رئيس التحرير: عادل صبري 09:36 مساءً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

عمرها 70 عاما.. قصة حب لا تهزمها تجاعيد الزمن

عمرها 70 عاما.. قصة حب لا تهزمها تجاعيد الزمن

منوعات

أحمد جابر - وكالات

عمرها 70 عاما.. قصة حب لا تهزمها تجاعيد الزمن

أحمد جابر - وكالات 15 فبراير 2018 20:29

ما بين الشيخ المسن «عمارة الفقيري» ذو الـ95 عاما، والجدة الهرمة «خضراء» ذات الـ86 عاما، قصة حب لا تزال شابة فتية رغم أنها تمتد لـ70 عاما، لكنها تنبض حتى اليوم شبابا وحيوية على إيقاع حبّ لا ينضب.

 

في محافظة جندوبة التونسية، بلدة صغيرة تحمل اسم «الطارف»، لكنه تضم قصة كبيرة تناقلتها وكالات الأنباء، ما بين «عمارة» و«خضراء»، مسيرة حياة طويلة اتّخذت من الحب والاحترام زادها الذي واجهت به تقلّبات الأيام، وتغيرات الأحوال، قصة أثمرت 13 طفلا، وأصبحوا اليوم آباء وأمّهات أنجبوا في المجموع 67 حفيدا.

 

تغيرت الحياة كثيرا في تونس عن مثيلتها قبل 70 عاما، عايشا معا الاستعمار الفرنسي ثم فرحة الاستقلال عام 1956، وشهدا أيضا أيام الثورة2011، لكنه مع رحيل المحتلين وسقوط الرؤساء، لا يزال حبل الود وأواصر المحبة بينهما قائمة حتى اليوم.

 

الجدّة «خضراء» لا تزال تبتسم وتداري فمها بيدها كفتاة حيية وهي تتذكر فولتها وصباها، لتتوقّف عند اسمها الذي قالت إنها سمّيت به لأن أهل منطقتها يتبركون باللون الأخضر، ويعتبرونه لون الخير والبركة.

 

في منزلها بالقرية الهادئة على الحدود التونسية الجزائرية، بدت الجدّة خضراء خارج تأثير الزمن بضحكتها الرنانة وحركتها الخفيفة، وهي تقول: «تزوّجت زواجا تقليديّا، في سنّ الـ16، أخذ قراره الأهل، لكني تفاءلت خيرا وتحمّلت مسؤولية تأسيس عائلة في سن مبكرة جدّا».

 

أمّا الجد فيقول إنه سُمّي عمارة ليُعمّر الدار والأرض؛ صدفة جعلت كلّا منهما يحمل شيئا من اسم الآخر، فهما يشتغلان بالزراعة التي تعدّ مورد رزقهما الوحيد، ويتخذان من اخضرارها سلاحا يتحدّيان به صعوبة الحياة.

 

زوج استثنائي بجميع المقاييس، فهما يقضيان يومهما سويا، ويتشاركان الأعمال المنزلية والزراعية، يجمعهما المكان والزمان ليؤثثا التاريخ والجغرافيا بحضورهما البسيط في ظاهره والعميق في عِبَرِهِ و فحواه. 

 

ترتسم الخطوط على وجهيهما، ويمحوانها بإصرارهما على السعي والعمل رغم تقدمهما في السن، وبابتسامة تأبى الخفوت، مصرّان بذلك على أن الروح مازالت حيّة فتيّة، وأن القلب نابض بالحياة والتجارب التي صنعت منهما سندا للأسرة الممتدة بكلّ أطرافها.

 

كافحا من أجل تعليم أبنائهما، وكانا يقطعان مسافة 8 كيلومترات يوميا، لإيصال أبنائهما إلى أقرب مدرسة ابتدائية، عابرين الوديان والشعاب والتضاريس الصعبة، كما يقول الجدّ عمارة.

 

يعيش عمارة وخضراء على ما تزرعه أيديهما المجعدة، ويُمضيان يومهما بين الحديقة ورعي الماشية وإطعام الدجاج، ينغرسان في التضاريس وينغمسان في عالم البساطة بعيدا عن عالم السرعة والافتراض والعولمة.

 

هناك، في أرضهما، ينتاب المرء شعور بوجود عروق تمتد منهما لتصلهما بالأرض، سرّ وجودهما كما يقولان، تماما مثل ذلك الوهج النابض من نظراتهما حين تلتقي ولو صدفة.

 

ورغم ساعات النهار الطوال والسنوات السبعون التي جمعتهما تحت سقف دارٍ واحدة، فشل الملل في التسرّب إلى أيامهما، فهما دائما ما يجدان مواضيع مختلفة لتجاذب أطراف الحديدث، وتبادل المزاح والنكات قبل انفجارهما ضاحكين وكأنهما شابان لم يدركهما خريف العمر.

 

خفيان سنوات التعب و قسوة الظروف المناخية وراء ابتسامة مشحونة بالرضا والقناعة، رغم ما يكابدانه في سبيل الحياة.

 

وبعاطفة واضحة، تُمسك خضراء يده، فيُسندها، تغنّي له ويهديها باقات الزهور التي أينعت على بساط الحقول الشاسعة أمام منزلهما.

 

لم يسمعا بوجود عيد مخصص للعشاق، ولم يحدث أبدا أن تدافعا أمام المحلات لابتياع الشيكولاتة أو الهدايا، لكن بداخلهما إحساس فياض بحبّ صادق لم يختبره الكثيرون، مشاعر انبثقت من رحم الحياة في نسخة أصلية لم تعبث بها وسائل العولمة، ولم يشوّها التصنّع والزيف.

 

يمضي الوقت سريعا، فيغادران الحقل عائدين إلى بيتهما محمّلين بتفاصيل يوم آخر تنضاف إلى ذكرياتهما وقاموس حياتهما، لينطوي يوم آخر في مسيرة زوجين علّمتهما التجربة أن الكفاح والصبر سبيل النجاح، وأن الحبّ طريق نحو الحياة.

 

تجربة زواج تمتدّ على مساحة حياتهما بأكملها تقريبا، يلخصها الحاج عمارة بالقول: «عشنا في ظل الاستعمار الفرنسي وعشنا فرحة الاستقلال (1956)، وشهدنا أيام الثورة (2011)، ولا يزال حبل الود يشدنا حتى اليوم».
 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان