رئيس التحرير: عادل صبري 07:26 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

40 عاما على الحرب الأهلية.. "دمل لبنان" لم يزل رطبًا

40 عاما على الحرب الأهلية.. دمل لبنان لم يزل رطبًا

العرب والعالم

40 عاما على الحرب الأهلية في لبنان وجراح لم تندمل

40 عاما على الحرب الأهلية.. "دمل لبنان" لم يزل رطبًا

12 أبريل 2015 12:09


بحلول يوم 13 إبريل من هذا العام (غدا الإثنين)، تكون مرت 40 سنة على اندلاع شرارة الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975،


وانفجرت الخلافات حول التركيبة الطائفية للنظام السياسي في البلاد، وكذلك بشأن القضية الفلسطينية، بين معسكري اليسار اللبناني تحت اسم "الحركة الوطنية" وغالبيته المسلمة ويتزعمه الزعيم الدرزي الاشتراكي كمال جنبلاط، والمتحالف مع منظمة التحرير الفلسطينية بقيادة ياسر عرفات وكان يتخذ من بيروت مقرا له، بوجه اليمين اللبناني وغالبيته المسيحية تحت اسم "الجبهة اللبنانية" وعلى رأسه حزب الكتائب بقيادة بيار الجميل ونجله بشير الجميل.

 

وبعد جولات ومجازر متبادلة وتحول البلاد الى ساحة لصراعات اقليمية وعربية ودولية، انتهت الحرب بعد اتفاق الطائف بين الفرقاء الذي رعته السعودية بشكل مباشر وجاء باتفاق دولي واقليمي أنهى الحرب، فكيف بدأت ارهاصات هذه الحرب التي اطلق عليها اللبنانيون طويلا مسمى "الاحداث" قبل ان يتيقنوا انها حرب طويلة، وهل لبنان على شفير لدخول حرب اهلية جديدة؟.
 

في هذا السياق، التقت "الاناضول" الكاتبين السياسيين اللبنانيين ايلي الحاج ولقمان سليم، فتحدث كل منهما كشاهد عيان اولا، عن وعيه الاول وما يحمله من ذكريات مطبوعة في ذهنه بشأن "الغيوم الاولى" التي كانت تتلبد لتمطر حربا، اتفقا على عبثيتها والدور الخارجي فيها وتحديدا السوري، وفي حين اتفقا كمحللين سياسيين على أنه لن تقوم اي حرب جديدة في البلاد دون توفر قرار خارجي يدعم المتحاربين، فإنهما اختلفا حول احتمالات حصول ذلك.
 

 رأى الحاج أن لبنان بعيد عن اي حرب جديدة بسبب العبر التي تعلمها اللبنانيون، بينما شدد سليم على ان لبنان يختزن حاليا كل مقومات النزاع الذي قد ينفجر في اي لحظة في حرب لن تكون نسخة مكررة عن السابقة.
 

وقال الحاج الذي كان يبلغ 15 عاما عند اندلاع الحرب إنه "من أكثر المشاهد الملتصقة بذاكرتي من مرحلة ما قبل الحرب مشهد عرض عسكري قامت به ميليشيا حزب الكتائب اللبنانية سنة 1974... كان منزل الاهل في شارع الجميزة (بمحاذاة وسط بيروت) وكانت صفوف رجال الميليشيا بثيابهم الزيتية تتدفق من ساحة البرج اي ساحة الشهداء الى ما بات الآن مكان تواجد شركة كهرباء لبنان اي على طول اكثر من كلم واحد ضمن مرمى نظري".
 

وأضاف "كانت الحشود ما زالت تتوالى بعدما ملؤوا المكان: صفوف متتالية وبانتظام. لم تكن هناك حرب بعد، حين كنت أرى بعيني الميليشيا والتنظيم العسكري المهول بالنسبة لولد"، معتبرا انه "كانت من أكبر الاخطاء التي ارتكبتها القوى الحزبية الفلسطينية وقوى الحركة الوطنية او اليسار آنذاك انهم استخفوا باستعدادات الفريق الآخر المسيحي اليميني لخوض معركة".
 

ورأى الحاج، الذي كان يعيش في منطقة ذات غالبية مسيحية بالقرب من المقر الرئيسي لحزب الكتائب في منطقة الصيفي وسط بيروت، أنه "لو ان زعيم اليسار والحركة الوطنية آنذاك كمال جنبلاط قرر اأ يصبر ولا يستعجل الامور لربما كان اليسار فاز سلما في لبنان. لانه في تلك المرحلة كان الشباب يميل الى اليسار شيئا فشيئا ويظهر ذلك في الجامعات والانتخابات، واتحدث تحديدا عن الشباب في البيئة المسيحية حيث كانت النخب تتجه الى اليسار تلقائيا. استعجال اسقاط النظام اللبناني جعل الناس يلتفون غريزيا وطائفيا".
 

وشدد على أن "القرار المجنون بعزل الكتائب(من قبل الحركة الوطنية ومقاطعته سياسيا) بصفته حزبا خائنا (للقضية الفلسطينية لانه كان يرفض تنفيذ عمليات للفدائيين ضد اسرائيل انطلاقا من جنوب لبنان) جعل هذا الحزب هو المثال والبطل عند طائفته"، واردف "اندلعت الحرب بشدة وبأساليب القرون الماضية وتحت شعار "اضرب عدوك واوجعه" وبطبيعة الحال كان الطرف الآخر يرد بالوسيلة نفسها، فرأينا دمار لبنان المهول".
 

وقال "عشت الحرب كلها في بيروت وقرب خطوط التماس (تعبير يطلقه اللبنانيون على خطوط القتال الفاصلة بين المنطقتين المسيحية والمسلمة ابان الحرب) في منطقة الجميزة وقرب اسواق بيروت (وسط بيروت) والتي كانت تمتد الى شارع الحمرا ومنطقة الفنادق"، واوضح أن حيّه السكني في الجميزة "كان يشهد كل يوم تقريبا تشييع احد الشباب الذين يقتلون في القتال".
 

وأعطى مثالا على هول الحرب وما خلفته من ضحايا، (التقديرات تتراوح بين 100 و200 الف قتيل)، قائلا "كنت في الصف الثالث متوسط (الثامن) كنا 20 تلميذا في مدرسة رسمية، وعندما انتهت الحرب كان بقي منا فقط 10 احياء من اصل 20 والباقون ماتوا في الحرب. نصفنا احياء ونصفنا موتى".
 

يتذكر الحاج يوم 13 ابريل 1975 حيث شكل الكمين الذي نصبه مسلحو حزب الكتائب لحافلة تقل لاجئين فلسطينيين كانوا يمرون في منطقة عين الرمانة المسيحية بالقرب من خطوط التماس ما أدى إلى مقتلهم شرارة الحرب، ويقول "كان يوم احد، قبل ذكرى يوم ميلادي بيومين في 15 نيسان (ابريل). جاء لزيارتنا في منزلنا في الجميزة، صديق لوالدي ذو ميول يسارية، وقال لوالدي: هل علمت أن هؤلاء الملاعين الكتائب فتحوا النار على حافلة ركاب في منطقة عين الرمانة وقتل عدد كبير منهم؟ الله يستر!".
 

وأضاف "انطبعت الكلمات في ذهني: ماذا يعني بتعبير: الله يستر؟ اعتقدنا الأمر حادثا عابرا وكانت الاذاعة اللبنانية (الرسمية) تبث في نشراتها اخبارا عن صحة الرئيس سليمان فرنجية الذي كان اجرى عملية جراحية من دون ان يأتوا على ذكر ما يجري في البلاد".
 

ولفت إلى أن "اللبنانيين كانوا يتابعون الاخبار عما يجري في بلادهم من إذاعة لبنان التي كانت تتحدث عن اشتباكات في عين الرمانة وغيرها من المناطق. بعد ذلك بيوم أو يومين اندلعت اشتباكات عنيفة في عين الرمانة وفرن الشباك (المسيحيتين) ثم أخذت تمتد إلى وسط بيروت وهكذا تصاعديا صرنا نسمع دوي انفحارات وصواريخ وتطورت الامور بسرعة".
 

ووصف الحاج مشهد التعبئة الطائفية في منطقته بعد خطاب لجنبلاط توعد فيه بهزيمة المسيحيين: "الناس كلهم رأيتهم بعيني يحملون ما تيسر لديهم من سلاح: سلاح صيد، اي شيء، حتى سكاكين، وينزلون الى الشوارع وكأنهم يقدسون المقاتلين المدافعين عنهم ويهرعون خلفهم ويقدمون لهم القهوة والطعام".
 

ولفت إلى أنه "بعد ذلك تطورت الأمور إلى جولات وكنا نسميها جولات، وبين كل جولة واخرى كان الناس يعتقدون انها (الحرب) انتهت. للاسف تبين بسرعة انها حرب دولية واقليمية كبيرة".
 

ووصف يوم دخول الجيش السوري الى لبنان في العام 1976 كقوة فصل بين المتحاربين بأنه "يوم حزين"، وشدد على ان رفض دخول هذه القوات الى البلاد ووضع يد النظام السوري بقيادة حافظ الاسد آنذاك على لبنان "هذه النقطة تحديدا شكلت التقاء بين كمال جنبلاط وبشير الجميل، لكن وسرعان ما قتل جنبلاط الذي تبين فيما بعد انه قتل على ايدي مخابرات حزب البعث اي النظام السوري".
 

وشدد على أن "هناك اجماع الآن تقريبا على ان كل المحطات التي مرت بها الحرب اللبنانية كانت محطات يمكن ان تتوقف فيها الحرب، لكن كان النظام السوري يتجاوزها ويعمل على ادامة الحرب الى ان تستتب له القدرة على السيطرة الكاملة على لبنان ولم يحصل ذلك الا سنة 1990".
 

لكن مع ذلك، شدد الحاج على أن لبنان بعيد حاليا عن نشوب حرب اهلية جديدة، وقال "أؤكد تماما أنه ليس هناك من قرار دولي بأن تندلع الحرب في لبنان.  حرب 1975 اندلعت بقرار دولي واقليمي لاغراق منظمة التحرير الفلسطينية من جهة والتخلص من نموذج لبناني ثقيل ومزعج للأنظمة المحيطة بنا جميعا من اسرائيل الى سوريا وغيرها وربما كان هناك من يريد إعطاء الفلسطينيين دويلة في دولة لبنان يستقلون فيها ويحكمونها ظنا منهم ان هذا سيشكل حلا للقضية الفلسطينية".
 

وتابع "ليس هناك الآن من قرار دولي (لاشعال الحرب) أو تمويل، ذلك ان الحرب مكلفة جدا"، موضحا انه "قبل ذلك والاهم من كل ذلك بكثير أن اللبنانيين انفسهم اخذوا العبرة مما جرى. حتى الطائفة الشيعية التي تتهم غالبيتها وليس كلها بأنها لم تتعلم من دروس الحرب اللبنانية تحاذر بكل الوسائل (دخول الحرب)".
 

ورأى ان "حزب الله، وهو الحزب الوحيد القادر ومن دون منازع على ان يخوض حربا اهلية في لبنان، إلا أن القيادة تعرف انه في اللحظة التي يندفع فيها الحزب الى هذه الحرب ستكون نهايته، لان لبنان لا يمكن ان تحكمه فئة عسكرية. كل الآخرين سيتجمعون ويمنعون ذلك ويقاتلون لآخر رجل. التاريخ يثبت ذلك"، مشددا على ان "اي من طوائف لبنان واحزابه ليس لها من مصلحة ان تخوض حربا وهم جميعا يتفادونها ولا يضعونها في حساباتهم".
 

من جهته، اعتبر سليم، وهو من مواليد 1962، أن بداية الحرب كانت في ايار/مايو 1973 حين اندلعت مواجهات بين الجيش اللبناني من جهة، والمسلحين الفلسطينيين من جهة ثانية.
 

وروى كيف ان فضوله دفعه وكان في 11 من عمره الى الذهاب الى منطقة المعارك القريبة من منزل والديه ليعرف ما يجري، فأصيب برصاصة في رجله وتم نقله بسيارة اسعاف إلى المستشفى لتلقي العلاج من الاصابة، واضاف "بمجرد الاصابة تكتسب مرتبة مختلفة بين اقرانك، وهي انك مصاب وبالتالي صرت جزءا من الحرب".
 

وأردف "على المستوى الشخصي دخلت الحرب بسرعة الى حياتي وقاموسي وذاكرتي وبالتالي لم تعد هذا الشيء المجرد الذي اراه فقط في التلفزيون والسينما او اسمع عنه من آخرين، وصارت لدي روايتي الخاصة عنها"، في إشارة إلى إصابته.
 

ولفت إلى المشاهدات التي انطبعت في ذاكرته طوال أعوام 1972، 1973، 1974، وهو في طريقه بالحافلة المدرسية التي كانت تسلك طريق "صيدا القديمة" والتي تفصل بين الضاحية الجنوبية لبيروت ذات الغالبية المسلمة ومنطقة عين الركانة معقل حزب الكتائب المسيحي وتحولت عام 1975 وحتى نهاية الحرب الى خط اساسي من خطوط القتال بين شطري البلاد.
 

وأضاف "أحمل في ذاكرتي من تلك الطريق وخلال تلك الفترة خلال ذهابي إلى المدرسة في فرن الشباك (ذات الغالبية المسيحية) صور تظاهرات وتجمعات واشتباكات مع قوى أمنية لا أستطيع ان أنساها. لم تكن تسمى حربا بعد"، وتابع "اليوم ارى استحالة في أن استرجع هذه الذكريات دون أن اربطها بالحرب التي بدأت في العام 1975".
 

واتفق مع الحاج في تأخر اللبنانيين في اطلاق تسمية "حرب" على ما يحصل، موضحا أن "اللبنانيين استغرقوا وقتا طويلا حتى اسموها حربا. لا ننسى أنه يوم 13 ابريل أي يوم حصول حادثة حافلة عين الرمانة كنا ما زلنا نتكلم على احداث وبقينا لفترة زمنية طويلة نسميها احداثا، ويوم بدأنا نتذكر ما صار عام 1975 بعد حرب السنتين (جولة معارك استمرت بين 1975 و1976) اي بعد دخول الجيش السوري في 1976، وبعد بداية التأريخ لجولات العنف أسمى اللبنانيون هذه الفترة باسم "حرب السنتين"، وحينها بدأنا نتكلم على حرب".
 

وأضاف "بقي اللبنانيون في حالة انكار وهذا أمر مفهوم لأن انكار ما كان يجري كان على الارجح بابا من ابواب الدفاع عن النفس"، ورأى ان الخطير في الموضوع كان "توسّل العنف" من قبل اللبنانيين سبيلا لحل خلافاتهم.

واردف "احتجنا الكثير من الوقت لنفهم ان السياسة ليست اجماعا بل الحياة السياسة الطبيعية في بلد ما تعني ان يكون الناس مختلفين ووفي اختلاف بالنقاش ويحتاجون للحوار، ولكن السؤال لماذا نحن (اللبنانيين) ينتهي كلامنا (حوارنا) سريعا نستلّ السكاكين ونبدأ بشحذها ونهدد بها بعضنا البعض صولا إلى القتل العادي؟"
 

لا يرى سليم غلى الوضع المستقبلي للبنان بنظرة تفاؤلية، وشدد على أنه "ليس هناك من حرب تستأنف من المكان الذي انتهت إليه. هناك ديناميات نزاع تدخل على المشهد اللبناني"، لكنه اكد ان الحرب التي كانت عام 1975 بين مسلمين ومسيحيين او بين لبنانيين وفلسطينيين "انتهت بهزيمة المسيحيين في لبنان وبانتصار الإسلامي السياسي الشيعي والسني، وما كان لها أن تنتهي لولا تحالف الﻹسلامين السياسيين الشيعي والسني مع الاحتلال البعثي (النظام السوري)".

ولفت إلى أنه "عندما نتكلم على امكانية حرب (جديدة) في لبنان فلا نتكلم على إعادة انتاج حرب الماضي بل عن حرب جديدة لها مكوناتها جديدة"، ورأى أنه "اذا سلمنا بهذه النظرية فأقول إن 2005 (في اشارة الى اغتيال رئيس الوزراء الراحل رفيق الحريري بانفجار ضخم هز بيروت يوم 14 شباط/فبراير) التي شكلت اللحظة المنعطف بتاريخ لبنان ربما ستوصف ذات يوم بأنها الجد الأعلى لحرب قد تندلع اليوم او غدا او بعد شهر او بعد سنة".  

وقال "نحن اليوم في العام 2015، واذا راجعنا ما حصل خلال السنوات العشر الماضية سنرى عددا من النزاعات التي اخذت احيانا اشكالا عنفية أو غير عنفية لكن كان يتم احتواؤها في اللحظات الاخيرة او تجميدها. لكن اكاد اقول انه لحسن الحظ ان الحروب لا تجري على السطح، الحرب تبدأ في الطبقات السفلية للمجتمع" في اشارة الى جمهور الناس العاديين.

ورأى انه "في الطبقات السفلية للمجتمع اللبناني ومنذ 2005 وصولا الى اليوم مرورا بابتلاع الانتفاضة في سوريا التي اندلعت عام 2011 ونجاح النظام في تحويلها الى حرب اهلية، فإن مكونات النزاع تزداد حدة وخير دليل على ازدياد هذه المكونات هو ان الحياة السياسية في لبنان تكاد تكون  في الدرجة صفر وان الامن هو البديل عن السياسة".

وابدى سليم تشاؤما كبيرا، حين شدد على أنه "بالتأكيد فإن لبنان في العام 2015 يملك رصيدا من النزاع او خمائر نزاع، التي من الممكن ان تنفجر بأي لحظة او بأي شكل".

اقرأ أيضا: 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان