رئيس التحرير: عادل صبري 07:36 مساءً | الثلاثاء 18 ديسمبر 2018 م | 09 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

لقاء القيصر والسلطان: مناورة تكتيكية أم تحول استراتيجي؟

لقاء القيصر والسلطان: مناورة تكتيكية أم تحول استراتيجي؟

مقالات مختارة

د. حسن نافعة

حسن نافعة يكتب

لقاء القيصر والسلطان: مناورة تكتيكية أم تحول استراتيجي؟

17 أغسطس 2016 09:13

ربما لم يكن بوسع كل من فلاديمير بوتين، قيصر روسيا الجديد، ورجب طيب أردوغان، سلطان تركيا الجديد، اللذين التقيا أخيراً في مدينة سان بطرسبرغ، إحداث تغيير جوهري في طبيعة العلاقة بين بلديهما، والتي تتسم بتنافس حاد على الصعيد الجيواستراتيجي وتغلب فيها أنماط الصراع على أنماط التعاون، لكنهما كانا يدركان تمام الإدراك أن بوسعهما استثمار أحداث غير متوقعة لإعادة توجيه مسار هذه العلاقة بما يخدم المصالح الاستراتيجية لكلا البلدين، مثلما حدث من قبل في ظروف تاريخية مختلفة.


وعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد ساعد اندلاع الثورة البلشفية في روسيا القيصرية إبان الحرب العالمية الأولى على خلق ظروف موضوعية مكَّنت كمال أتاتورك من إعادة بناء تركيا الحديثة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية المنهارة. كانت روسيا القيصرية طرفاً فاعلاً في التحركات الدولية الدائرة خلال الحرب العالمية الأولى لتقسيم إرث الإمبراطورية العثمانية بين الدول المتحالفة ضد ألمانيا وتركيا، وشارك سيرغي سازنوف، وزير خارجية روسيا في ذلك الوقت، بهِمة واضحة في المفاوضات التي جرت مع فرنسا وبريطانيا عام 1916 وأفضت إلى إبرام ما أصبح يعرف تاريخياً باسم «اتفاقية سايكس– بيكو».

ولولا خروج روسيا المبكر من الحرب، عقب اندلاع الثورة البلشفية، لحملت هذه الاتفاقية اسم «سايكس- بيكو- سازنوف»، ولكانت روسيا تمكنت بموجب هذه الاتفاقية من السيطرة على إسطنبول والتحكم في منطقة المضائق الواصلة بين البحرين المتوسط والأسود. لذا يمكن القول إن اندلاع الثورة البلشفية كان هو الحدث الداخلي غير المتوقع الذي حال دون تمكين روسيا من الحصول على نصيبها من تركة الإمبراطورية العثمانية المنهارة، بل وساعد على خلق ظروف موضوعية سمحت لاحقاً لكل من كمال أتاتورك، القومي التركي، وفلاديمير لينين، الماركسي الروسي، من نسج علاقة خاصة بين البلدين مكَّنت الأول من بناء دولة حديثة في تركيا وساعدت الثاني على تحصين التجربة الاشتراكية الوليدة في الاتحاد السوفياتي وحمايتها في مواجهة الدسائس والمؤامرات الخارجية. وقد صمدت هذه العلاقة طوال فترة ما بين الحربين إلى أن عصفت بها التغييرات الهائلة التي طرأت على موازين القوى العالمية عقب اندلاع الحرب العالمية الثانية، وهي التغييرات التي دفعت بتركيا للارتماء في أحضان المعسكر الغربي والانخراط في حلف «الناتو» المعادي للاتحاد السوفياتي اعتباراً من عام 1952.
 

وربما يصعب إيجاد أوجه للمقارنة بين الانقلاب العسكري الفاشل الذي وقع في تركيا يوم 15 تموز (يوليو) الماضي وبين الثورة البلشفية التي اندلعت في روسيا القيصرية عام 1917، ومع ذلك فإن المتأمل لتأثير هذين الحدثين الداخليين والمفاجئين على مسار العلاقة بين روسيا وتركيا ربما يجد بعض أوجه الشبه بينهما من هذه الزاوية. فلولا وقوع الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا أخيراً لما تهيأت ظروف موضوعية لإنجاز اللقاء الذي جرى في بطرسبرغ منذ أيام بين بوتين وأردوغان، وهو اللقاء الذي فتح آفاقاً جديدة لتطوير العلاقة بين البلدين لم تكن متاحة من قبل. ولأن هذه العلاقة كانت وصلت إلى درجة عالية من التوتر وراحت تنزلق بسرعة نحو حافة صدام مسلح بين البلدين، عقب إقدام تركيا على إسقاط طائرة عسكرية روسية على حدودها مع سورية في العام الماضي، يرى البعض في اندفاع أردوغان نحو روسيا مجرد مناورة تكتيكية تهدف إلى الضغط على الولايات المتحدة لحملها على تسليم فتح الله غولن، المتهم الرئيسي بتدبير الانقلاب العسكري. غير أنني لا أتفق مع هذا الطرح، وأعتقد أن وقوع الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا يشكل نقطة فارقة في تاريخ تركيا، وبالتالي لها ما بعدها، وذلك لسببين رئيسيين:

 

الأول يتعلق بدلالة الفشل الذي أصاب هذا الانقلاب بالذات. ولأن جميع الانقلابات العسكرية التركية السابقة، العنيفة منها والأقل عنفاً، نجحت وحققت أهدافها في السيطرة على مؤسسات الدولة، فمن الطبيعي أن يعد الفشل الأول في تاريخ الانقلابات العسكرية حدثاً تاريخياً يمكن أن يكون دليلاً بذاته على أن تركيا تغيَّرت وأن تركيا اليوم ليست تركيا الأمس، وتلك مسألة سيكون لها ما بعدها داخلياً وخارجياً.

والثاني يتعلق بدلالة التوقيت، فالانقلاب الفاشل وقع في لحظة بدت فيها تركيا في مفترق طرق. فنظام أردوغان، الذي كان تمكن من تحقيق درجة عالية من الاستقرار السياسي المصحوب بقفزة تنموية هائلة على الصعيد الداخلي، وتمتَّع بسياسة فاعلة ونشطة على الصعيد الخارجي («صفر مشاكل» مع الجيران)، بدا خلال الشهور التي سبقت الانقلاب وكأنه استنفد طاقته وبدأ يدخل في مرحلة احتضار بطيء. فمعدلات التنمية تتراجع، ومظاهر العنف وعدم الاستقرار تتزايد، ونطاق الحريات يضيق، وانتهاكات حقوق الإنسان تتسع، وسياسة «صفر مشاكل» تختفي لتحل محلها سياسة «مشاكل مع الجميع»! ولو نجح الانقلاب في ظروف كهذه لسهل عليه إعادة تركيا إلى الوراء، ولتحكمت المؤسسة العسكرية في نظامه السياسي من جديد. أما وأن الانقلاب قد فشل، فمن الطبيعي أن يؤدي فشله إلى فتح الطريق أمام تأسيس تركيا جديدة ديموقراطية ومستقرة، شرط أن يتمكن أردوغان من انتهاز الفرصة السانحة أمامه حالياً ومن كبح جماح نزعته الإمبراطورية. وللإنصاف، فإن أردوغان كان بدأ المأزق الذي أوصلته إليه سياساته المدفوعة بطموحات إمبراطورية، حتى قبل وقوع الانقلاب العسكري، بدليل قيامه بالاعتذار لروسيا عن حادث إسقاط الطائرة، وإبرامه اتفاقاً مع إسرائيل لتصفية آثار حادث السفينة «مرمرة». غير أن وقوع الانقلاب العسكري من ناحية، ونجاح المجتمع المدني التركي في التصدي له وإفشاله من ناحية أخرى، فتح آفاقاً جديدة أمام أردوغان لإعادة ترتيب البيت التركي من الداخل ولإعادة صياغة سياسة تركيا الخارجية في الوقت ذاته. وفي ما يتعلق بإعادة ترتيب البيت التركي، يلاحظ أن أردوغان لم يكتف بالعمل على إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية وضبط علاقتها بالمؤسسات المدنية بما يحول دون تمكينها من التدخل في الشأن السياسي من جديد، وإنما بدأ يعمل بهمة في الوقت ذاته لاستئصال فصائل المعارضة الإسلامية التي قد تشكل بديلاً محتملاً لحزبه عند الضرورة، ومن هنا إصراره على اتهام غولن بتدبير الانقلاب وشن حمله واسعة لتطهير مؤسسات الدولة من أنصاره.

أما في ما يتعلق بإعادة صياغة سياسة تركيا الخارجية، فيلاحظ أن أردوغان لم يكتف بتوجيه اللوم للولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، لتقاعسهما في التنديد بالانقلاب، أو حتى بالتلميح لاحتمال ضلوع بعض القوى الغربية في مساعدة الانقلابيين، لكنه حرص في الوقت ذاته على توجيه الشكر لبوتين، أول المنددين بالانقلاب والداعمين للجهود الرامية لإفشاله. لذا يتوقع أن تبتعد تركيا أكثر عن القوى الغربية، لكنها لن تقطع معها شعرة معاوية، وأن تقترب أكثر من روسيا، لكنها لن تتخذ منها حليفاً بديلاً. وأظن أن كلاً من أردوغان وبوتين يدرك بوضوح أن الدولتين في حاجة ماسة إحداهما إلى الأخرى في الظروف الإقليمية والدولية الراهنة، وأن آفاق التعاون بينهما في المرحلة الراهنة تبدو مفتوحة بلا حدود.

عودة العلاقات الاقتصادية بين تركيا وروسيا إلى المستوى الذي كانت عليه قبل حادث إسقاط الطائرة العسكرية الروسية مسألة مطلوبة ومرغوبة من جانب الطرفين، وبالتالي لن تثير أي تعقيدات، لذا من المتوقع أن تبدأ روسيا على الفور رفعاً تدريجياً للقيود التي كانت قد فرضتها على الصادرات التركية، وأن تتخذ الإجراءات اللازمة لاستئناف تشييد خط نقل الغاز «توركستريم»، وتنفيذ مشروع محطة «أكويو» الذرية في تركيا، وتبادل الأفواج السياحية بين البلدين... إلخ، وليس من المستبعد أن يتمكن البلدان من الوصول بحجم التبادل التجاري بينهما إلى الرقم المستهدف، وهو مئة بليون دولار خلال سنوات قليلة. غير أن الجديد في معطيات العلاقة بين تركيا وروسيا في مرحلة ما بعد الانقلاب الفاشل يكمن في انفتاح أفق التعاون الاستراتيجي بين البلدين على مصراعيها. ولأن المسألة الأوكرانية تعتبر أُمَّ المسائل من منظور الأمن القومي الروسي، كما أن المسألة الكردية تعتبر أمَّ المسائل من منظور الأمن القومي التركي، فإن أي تصور لبناء علاقة استراتيجية بين البلدين لا بد أن يرتكز على ما يمكن كل طرف أن يقدمه لمساعدة الطرف الآخر على مواجهة ما يعتبره مصادر رئيسية لتهديد أمنه الوطني. وفي ما بين المسألة الأوكرانية التي تشكل خطاً روسياً أحمر، والمسألة الكردية التي تشكل خطاً تركياً أحمر، توجد مساحة شاسعة تتسع لأزمات ومسائل أخرى تهم البلدين، في مقدمها الأزمة السورية وسبل مكافحة الإرهاب، ويمكن كلا البلدين أن يساهم في إيجاد حلول لها عبر الصفقات والتنازلات المتبادلة.

إن التفاعلات الإقليمية والدولية التي أثارها الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا تؤكد مرة أخرى أن منطقة الشرق الأوسط لا تزال تشكل بؤرة الصراعات العالمية، وأن العالم العربي هو رجل المنطقة المريض الذي يشرف على الموت، والذي تتصارع تركيا وإيران وإسرائيل لوراثة تركته، فهل بقي في هذا العالم العربي رجل رشيد لديه الشجاعة ليتقدم محاولاً إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

نقلا عن الحياة اللندنية

اقرأ أيضًا:

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان