رئيس التحرير: عادل صبري 08:41 صباحاً | الخميس 13 ديسمبر 2018 م | 04 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

هل تصطاد روسيا في الماء العكر؟

هل تصطاد روسيا في الماء العكر؟

صحافة أجنبية

الرئيس التركي ونظيره الروسي

مع تدهور علاقات أنقرة بالغرب وأمريكا

هل تصطاد روسيا في الماء العكر؟

إكرام يوسف 20 أغسطس 2016 16:32

يبدو أن تداعيات محاولة الانقلاب الفاشلة في تركيا، لن تتوقف في المدى المنظور، فمازالت أصداء المحاولة تتردد في أنحاء العالم، تاركة أثارها، ليس فقط على المشهد السياسي الداخلي في تركيا، ولكن على العلاقات الإقليمية والدولية أيضا.


ويتفق كثير من المحللين على أن المحاولة خلقت أرضية خصبة لنمو نظريات المؤامرة، حتى أن الصحف التركية الموالية للحكومة نشرت أن عملاء المخابرات المركزية الامريكية كانوا يوجهون الانقلاب من جزيرة في بحر مرمرة، وأن جنرال أمريكي متقاعد أوصل مليارات الدولارات لجنود أتراك مارقين. والولايات المتحدة حرضت القوات التركية على قتل الرئيس رجب طيب أردوغان.

ومؤخرا وصفت صحيفة "إسلامي" اليومية، ألمانيا بأنها دولة معادية، ونشرت صورة للمستشارة أنجيلا ميركل، في زي النازي.


ومع تزايد المشاعر المعادية للغرب على نطاق واسع؛ تشير افتتاحية مجلة "ايكونوميست" إلى أن ردود الفعل الأوروبية والأمريكية، تغذي مشاعر العداء للغرب لدى المواطنين الأتراك، فقد أظهر استطلاع للرأي أن 84٪ من الأتراك يعتقدون أن مدبري الانقلاب تلقوا مساعدة من الخارج. ويشتبه أكثر من 70٪ في تورط أمريكي.

واتهم أردوغان ووزراؤه الغرب بازدواجية المعايير، وحذروا من تدهور خطير في العلاقات ما لم تسلم الولايات المتحدة فتح الله جولن، رجل الدين الاسلامي المقيم في ولاية بنسلفانيا، الذي يتهمونه بالمسئولية عن تدبير انقلاب. وبينما يشكو مسئول أمريكي رفيع المستوى من أن استخدام جولن كمعيار وحيد للعلاقات الثنائية يعرض العلاقة للخطر، لا يبدو أن أردوغان يهتم للأمر.


وتؤكد الافتتاحية أن الحكومات الغربية ـ باستثناء أمريكا وألمانيا ـ عليها ألا تلوم سوى نفسها، فقد تباطأ الكثير منها في إدانة محاولة انقلاب مما أثار الشكوك في أنها تنتظر لترى كيف يمكن أن تستفيد من الأمر.


وردا على تطهير المؤسسات الحكومية التي تلت ذلك، دعا المستشار النمساوي الاتحاد الأوروبي إلى تعليق محادثات العضوية مع تركيا، وحظرت المحكمة العليا في ألمانيا أردوغان من مخاطبة حشد في كولونيا عن طريق وصلة فيديو.


وحتى الآن، لم يسافر أي رئيس دولة أوروبي إلى تركيا للتعبير عن التضامن مع الضحايا، وتعتبر زيارة نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن، المقررة إلى تركيا في موعد أقصاه 24 أغسطس، ضئيلة القيمة، ومتأخرة للغاية. وعلى حد قول أونال سيفيكوز سفير تركيا السابق في لندن "كان ينبغي على الولايات المتحدة أن تظهر دعما سياسيا أقوى في وقت مبكر".


ويتهم الساسة الأتراك، ومن ضمنهم من يعارضون حزب العدالة والتنمية، الغرب بأنه أولى اهتماما برد الحكومة على الانقلاب أكثر من الاهتمام بالمذبحة التي رافقت الانقلاب.


ويعترف بعض الدبلوماسيين الغربيين بالفشل في تقدير حجم العنف، الذي خلف نحو 270 قتيلا، وفي تقديم دعم واسع النطاق لعمليات التطهير. ويقول أحدهم "لم تتفهم أوروبا أن الأمور كان الممكن أن تكون أسوأ بكثير في حالة نجاح الانقلاب. وبالنسبة للأتراك، كان هذا اختبارا للولاء، فشلت فيه أوروبا."

 

غير أن أوروبا محقة في التخوف من أن تكون الحملة ضد المتعاطفين مع جولن خرجت عن نطاق السيطرة. فقد ألقي القبض على، أو إقالة أكثر من 80 ألف شخص، بينهم جنود وقضاة ومعلمون وأفراد منالشرطة ورجال أعمال وحتى مسئولين في رياضة كرة القدم.


وتم اعتقال ما يقرب من مائة صحفي وإغلاق أكثر من مائة من وسائل الإعلام؛ كما تم الإفراج عن المجرمين العاديين لإفساح أماكن في السجون للقضايا السياسية. ويبدو أن العديد ممن كانوا ضحايا التطهير ليست لهم صلة بالجولانيين. لكن المخاوف بشأن القمع تلقى آذانا صماء، ويكتب سنان اولجن الدبلوماسي التركي السابق أن الغرب" تآكلت قدرته على كسب النفوذ في تركيا في وقت ربما كان فيه هذا النفوذ أكثر أهمية من أي وقت مضى."

 

وحقق الاستياء الشعبي ضد الغرب والجولانيين، ما لم يستطع أردوغان تحقيقه في السنوات الأخيرة: حشد أغلبية كبيرة من الأتراك إلى صفه. فمنذ أواخر يونيو، وقفزت نسبة التأييد للرئيس من 47٪ إلى 68٪. واجتذب تجمع حاشد خطب فيه أردوغان أوائل هذا الشهر جذبت أكثر من مليون شخص، فضلا عن زعيمي اثنين من اكبر احزاب المعارضة الثلاثة. بينما لم يحضر رئيس حزب موال للأكراد.


وطبقا لأردوغان، ليست هناك قوة خارجية دعمت حكومته بشكل كاف سوى روسيا. وقبل لقائه فلاديمير بوتين في سان بطرسبرج يوم التاسع من أغسطس، أشاد الزعيم التركي بنظيره الروسي الذي لم يتردد في تقديم الدعم له. وقال أردوغان أن بوتين ـ خلافا للمسئولين الغربيين ـ لم ينتقده بشأن عدد المفصولين من العسكريين والمدنيين.


وكان لهذه الإشادة، بالإضافة الى اعتذار أردوغان عن إسقاط تركيا طائرة روسية في نوفمبر الماضي، أكبر الأثر على بوتين. غير أن افتتاحية الإيكونوميست توضح ان مغازلة الرئيس الروسي ـ الذي قد يرغب في استغلال الصدع بين تركيا والغرب ـ لها حدود. فربما يقدم بوتين لتركيا بعض الدعم ضد الجولانيين في آسيا الوسطى، كما يقول سونر كاجابتاي من معهد واشنطن للأبحاث، حيث تدير الحركة الجولانية شبكة من المدارس. لكن الخلاف سوف يستمر بين البلدين حول قضية سوريا، حيث تدعم كل منهما طرف مناقض في الحرب الأهلية هناك.


ويقول دبلوماسي غربي أنه لا داعي لتخوفات الناتو من أن تبتعد تركيا كثيرا عن الحلف. غير انه يوضح أن بوتين سيواصل محاولات الوقيعة بين تركيا وأمريكا والاتحاد الأوروبي. وأن الحكومة التركية التي كانت مؤيدة لأوروبا قد تنجرف بعيدا عن الغرب.


وتشارك مجلة "فورين افيرز" ما خلصت اليه الإيكونوميست من أن التقارب الروسي التركي قد لا يستمر طويلا؛ على الرغم من أن وسائل الإعلام التركية سارعت إلى المقارنة بين دعم روسيا لحكومة تركيا المنتخبة وبين تحفظ السياسيين الغربيين والصحافة الغربية. وأبرزت مسارعة بوتين للاتصال بنظيره التركي يوم السادس عشر من يوليو. بينما تأخر أوباما في الاتصال حتى التاسع عشر منه. كما روجت الصحف الروسية قصة (وصفتها فورين أفيرز في مقال لريك دانفورث وكريس ميلر بأنها كاذبة) تفيد بأن الاستخبارات الروسية أنقذت حياة أردوغان بتحذيره مقدما من هذه المؤامرة.



غير أن أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا الذين يعتقدون أن الولايات المتحدة تآمرت لإسقاط أردوغان قد يميلون لتثمين الدعم الروسي من منظور البقاء السياسي. فلا شك أن اعتقال وطرد مئات من الضباط رفيعي المستوى والآلاف من العاملين الآخرين في القوات المسلحة يزيد من تعقيد الوضع الاستراتيجي المتوتر بالفعل في تركيا. 


حيث يقاتل الجيش التركي منذ أكثر من عام المتمردين الأكراد، في حين واجه المتمردون في سوريا المدعومون من تركيا انتكاسات متكررة على أيدي داعش، والقوات الكردية السورية، والقوات الموالية للأسد.


وكانت انقرة قد بدأت بالفعل إصلاح علاقاتها الإقليمية، قبل محولة الانقلاب الفاشلة. وسعت الحكومة التركية إلى الخروج من العزلة المتزايدة، عبر السعي للتقارب مع روسيا وإسرائيل في الأشهر الأخيرة، بل أنها أرسلت إشارات تصالحية مع نظام الأسد. وقال مسئول رفيع في حزب العدالة والتنمية لرويترز "الأسد قاتل، في نهاية المطاف، لكنه لا يدعم الحكم الذاتي الكردي".


ويرى دانفورث وميلر أن المصالح المتضاربة تحد من احتمالات التقارب التركي-الروسي، على الرغم من هذه الحوافز السياسية والاستراتيجية.


ففي مناسبات عدة ـ خلال الحرب الباردة ـ عندما كانت العلاقات تتوتر بين الولايات المتحدة وتركيا، كان القادة الأتراك يسعون لتحسين العلاقات مع موسكو. وفي أواخر لعب عدنان مندريس، الرجل الذي أعاد تركيا إلى حلف شمال الأطلسي، بورقة روسيا عندما نشأ الصراع على المساعدات الاقتصادية الأمريكية.


وفي السبعينيات سعى رئيس الوزراء بولنت أجاويد إلى تقارب محدود مع الاتحاد السوفيتي بعد الاشتباك مع واشنطن بشأن قبرص وإنتاج الأفيون التركي. وبدت مساعي اجاويد أكثر صدقا، مع سياساته يسارية الطبع. غير أن الاتحاد السوفيتي ظل يمثل تهديدا على الحدود التركية.


ويشير مقال فورين أفيرز إلى أن المرة الوحيدة التي تمتعت فيها أنقرة بعلاقات وثيقة حقا مع موسكو عندما كانت روسيا في أضعف حالاتها خلال عقدي العشرينيات والثلاثينيات. فبعد الحرب العالمية الأولى، استخدم مصطفى كمال أتاتورك الأسلحة التي منحها له البلاشفة لهزيمة القوى الاستعمارية الأوروبية التي كانت عازمة على احتلال الأناضول.


ومن ثم، اعتبر الاتحاد السوفييتي قوة حليفة معادية للإمبريالية ومصدرا للأفكار حول اقتصاد تقوده الدولة. ولكن العلاقة كانت مستندة على حقيقة أن روسيا لم تعد يشكل خطرا وجوديا على تركيا.، بعد قرون من الصراع في العصر العثماني.


نتيجة لذلك، هناك ما يطمئن أولئك القلقون في واشنطن من ان تزايد ابتعاد تركيا عن الغرب قد يصب في مصلحة تحالفها مع روسيا: كلما صارت روسيا أكثر قوة وعدواني، تناقصت احتمالات قبول تركيا للشراكة معها .


ولعل التوتر الحالي في سوريا، خير مثال على هذا التوقع. حيث يبدو أن موسكو تفترض أن التقارب مع تركيا سيكون على أساس تخلي أنقرة التخلي عن مصالحها في سوريا، وقبول انتصار الأسد. فقد كن تعليق بوتين الوحيد بخصوص سوريا ، في المؤتمر الصحفي بعد لقائه أردوغان: "لا يمكن أن يتحقق التغيير الديمقراطي إلا عبر الوسائل الديمقراطية"، وهو انتقاد ستهدف سياسة تركيا في دعم الميليشيات المناهضة للأسد باسم الديمقراطية .


ويبدو أن الكرملين ينتظر ليرى ما إذا كانت تركيا بعد الانقلاب سوف تغير المسار في سوريا وتقلص الدعم لعملائها. غير أنه ليس من المرجح أن تشكل التنازلات التركية من جانب واحد الأساس لعلاقة دائمة. وعلى نحو خاص، إذا أثبت المتمردون المناهضون للأسد قدرتهم على الصمود ضد النظام في شمال سوريا، سوف تعتمد قدرة روسيا على تحقيق تقدم مع تركيا على استعداده لتقديم تنازلات حقيقية لأنقرة في حلب وحولها، فيما يتعلق بالأكراد السوريين.

 

اقرأ أيضا: 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان