رئيس التحرير: عادل صبري 03:18 صباحاً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

بالصور| "قمائن الطوب" في قنا.. لقمة عيش تحرق الزرع والنسل

بالصور| قمائن الطوب في قنا.. لقمة عيش تحرق الزرع والنسل

تقارير

قمائن الطوب بالقرب من منازل القرية

بالصور| "قمائن الطوب" في قنا.. لقمة عيش تحرق الزرع والنسل

وليد القناوى 25 فبراير 2016 18:18

على ضفاف النيل وتحديدًا مركز قفط بمحافظة قنا، يجلس عبد الحميد محسوب المزارع بقرية البارود، ممسكًا بثقاب الكبريت، ينتظر انصراف موظفي مجلس المدينة نهاية الأسبوع، ليشغل "قمينة الطوب" التي شيَّدها بالقرب من منزله خوفًا أن يحرَّر له محضر كعشرات المحاضر السابقة، التي دفع فيها غرامة، وعاد لعمله من جديد في صناعة "الطوب الأحمر".

 

يبدأ عبد الحميد المزارع، منذ الصباح الباكر، ممسكًا بفأسه ينبش الأرض ليس تلك المرة كسابقها لوضع البذور لكن مجرفًا الطمي، الذي ورثه عن أجداده منذ عشرات السنين، بعد أن أصبحت الزراعة كما يقول: "مبقتش توكل عيش.. بقى علينا ديون للبنوك بسبب زراعة القصب والقمح نعمل إيه مضطرين"، معربًا عن حزنه بسبب ضيق الحال والذي اضطره لتجريف أفضل طبقة في أرضه الزراعية.

 

يجمع "عبد الحميد" ما يتم تجريفه من الأرض الزراعية ليبدأ بعدها بدق الطوب اللبن بعد خلطه بروث البهائم، حتى تكون الطوبة متماسكة، وينتظرها يومين لتجف تحت أشعة الشمس، وبالقرب من منزله يبدأ في تشييد غرفة وكأنَّها أعدت للسكن من الطوب اللبن بعد جفافه، والرص يحتاج إلى خبرة، إذ أنَّ للطوب وضعًا معينًا فوق بعضه البعض، وأي اختلال قد يؤدي إلى سقوطه وتلفه، وتتم هذه الخطوة بحذر كما تتم عملية رص الطوب بشكل مستطيل.

 

 

"عبد الحميد" يساعده ولداه منصور وسعيد، في جمع "البوص والأخشاب" تمهيدًا لإدخالها في منتصف الغرفة التي أنشاءه ، لينشأ بعدها "سقالة خشبية" ليعتلي سطح الغرفة الفارع ليسكب عليه "جرادل" من مادة المازوت والبنزين.

 

ينتظر عبد الحميد "نهاية العمل" في ساعات الظهيرة وخروج الموظفين في مجلس المدينة، ليشعل الغرفة، وهي تقذف الأدخنة يمين ويسارًا لا تترك منزلا إلا دخلته، وترى وجوه الأطفال، وهو ما أدَّى إلى أن تشوب أوجه أبنائه بـ"اللون الأسود" نتيجة الدخان، ومخلفات القش المحترقة، المتطايرة من "قمينة الطوب".

 

وتستمر النيران مشتعلة حتى ساعات الليل المتأخرة ليصبح الطوب اللبن طوبًا أحمر، في حين تتحول القرية لسحابة سوداء ولسان حال أهلها: "يا إخوانا حرام عليكم أولادنا بتموت"، لكن البعض منهم يرى أنَّها "لقمة العيش" التي دفعت البعض منهم لفعل ذلك.

 

 

يقول "عبد الحميد" إنَّه يعمل في هذا المجال نظرًا لعدم وجود أي وظائف أخرى، موضِّحًا أنَّ لديه ستة أبناء كلهم حاصلون على مؤهلات من بين العليا والمتوسطة ولا يجدون أي عمل إلا هذه المهنة، لافتًا إلى أنَّها تجني عليهم بالمال في فترة تتراوح ما بين الشهرين والثلاثة لسد احتياجاتهم حتى لا يسألوا الناس إلحاحًا في طلب الرزق، حسب تعبيره.


على أطراف القرية، يجلس محسن طه، مزارع، ممسكًا بيده أوراقًا، وهو قادمًا من المستشفى، بعد أن أصيب بمرض الربو والحساسية المزمنة نتيجة الانبعاثات الناتجة عن حرق القمائن بجميع شوارع القرية، والقرى والنجوع المجاورة، فأوضح: "أهالي القرية تحوَّلت أراضيهم الزراعية إلى خراب، بعد أن جرفوا أفضل طبقة في الأرض، والتي ستأتي عليها سنوات أيضًا للتحول لكتلة سكنية، وبذلك قضينا على الرقعة الزراعية بالكامل، ونلجأ إلى إقامة قمائن الطوب أمام منازلنا ونعمل أيام الخميس والجمعة والسبت، وهي الأيام التي لا يوجد بها عمل بمجلس المدينة حتى لا يتم تحرير محاضر لهم".

 

وأضاف:  "الأمراض الصدرية انتشرت بشكل كبير في الفترة الأخيرة بقرى مركز قفط، بسبب القمائن التي بدأت تنتشر في وسط الكتلة السكنية بصورة كبيرة دون حساب أو رقيب من قبل المسؤولين، وآخر ما يتم فعله تحرير محاضر تكون فيها دفع غرامة".

 

ويلتقط منه أطراف الحديث سيد مختار، موظف بالمعاش، وعيناه تملئها الدموع، فأكَّد أنَّه فقد حفيدته التي لم تتجاوز من العمر خمس سنوات، منذ عدة أشهر، بسبب إصابتها بالتحجر الرئوي، حيث أوضَّح الأطباء أنَّها تعرضت لاستنشاق دخان عن طريق ملوثات المازوت وأكاسيد الكبريت والنيتروجين الناتجة عن حرق قمائن الطوب.

 

وأشار إلى أنَّ القرية بها عائلات وصلات نسب كبيرة، وبحكم العادات والتقاليد لا يستطيع أحد من المواطنين أن يبلغ الشرطة على جاره أو احد أقاربه لحرقه "قمينة طوب" بجوار منزله.


وذكر أحمد عيسى، عامل: "أعمل مع شقيقي في قمائن الطوب منذ قرابة 20 عامًا حيث تخصصت في نقل الطوب اللبن "القمائن" التي يحرق فيها ثمَّ نقله ثانية من القمائن إلى الخارج.. هذه مهنة شاقة جدًا جلبت الأمراض إلينا".

 

وأعرب عيسى عن أمنيته في إقامة مصانع للطوب في صحراء المحافظة الشاسعة، توفِّر مصدر رزق وتحمي المواطنين وأصحاب القمائن من الأمراض العديدة التي تصيبهم نتيجة اختلاطهم بالمياه الملوثة والعمل في بيئات غير مجهزة.

 

 

بدوره قال مصدر بمجلس مدينة فقط إنَّه يتم شهريًّا تحرير عشرات المحاضر لأصحاب قمائن الطوب من خلال حملات مكثفة على القرى والنجوع، لافتًا إلى أنَّ أغلب أصحاب القمائن يشعلون النيران فيها أيام الإجازات وخلال ساعات الليل.

 

وفي مستشفى فقط، سجَّلت كشوفات المرضى عشرات الحالات شهريًّا مصابة بالحساسية المفرطة، وأمراض العيون، وضيق التنفس، وبخاصةً كبار السن والإطفال، لاستنشاقهم الأدخنة بشكل مباشر وغير مباشر.

 

وقال الدكتور أمجد حسين طبيب الصدر والحساسية بقنا إنَّ القمائن تتسبَّب في انتشار السحابة الدخانية على القرى والمنازل، ما يؤدي إلى انتشار عدة غازات في الهواء منها أول وثاني أكسيد الكربون والرصاص وغازات أخرى تصيب الجهاز التنفسي والقلب والحلق والرئة، وأمراض الصدر والربو والحساسية المزمنة، لافتًا إلى أنَّ الغالبية العظمى من الأهالي الذين يعملون بالقمائن مصابون بمرض الصدر وضيق التنفس.

 

في المقابل، حرَّرت شرطة البيئة والمسطحات المائية، خلال الأسبوع الماضي، 11 محضرًا ضد 11 مواطنًا؛ لإنشائهم "قمائن طوب بلدي" على مساحات واقعة على نهر النيل دون ترخيص، في مركزي قنا ونجع حمادي، طبقًا لقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009.

 

 

 

 

 

 

 

اقرأ أيضاً  :

 

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان