رئيس التحرير: عادل صبري 09:16 صباحاً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

العراق ودول الخليج... فرصة أخيرة

العراق ودول الخليج... فرصة أخيرة

مقالات مختارة

رئيس البرلمان العراقي سليم الحبوري

العراق ودول الخليج... فرصة أخيرة

الرياض - حسّان أبو صلاح 11 أبريل 2015 12:05

كما أدركت السعودية وحلفاؤها في «عاصفة الحزم» أخيراً حتمية التدخل لإنقاذ اليمن من براثن طهران، فهي تدرك أن إهمال العراق، أو تأجيل اتخاذ موقف سياسي داعم له، سيوصل في أقرب الاحتمالات الحالة العراقية إلى اللاعودة.

 

وأثبتت الأيام أن خروج العراق من الصف العربي كانت له تأثيرات عميقة على خريطة الأمن القومي والخليجي والاستقرار الإقليمي، إذ شرّع الباب لانشقاق الصف العربي، وظهور أجندات جديدة في المنطقة، فضلاً عن كونه كان ساحة أمامية سمحت لإيران بالتغلغل في المحيط العربي سياسياً واقتصادياً.

وما حذر منه العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني بن الحسين علانية عام 2004 من خطر نشوء الهلال الشيعي، بات وشيكاً وربما يمكن القول أنه اقترب من التحقق.

لكن الخطر المحدق بدول الخليج يكمن في تجاوز مرحلة خسارة العراق إلى تحوله وانخراطه في الصف المضاد، خصوصاً إذا استغلت طاقاته وسخرت ثرواته في عداءٍ مع دول الخليج.

من هنا، أضحى بدهياً أن انتشال العراق من براثن الحلم الإيراني الراديكالي بات أولوية آنية واستراتيجية لا مفر منها من أجل الإمساك بمفاتيح الأمن الإقليمي للمنطقة.

والتحولات التي حصلت أخيراً، من تغيّر في التوازنات الإقليمية والتحالفات الدولية، خصوصاً التحول في المواقف الأميركية في ما يتعلق بالعلاقات مع إيران، إلى جانب مواقف واشنطن المتذبذبة من قضايا الشرق الأوسط، في مصر وسورية والبحرين واليمن، تدعو جميعها إلى نظرة أكثر اتساعاً لحاضر المنطقة ومستقبلها.

وعند العودة إلى مفاتيح الأمن الإقليمي يجب الإدراك أن مفتاحه الرئيس - من واقع التجارب - هو العراق، وهو ما يستدعي بإلحاح المضي في إعادة العراق إلى موقعه في الصف العربي، بما يخدم المصالح الخليجية، وهو ما يستلزم التدبر في أوضاعه، وتحليل المعطيات التي تعيشها الحالة العراقية المعقدة، وتدعيم المساواة السياسية في ذلك البلد.

إن الأطماع الإيرانية في السيطرة على العراق ومقدراته والاستفادة من العامل الجيوسياسي من جهة، وما يفتك بالعراق من إرهاب وخراب من جهة ثانية، فضلاً عن تمدد النفوذ الكردي واشتداد عوده، وما وراء ذلك من أهداف وداعمين، لم يعد كابوساً بل صار أمراً ملموساً يحمل سيلاً من الأخطار.

كل هذا يحتم على دول الخليج التحرك بأقصى ما تستطيع من إمكانات لإعادة العراق إلى المعسكر العربي سياسياً وأمنياً واقتصادياً، من خلال سلوك يسهل حل المشكلات والعثرات الطارئة في شكل فعلي، بدلاً من إضاعة الجهد في صناعة استراتيجيات التجنب.

خسر العراق مئات البلايين من ثروته، ضاعت هباء، كما خسر بفداحة جزءاً مهماً من مكونه البشري، وبنيته التحتية، واستوطنت عوامل الفساد والإرهاب والفوضى في جسده الذي يكاد يتحول إلى أشلاء.

لكن، مع كل هذا السواد الذي يصطبغ به الثوب العراقي، والتشاؤم الذي لم يدع للتفاؤل مطرحاً أو زاوية، خرج بصيص أمل تمثل بالهبّة الشعبية في وجه نظام نوري المالكي المشبع بالفساد والطائفية، والمرتهن بالقرار الإيراني.

عند النظر بجرأة وجدية إلى الوضع العراقي نجد أن تدخلاً داعماً وحاسماً في العراق لمصلحة المكون المعتدل، يتجنب الأحزاب والشخصيات الطائفية أو صاحبة الأجندات، قد يغير من الواقع على الأرض، ويقلب المعادلة للمصلحة الخليجية ويبتر يداً إيرانية تنتظر لحظة لانتزاع حياة العراق والعراقيين.

وبينما يمر الحلم الإيراني البطيء حاليا بأفضل حالاته من ناحية اقترابه من التحقق، سواء في ما يخص المشروع النووي أو من ناحية انتشار القوات الإيرانية وميليشياتها بقيادة جنرالات الحرس الثوري فوق أراضٍ عربية في سورية والعراق ولبنان، أو من ناحية التحول الأميركي في الموقف من طهران، أو في ضعف جامعة الدول العربية وتساقط أوراقها وتشتت مكوناتها وضعفها، فإن عارضاً آخر ينتج من حالة التخلي عن المكون العربي العراقي، بدأ يظهر من خلال عودة القومية الرومانسية، وما يصاحبها من برغماتية الأفراد والأقليات، والتي بدأت تعد قاعدة شعبية عشوائية آخذة في التوسع.

المخطط الإيراني مرّ بمراحل عدة خلال العقد الماضي، شهد معظمها نجاحاً، من خلال تصفية النخب العراقية، وإحداث تحولات ديموغرافية - طائفية داخل العراق، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة (التجنيس - التهجير) وتلويث المشهدين السياسي والقضائي بالأجندات والمال السياسي والتهديد ومنح النفوذ والسلطة لميليشيات تابعة، وتهميش وحصار العشائر العربية، خصوصاً السنّية، وفوق هذا كله دعم الإرهاب وإفساح المساحة لنشوئه وتكاثره حتى بلغ ما بلغ، ودلائل كثيرة تظهر بجلاء التواطؤ بين المنظمات الإرهابية وطهران، أو على الأقل اتفاق مصالحها.

إن إعادة العراق لحاضنته العربية - الخليجية ستقلب المعادلة الشرق أوسطية رأساً على عقب، من خلال تحقق أمور عدة، أهمها:

- إعادة العراق إلى الصف العربي بمقدراته وثرواته البشرية والطبيعية والبعد الاستراتيجي له.

- بتر الهلال الشيعي كمشروع جيوسياسي من خلال قطع خطوط الإمداد لإضعاف النظام السوري و «حزب الله».

- إعادة إعمار العراق التي ستصنع فرصاً استثمارية ضخمة ستعيد إحياء اقتصاد المنطقة من جديد.

- زراعة جذر رئيسي في شجرة الأمن العربي، فعودة العراق إلى سالف عهده سيساعد في شكل بارز في إعادة التوازنات الإقليمية ودعم الأمن القومي الخليجي.

- إعادة جزء كبير من الطاقات العراقية والعربية المهاجرة.

لقد درجت السياسة الإيرانية، بتوافق مع المصالح الأميركية، على تهميش المكون العربي - السنّي، منذ 2003، وهو ما أحدث اختلالاً هائلاً في الاستقرار والعملية السياسية والحالة الاجتماعية العراقية، وأعاق بناء مؤسسات الدولة طوال عقد من السنين، وهي استراتيجية تمهد للاستيلاء على العراق.

وفي ظل الخطر المقابل المتمثل بالسلوك المتطرف لدى الجماعات المسلحة والإرهابية كـ «داعش» وأخواته، فإن أهم سلاح لمقاومة الفكر المتطرف هو تقوية المكون العربي المعتدل.

يحتاج العراق خلال أي محاولة بناء إلى القانون جنباً إلى جنب مع القيادة المعتدلة. يأتي من بعدهما الحصول على قيادة مؤيدة بدعم العشائر التي تقطن مناطق البعد الاستراتيجي لكل من السعودية والأردن.

إن وجود شخصية من طراز سليم الجبوري على رأس السلطة التشريعية، تجمع بين الشعبية العشائرية والاعتدال والخبرة القانونية والانفتاح والتؤدة والعمل بصمت والانفصال عن الماضي وما يلوثه، يمثل فرصة سانحة لإعادة بناء العراق وإعادة القوة إلى المكون العربي المعتدل، لمواجهة الخطرين الإيراني والإرهابي، ويبني آمالاً جديدة لمستقبل اقتصادي سياسي يحمل معه الكثير من الإيجابية.

وكل يوم يمر في عمر التخلي عن العراق، يحقق للنفوذين الإيراني والإرهابي مكاسب إضافية، ومن غير المنطقي انتظار التحرك الأميركي أو الوثوق فيه، خصوصاً في ظل دخول أوباما مرحلة «البطة العرجاء»، التي يتم فيها تعطيل القرار الأميركي المؤثر.

إن دعم السلطة التشريعية العراقية التي يترأسها الرئيس الجبوري، لهو خطوة استراتيجية مهمة، كون العراق الجديد يعد جمهورية برلمانية، فضلاً عن كون الجبوري ممثلاً للمكون السنّي العربي.

واقتصادياً، فإن دعم العراق للوقوف على قدميه يجعل من الخليج وزخمه الاقتصادي والاستثماري، القابلة التي ستلد اقتصاداً جديداً وعملاقاً، يدعم المحور العربي سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وهو ما يدعو إليه الجبوري، من خلال اتصالاته المتعددة بالخليجيين وحضّهم على المشاركة والدعم، وتبنيه سياسة الباب المفتوح اقتصادياً.

آخر القول، أن استمرار إيران في ممارسة خططها واستراتيجياتها من دون الوقوف أمامها بصلابة وجدية، يعطي دفعة قوية للأقليات في المنطقة للمطالبة بدول وأقاليم وفيديراليات، وهو ما بدأ يلوح في الأفق. كما أن الإرهاب الذي بدأ يهدد أمن الخليج في شكل صارخ، لا رادع له إلا دعم الوسطية السنّية – العربية، وإلا فإن دائرة التطرف ستواصل التوسع.

نقلا عن الحياة

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان