رئيس التحرير: عادل صبري 02:18 صباحاً | الاثنين 11 ديسمبر 2017 م | 22 ربيع الأول 1439 هـ | الـقـاهـره 20° صافية صافية

لماذا لا يجنح أغلب شباب التيار الإسلامى نحو العنف؟

لماذا لا يجنح أغلب شباب التيار الإسلامى نحو العنف؟

مقالات مختارة

جورج فهمي

جورج فهمي يكتب

لماذا لا يجنح أغلب شباب التيار الإسلامى نحو العنف؟

نقلا عن الشروق 21 نوفمبر 2017 20:42

تسعى العديد من المقالات والدراسات إلى تحليل العوامل التى تدفع بعض الشباب إلى حمل السلاح فى وجه مؤسسات الدولة. وقد توصلت معظم تلك الدراسات إلى تحديد مجموعتين من العوامل التى تحكم سلوك الشخص الذى يقرر اللجوء إلى العنف. تتعلق المجموعة الأولى بالعوامل الهيكلية التى تضم المناخ السياسى، والوضع الاقتصادى والاجتماعى، فيما ترتبط المجموعة الثانية بالخبرة الشخصية، وتجربة الشخص الإنسانية وكذلك أفكاره ومعتقداته.

إلا أن السؤال حول دوافع التوجه إلى العنف، على الرغم من أهميته، يغفل حقيقة دامغة تتشاركها كل المجتمعات المسلمة من دون استثناء، وهى أن نسبة الشباب الذين قرروا حمل السلاح لتحقيق أهدافهم السياسية لاتزال ضئيلة، بينما الغالبية العظمى من هؤلاء الشباب لم ينخرطوا فى أى نشاط عنيف. إن صحت هذه العوامل، الهيكلية منها والفردية، التى تدفع الشباب نحو العنف، فكيف لا تزال نسبة الشباب المنخرطين فى العنف ضئيلة فى كل الدول الإسلامية، على الرغم من تعرض قطاع واسع منهم، خاصة شباب الحركات الإسلامية، إلى العوامل ذاتها؟ ففى مصر على سبيل المثال، وعلى الرغم من حالة المواجهة المشتعلة بين الدولة المصرية وفصائل الإسلام السياسى، وفى مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين منذ يوليو 2013، فإن نسبة الشباب من داخل التيار الإسلامى التى قررت حمل السلاح فى أعقاب إسقاط حكم محمد مرسى لا تزال محدودة. ويظهر تقرير للصديق محمد خيال فى صحيفة الشروق، أن عدد المنتمين لحركة سواعد المقاومة مصر (حسم) المحسوبة على جماعة الإخوان، يبلغ نحو 80 شخصا فقط، فيما يُقدَّر عدد الأعضاء المنخرطين فى جماعة الإخوان المسلمين بمئات الآلاف، ناهيك عن أن الغالبية العظمى من أولئك الذين فروا إلى خارج مصر، قد اختارت الاستقرار فى تركيا أو قطر، ولم تلتحق سوى نسبة محدودة جدا بجماعات العنف فى سوريا أو ليبيا. 

***

لا شك أن العوامل الهيكلية والفردية تسهم فى عملية الجنوح نحو العنف، لكن ما تغفله العديد من الدراسات هو وجود مجموعة عوامل أخرى مقابلة تقاوم التوجه نحو العنف وتحد من تأثير العوامل الدافعة له حتى داخل أوساط الإسلاميين المعارضين للنظام السياسى الحالى. وتنقسم هذه العوامل إلى مجموعتين رئيستين: عوامل عقائدية وأخرى تتعلق بحساب المكاسب والخسائر.

أولا، فى الشق المرتبط بالعوائق الفكرية، تجدر الإشارة إلى أن غالبية التيارات الإسلامية، وفى مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين، قد أدانت استخدام العنف خلال موجة الإرهاب التى اجتاحت مصر خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضى. وسعت الجماعة خلال تلك الفترة إلى تقديم نفسها للداخل والخارج باعتبارها حركة إسلامية تسلك المسار السياسى السلمى لإحداث تغيير فى المجتمع. ولم يقتصر هذا الأمر على الخطاب فحسب، بل تحول إلى قواعد تحكم عملية الانضمام إلى الجماعة، إذ أصدرت قيادات الإخوان خلال تلك الفترة توجيهات واضحة بعدم قبول عضوية أى فرد هناك شكوك حيال موقفه الفكرى من قضية استخدام العنف. وحتى تلك التيارات التى مارست العنف بنفسها كالجماعة الإسلامية، قد تراجعت عن نهجها هذا فى مراجعتها الفكرية الشهيرة. وقد أسفرت تلك المواقف والمراجعات عن مجموعة أدبيات تفند فكرة العنف ومبرراتها، وباتت تشكل عائقا فكريا حال دون انخراط الكثير من شباب التيار الإسلامى فى موجة العنف الحالية.

ثانيا: فيما يُعنى بحساب المكاسب والخسائر، بات الكثير من شباب التيار الإسلامى يقيمون قرار حمل السلاح ليس طبقا للإطار الفكرى فحسب، بل أيضا استنادا إلى منطق المكاسب والخسائر. إذ يرى العديد من أعضاء جماعة الإخوان المسلمين على سبيل المثال أنه من غير المجدى رفع السلاح فى وجه مؤسسات الدولة المصرية، لأن هذه معركة محسومة سلفا لصالح الدولة المصرية. وعادة ما تنطلق هذه الرؤية من تجربة الجماعة الإسلامية وتنظيم الجهاد فى مصر، التى فشلت فى الإطاحة بنظام مبارك خلال الثمانينيات والتسعينيات؛ وكذلك إلى اختيار قطاع من جماعة الإخوان فى سوريا حمل السلاح فى وجه نظام حافظ الأسد خلال الثمانينيات، ما ألحق هزيمة نكراء بجماعة الإخوان، وقضى على أى وجود لها فى سوريا. 

***

يتضافر هذان العاملان معا، على الرغم من تباين درجة تأثير كلٍّ منهما فى إثناء القطاع الأوسع من أبناء التيار الإسلامى عن الانخراط فى العنف المسلح. فواقع الحال أن هذين العاملين لا يمارسان التأثير ذاته على جميع أفراد التيار الإسلامى، بل قد تختلف قدرتهما على التأثير من فئة إلى أخرى. على سبيل المثال، يضعف تأثير العوامل المقاومة للعنف على الفئة الشبابية صغيرة السن داخل السجون، والتى ينحو قطاع منها إلى تبنى الفكر الجهادى. فنتيجة لصغر سن هؤلاء الشباب، لم يمروا بمراحل التكوين الفكرى التى ترسخ رفض العنف، والتى مرت بها الأجيال الأكبر سنا، كما أن تجربة السجن قد أفقدت الكثير منهم بارقة الأمل فى مستقبل أفضل، وهو ما يجعل ثمن الجنوح إلى العنف بالنسبة إليهم أقل تكلفة ممن لديه أسرة وعمل ينتظرانه عقب الخروج من السجن.

يتطلب تحليل ظاهرة العنف تجاوز الجدل الدائر حول العوامل التى تدفع نحو حمل السلاح، للانكباب على استشفاف العوامل التى قد تعرقل ذلك التوجه. فقرار الانخراط فى العنف ناجمٌ عن الموازنة بين العوامل الدافعة إلى العنف وتلك المعيقة له، والتى يختلف تأثيرها من شخص إلى آخر ومن لحظة زمنية إلى أخرى.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان