رئيس التحرير: عادل صبري 05:07 صباحاً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

المصانع المغلقة ..حياة العمال تتحطم أمام "عناد" الحكومة والمستثمر

  المصانع المغلقة ..حياة العمال تتحطم أمام عناد الحكومة والمستثمر

الحياة السياسية

عمال يتظاهرون للمطالبة بمستحقاتهم - أرشيفية

"مصر العربية" تواصل فتح الملف (3-3)

المصانع المغلقة ..حياة العمال تتحطم أمام "عناد" الحكومة والمستثمر

محمود عامل باليومية بعد أن كان مشرف وردية..ومصطفى لا يملك عمل بديل

سارة نور 14 مايو 2016 10:39

أزهار تناثرت على طول طرقات المدينة و مساحات خضراء  واسعة في مشهد ظاهره يسر أعين الناظرين،لكن ما أن تتجول داخلها حتى يتبدل المشهد و تتحول الورود النضرة إلى أخرى يابسة لاتجد من يروي عطشها .  

 

على عكس ما تبدو لم تكن مدينة السادات نابضة بالحياة كالألاف  الذين أصبحت حياتهم كفروع الأشجار المتيبسة الملقاة على جوانب أسوار مصانعهم التي أغلقت أقفالها في وجوههم .

 

محمود واحد من  أؤلئك العاملين الذين أصبحوا معلقين بين الحياة و الموت بعدما أغلق مصنعه "ميجا تكستايل" للملابس الجاهزة في 2014، حيث خاض مع 1500 من زملائه صراعا طويلا استمر ثلاث سنوات مع المستثمر التركي الذي قرر الإغلاق بعد ثورة  يناير .

 

لم تكن حياة محمود وردية، لكنها كانت كافية لأن يشعر بالسعادة مع أبنائه الثلاثة و زوجته بعد كل وجبة استطاع توفيرها لهم بكد متواصل طوال اليوم قبل أن تنقلب موازين حياته و يتحول من مشرف وردية إلى عامل يومية.

 

شرارة البداية كانت  من بعض العاملين الذين احتجوا بعد الثورة مباشرة على رواتبهم الهزيلة، مطالبين  بزيادتها و لو قليلا ليستطيعوا الوفاء باحتياجات أسرهم لكن صاحب المصنع التركي أوقف التشغيل حتى يرحل هؤلاء ، حسبما يقول محمود.

 

التلاعب بالأرزاق

 

ليقضي بعدها  1500 عامل بـ"ميجاتكستايل" ثلاث سنوات متواصلة في رحلة عنوانها التلاعب بأرزاق البشر ، أبرموا فيها اتفاقات ودية بينهم و بين صاحب المصنع ،بعضها كان تحت إشراف وزارة القوى العاملة  لكن الأخير لم يلتزم بأيا منها .

 

" قعدنا 7 شهور مبنقبضش و كانت إدارة المصنع ألزمتنا إننا نروح المصنع و إلانتفصل مع إن مكنش فيه شغل في الثلاث شهور الأخيرة ووقفوا عربيات نقل العمال، فبقى بندفع 10 جنيه مواصلات كل يوم ، و اللي كان بيروح يدور على رزق عياله بره كان بيتفصل "، بصوت حزين استعاد محمود ذكريات أيام ظن أنها أغلقت في وجهه كما أبواب العنابر .

 

خلال هذه الأشهر العجاف جاء العيد لكن لعمال لم يجدوا ما يدخلون به الفرحة على ذويهم ، فصرف لهم صندوق الطوارىء شهرا من راتبهم الأساسي فقط ، تكرر مرة أخرى بعد ستة أشهر ، لأن المستشار القانوني بعد ذلك رفض الإمضاء على أوراق تفيد تعثر المصنع ، بحسب محمود.

 

فوق القانون

 

 

" مش مشكلتي" كان هذا  ملخص موقف وزارة القوى العاملة  في ردها على العاملين بعدما ذهبوا إليها يخبروها بفشل محاولاتهم مع مدير المصنع . فيما يؤكد محمود أن المستثمر كان أقوى من الوزارة، حيث لم يحترم اتفاقيات الوزارة التي الزمته بصرف رواتب العاملين بالتقسيط .

 

" وروني هياخدوا حقوقهم إزاي  مش دافع واعملوا اللي انتوا عاوزينه "،يقول محمود أن هذا التهديد كان لوزارة القوى العاملة ، بعدها انهارت صورة الوزارة "المقدسة" أمامنا فأرسلنا شكوى للنائب العام الذي أحالها إلى المحكمة .

 

بعد مرور عامين لا يزال قضايا عمال المصنع التركي منظورة أمام المحاكم لم يبت في أيا منها على الرغم من إنها لم تحمل سوى مستحقاتهم المتأخرة  و إعادة تشغيل مصنعهم .

 

في الشارع 

لم تكن النهاية بوضع الأقفال على أبواب المصنع بل كانت بداية لرحلة من نوع أخر استفاق فيها العاملين على سوق العمل الذي لم يعد مناسبا لكثير منهم بسبب الإغلاق المتواصل للمصانع و الأزمة الاقتصادية .

 

 

يقول محمود إن عمال المصنع أصبحوا لا يتمتعون بأية حقوق فكلهم يعملون باليوميات سواء في مصانع الملابس الجاهزة أو مهن أخرى لأن بعض أصحاب هذه المصانع يفضلون التأمين على العاملين و هذا يتطلب أن نفصل أنفسنا من التأمينات على مصنع ميجاتكتسايل و بالتالي فقدان الفرصة في الحصول على مستحقاتنا .

 

 

 

يقسم محمود بنبرة حادة تحمل غضب السنوات السابقة و اللاحقة أنه لن يترك المصنع الذي أدار أول ماكيناته في عام 2007 ، سيظل على عهده مهما طال الزمن سنة أو إثنتين أو حتى عشر سيتحمل كل الألالم حتى يعود إلى ماكيناته و يشرف على عمالها من جديد .

 

 

على الرغم من اختلاف القطاع  الصناعي إلا أن الألم واحد تقاسمه محمود مع مصطفى أحد العاملين بشركة سونات التي تنتج  المشروبات  الغازية  " شويبس " والتي أغلقت أبوابها في  نهاية 2014 بعدما تلاعب صاحب المصنع لفترة طويلة بعقده مع شركة كوكاكولا ليشتري طعوم رخيصة الثمن من مصانع غير مشهرة في العاشر من رمضان.

 

 

بعد انكشاف أمره في 2013 ، وقف صاحب المصنع يخاطب العمال ، مطالبا إياهم بالدفاع عن مصنعهم و التمسك به حتى الرمق الأخير ، غير أن مصطفى يقول أنه كان يريد توريط العاملين  مع الجهات المعنية  و على حد تعبيره "هو كان بيدافع عن حقه بأدينا".

 

انقضت 2013 ليبدأ العاملين رحلتهم في 2014 بين وزارة القوى العاملة و  صاحب المصنع تخللها اعتصام استمر لمدة 45 يوما حتى عقدوا اتفاقا بينهم و بين صاحب المصنع بتسوية مستحقات العاملين الذين يريدون ذلك و الإبقاء على أخرين عند بيع الشركة لكوكاكولا. 

 

الاستقرار

 

غير إنها لم تكن سوى بداية لمتاعب لم يتوقعوها ، بحسب مصطفى لم يستطع العاملين إيجاد فرص عمل بديلة لهم بسبب سنهم الكبير نوعا ما فأصغر عامل منهم قضى في المصنع 18 عاما .

 

بملامح عابسة يضيف مصطفى أن مصير أية أموال تقاضاها العاملين ذهبت في غلاء الأسعار و طلبات الأسرة و مصاريف التعليم حتى أؤلئك الذين قرروا إقامة مشروعات متناهية الصغر لم يسلموا بسبب ما وصفه بمحاربة الدولة لها .

 

 

" الاستقرار " كلمة السر التي يبحث عنها عاملي سونات بعد بيع المصنع و إغلاقه فيقول مصطفى "بعد ما خرجت من المصنع مقدرتش اشتغل في نفس الشغل تاني بعد 18 سنة فعملت مشروع صغير بالفلوس اللي اخدتها  بس مفيش استقرار  عندي 4 أبناء منهم في الجامعات لو يوم وقع مني مش هلاقي أدفع إيجار الشقة ".

 

صندوق الطوارىء

 

سعد شعبان رئيس اتحاد عمال مصر الديمقراطي – اتحاد مستقل مقره مدينة السادات- يقول إنه عند تعثر الشركة  يحرر العمال محضر في مكتب العمل و  من ثم يرسلها لمديرية القوى العاملة في المنطقة ثم إلى وزارة القوى العاملة  ثم بعد ذلك يحررون محضر شرطة و محضر نيابة مفاده أنهم غير قادرين على التفاوض مع المستثمر .

و يضيف شعبان لـ"مصر العربية" أنه بعد ذلك تنعقد لجنة مشكلة من وزارة القوى العاملة و المديرية و طرف من إدارة الشركة المتعثرة  و  النقابة العامة أو اللجنة النقابية في الشركة كضامن  ثم يطلبون كشف بالمرتبات و جدول تأميني لمعرفة إجمالي الأجر .

 

حقوق ضائعة

 

و يوضح أن في معظم الحالات صاحب الشركة المتعثرة لا يكون متواجدا  و إدارة الشركة  المتواجدة ترفض الإمضاء على إنها متعثرة  لأنها  ستلتزم بدفع كل المديونية التي سيتقاضاها العاملين من صندوق الطوارىء التابع لوزارة القوى العاملة و بالتالي تتنصل من المسؤولية .

 

و لهذا السبب يضيع حق العمال في كثير من الأحيان بسبب عدم وجود طرف ثان و لكن وزارة القوى العاملة اعتمدت في بعض الحالات على إمضاء النقابة العامة التابع لها المصنع،بحسب شعبان،مشيرا إلى أن هناك أكثر من 15 شركة بمدينة السادات تشرد عمالها و لم يصرفوا رواتبهم من صندوق الطوارىء معظمهم من قطاع النسيج .


يشير شعبان إلى أن بعض هذه الشركات عندما تعثرت طلبت من صندوق الطوارىء دفع شهر أو شهرين رواتب للعاملين على أن يدفعوا هذه المديونية وقت إنقضاء أسباب التعثر لكن وزارة القوى العاملة رفضت على الرغم من أن هؤلاء المستثمرين يدفعون 1% من إجمالي رواتب العاملين للصندوق .

 

و يلفت إلى أن رفض الوزارة تسبب في إغلاق بعض الشركات نهائيا ، مضيفا إلى أن الصندوق يشترط أن يقدم المستثمر مستندات تفيد تعثره لثلاث سنوات و هذا وضع غير منطقى .

 

 

لذلك يرى شعبان أن سياسة صندوق الطوارىء يجب أت تتغير نهائيا و بدلاً من إعطاء مكافآت للمسؤولين عنه ، عليها أن توفر هذه الأموال للعمال المشردين و هو السبب الذي من أجله أنشىء الصندوق.

العمالة الدوارة

 

هدى كامل مسؤولة الملف العمالي في المركز المصري للحقوق الإجتماعية و الإقتصادية تقول إن كثير من العمال يرفضون الشكوى بعد إغلاق مصانعهم ظنا منهم أن الشكوى قد تجعل أصحاب العمل الأخرين  يتعنتون في تشغيلهم مرة أخرى .

 

كامل تضيف أن مدينة السادات نموذج حي للعمالة الدوارة التي لا حقوق لها ، يغلق فيها مصنع فيتجه عمالها لمصانع أخرى بدون تأمينات اجتماعية أو عقود عمل. 

 

 

الإدارة الذاتية

 

 

أحياناً بعد استنفاذ جميع الحلول و المفاوضات بين العمال والمستثمرين ، قد يلجأ العمال إلى ما يعرف بالتشغيل الذاتي لمصانعهم لكنها حالات قليلة لم تتعد أصابع اليد الواحدة ، حسبما اتفقا هدى كامل و سعد شعبان .

 

 

 مصنع أحمد عصمت حلاوة للملابس الجاهزة بمدينة السادات أحد تلك المصانع التي خاض عمالها تجربة التشغيل الذاتي في نهاية عام 2011 ،حيث يقول محمد معروف المستشار القانوني للشركة حينها إن المستثمر سافر إلى الخارج بعد تراكم ديونه و لم يجد العمال ما يتقاضونه لفترة طويلة وصلت لثمان أشهر ، فقدمنا بلاغا للنائب العام بإعادة تشغيل المصنع خاصة أنه كان لا يزال في مخازنه بعض الخامات .

 

لم يمر شهرين على إعادة التشغيل ، حتى استولى أحد أقارب المستثمر الهارب حينها على المصنع بقوة السلاح و طرد العمال و توقفت التجربة و لم يتقاضى العمال مستحقاتهم و لازالت  قضاياهم منظورة أمام المحاكم منذ خمس سنوات ، بحسب محمد معروف .

 

 

في نفس السياق ،يقول سعد شعبان إنه بعد موافقة النائب العام على إعادة التشغيل يدخل طرفا مع وزارة القوى العاملة  و يعينون إدارة من داخل المصنع  تشرف عليها وزارة القوى العاملة و النيابة العامة  حتى تضمن تسديد المديونيات و دفع رواتب العاملين .

 

 

عقبات

 

 في حين تقول هدى كامل إن العمال يقابلون  عدة عقبات بعد موافقة النائب العام على إعادة التشغيل الذاتي للمصنع مثل تشدد الحكومة في عدم جدولة ديونها من غاز و كهرباء و مياه مثلما حدث في مصنع قوطة للحديد و الصلب في 2013 ، لكن الحكومة حينها جدولت ديون المصنع بعدما اعتصم العمال لأيام داخل الشركة القابضة للغازات الطبيعية.

 

و تضيف كامل أن حالات التشغيل الذاتي نادرة ، من  أفضلها تجربة عمال شركة نوباسيد  لإنتاج البذور الذين عملوا لسنتين و حققوا أرباحا وصلت لـ37 مليون جنيه و سددوا ديون الشركة ، لكن الدولة تصالحت مع المستثمر عبد الإله الكحكي و سلمت المصنع له و حاليا الشركة تعاني من تعثر شديد بعدما سرّح أغلب العمالة الموجودة .  

 

الثمن الاجتماعي

 

سعد شعبان يتفق مع كامل لكنه يضيف أن الإدارة الجديدة غالباً لا تكون لديها علاقات تسويق جيدة ،و بالتالي تفشل في الترويج للمنتج فتزداد المديونيات بدلا من تسديدها و يؤثر بالسلب على العاملين .

 

 

تؤكد  هدى كامل على ضرورة وجود قانون عمل يحمي  هؤلاء العمال ، مشيرة إلى الثمن الإجتماعي لخروج هذه العمالة من سوق العمل دون أية حقوق يتمثل في إزدياد معدلات الجريمة و حالة الاحتقان الطبقي و بدلا من تقليل الفجوة،  المستثمرين و المسؤولين في الدولة جعلوا لأنفسهم جمعاتهم الخاصة و "مستعمراتهم السكنية " ظنا أنهم بمأمن. 

 

اقرأ أيضا: 

المصانع المغلقة..رحلة البحث عن رقم في أدراج الدولة

أزمة المصانع المغلقة ..الحكومة تبيع الوهم والحل "في المشمش" 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان