..

لا يمكن بطبيعة الحال المماهاة بين موقف الخبراء الإستراتيجيين الذين يكرسون المنطق البراجماتي/ النفعي/ العملي في التعامل مع القضية، لكن يبقى أن اتساع نطاق الاتفاق على كامب ديفيد يطل علينا بعد 36 عاما هي عمر الاتفاقية الأولى، لكنه يطل بانقسام من نوع جديد.

الأمر الذي يثير القلق من هذه الرؤية البراجماتية أن كامب ديفيد هنا تحولت من اتفاقية إطار سلام، أدت لمعاهدة سلام، إلى أن تكون اتفاقية تحدد نوع اللاعب الرئيسي في السياسة المصرية. فالنظر للاتفاقية بهذه العين البراجماتية يعني أن الاتفاقية مستمرة، وأنها ستظل مستمرة ما لم تؤد لإحراج النخب السياسية الحاكمة في مصر. وهو ما يعني بالضرورة أنها لن تمثل قيدا إلا على النخبة الحاكمة التي لا ترضى عنها "دولة الاحتلال". فتتحول من ضامن لاستقرار مصر إلى اتفاقية "وقت العوزة" التي تضر باستقرار واستقلال مصر.

 

تابع محاور ملف كامب ديفيد بين السيادة والنفعية:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان