رئيس التحرير: عادل صبري 06:08 صباحاً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

البرلمان القادم.. مخاوف ومحاذير

البرلمان القادم.. مخاوف ومحاذير

21 نوفمبر 2015 09:28

تنتابني حالة من القلق على وطني الحبيب، مصر العظيمة، وأبناء شعبي الكرام، خاصة بعد التصريحات الروسية الأخيرة بشأن سقوط طائرتهم بسيناء، والتي أعقبها اجتماع للمجلس الأعلى للقوات المسلحة، وما رصدته من محاولة للسطو على مقدرات الوطن، والعبث بإرادة الشعب عبر انتخابات مجلس النواب.

 

لا أعتقد أن هناك مصريا واحدا يضمر الشر لهذا الوطن الغالي حتى المهمشين والفقراء الذين سقطوا من عباءة الحكومات المتعاقبة، وهؤلاء البسطاء الذين لا يشعر بهم أحد بعد تنامي ظاهرة الأسياد والعبيد، والشباب الذين لم يعد يحترم إرادتهم أحد، ومن طالهم ظلم، وتعرضوا للقهر، وسُحقت إرادتهم سحقًا، ووُضعت رؤوسهم تحت الأحذية إمعانًا في الإذلال رغم أنهم من خيار الناس، قدرًا ومكانة، ومن أُضيروا بسبب مزاعم باطلة رسخها إعلام فاسد، دفع بالجميع إلى هذه الحالة من التنافر التي لا يمكن أن تساعد في التئام الجراح والاصطفاف لما هو قادم من أمور خارجية تريد النَّيْل من السيادة الوطنية.

 

انطلاقًا من تلك الرؤية الوطنية يكون تناولي لانتخابات مجلس النواب التي تبدأ مرحلتها الثانية غدًا "الأحد" مؤكدًا على حقائق هامة لا علاقة لها بالقناعة لدى البعض بهذا البرلمان من عدمه، تتمثل في أنه ليس من الإنصاف في شىء أن يلصق أي أحد في هذا الوطن النقائص بالبرلمان القادم، أو يوصم النواب في المطلق بكل ما هو سيئ ويلحق بهم جميع النقائص بلا بينة، وتحديد المعنى بالسوء بناءً على وقائع ثابتة وموثقة، ويجدر الإشارة إلى أنه من بين هؤلاء النواب من زاملتهم بالبرلمان عضوًا، ومن اقتربت منهم أداءً بحكم موقعي الصحفي، وهم بحق محل احترام وتقدير بل إن هناك نوابًا جدد ونائبات حاورتهم، وغُصت في أعماقهم وألمس لديهم عطاءً واستعدادًا كبيرًا في تحمل المسئولية.

 

بكل وضوح.. نحن أمام ظاهرة خطيرة يشهدها المجتمع المصري الآن، تتمثل في المال السياسي، وهي ليست خطرًا على البرلمان القادم فحسب، ولكن على كل شعب مصر بعد تنامي ظاهرة شراء بعض النواب، نعم شراء بعض النواب، تلك المأساة التي يلمسها الآن كل أبناء الوطن، وعن قرب في حياتنا السياسية والبرلمانية بلا خجل، وبكل وقاحة وبجاحة، وهي بالقطع قد توصم البرلمان بالخطيئة، والتي يقوم بها أشخاص وكيانات حزبية من خلال الإنفاق على المرشح واستجلاب الأصوات بالتدليس، من خلال شراء الصوت الانتخابي استغلالًا لمعاناة الناس، وحاجة الفقراء وما أكثرهم في وطننا، الأمر الذي يجعلني أجزم بأن المال السياسي سيكون له دور حقيقي في صنع القرار بهذا البلد رغم أنف الجميع، الأمر الذي سيعمل على إهدار قيمة مصر داخليًا وخارجيًا، بل وتقزيم دورها في كل المحافل.

 

يتجلى خطورة ذلك بوضوح شديد فيما هو قادم من تحكم بشع في النواب لأن المرشح الفائز الذي تم الإنفاق عليه لا يستطيع بأي حال من الأحوال إلا أن يكون عبدًا للحزب الذي رشحه وأنفق عليه الملايين، بل إن فكرة الانقلاب على حزبه باتت غير مطروحة على الإطلاق، ولا يستطيع القيام بها من الأساس بعد حصوله على عضوية البرلمان، والتي كانت تتم في السابق عبر الاستقالة والانضمام لحزب آخر، نظرًا لتقييد ذلك الحق الآن بحيث لا يستطيع النائب الاستقالة من حزبه الذي خاض الانتخابات على مبادئه حتى ولو اصطدم بأمور داخل الحزب أثناء الممارسة تخالف ضميره أو تختلف مع قناعاته، لأن معنى استقالته من عضوية الحزب الذي دخل من خلاله البرلمان أو فصله منه يعني إسقاط عضويته بالبرلمان، وكذلك الحال بالنسبة للمستقلين إذا غير النائب منهم صفته التي نجح من خلالها وانضم لأحد الأحزاب.

 

أستطيع القول إنها ليست انتخابات برلمانية حقيقية بقدر ما هي صراع بين الرفقاء لا دور فيه للناخب المصري ولا علاقه له بمضامينه؛ حيث رأينا اتهامات متبادلة بالفساد، واستغلال للمال السياسي، وتلاسن بين أبرزهم سيف اليزل، وخير الله، وساويرس، وهيكل، على خلفية اتهام كل منهم للآخر بتزوير رتبهما العسكرية، وحقيقة مناصبهما السابقة في جهاز المخابرات، ومصادر التمويل، والغاية من ضخ كل تلك المبالغ المالية الباهظة على المرشحين، تبعها اتهامات صريحة من قائمة سيف اليزل لقائمة خير الله بتلقي تمويلات أجنبية من إيران، ومساعدتها على المد الشيعي في مصر، وكان ردّ خير الله صاعقًا حيث اتهم قائمة سيف اليزل بأنها تضم مجموعة من رجال الأعمال وأصحاب المصالح الفاسدين، الذين يتلقون تمويلات من بعض الأنظمة العربية.

 

تُوج هذا الصراع المحموم بين الرفقاء، والذي يتابعه الشعب المصري بكل أسف وأسى، بإعلان صدر من قائمة سيف اليزل يتضمن تقديم بلاغ للنائب العام ضد خير الله، ويدخل قيادي بقائمة أخرى يدعى عصام محيى الدين ليعلن عن تقديمه بلاغ للنائب العام ضد صحيفة اليوم السابع يتهمها بأنها تدعم سيف اليزل، وأنها نشرت أكاذيب حول انتمائه للشيعة، ويدخل ساويرس داخل حلبة الصراع من خلال اتهام خيرالله له بأنه يسعى للسيطرة على البرلمان بمائة مليون جنيه، للحصول على مائتي كرسي، عن طريق الحزب الذي صنعه ليكون ذراعه السياسي.

 

لا يمكن أن يزعم أحد حتى المتفائلين بأن ما نراه من مواجهات دامية تهدف إلى الصالح العام للوطن، أو صالح المواطن المصري الغلبان، أو النهوض بالبلد، بعد أن أصبح واضحًا حتى للعميان، نظرًا وقلبًا، أن الهدف من ذلك هو الحصول على الأغلبية داخل البرلمان للسيطرة على مقدرات الوطن والتحكم في كل من فيه.. الإنسان والكيان، وفرض الرؤية التي يريدها التيار الغالب على كل المجتمع رغم أنف من فيه عبر سلسلة القوانين التي سيصدرونها طبقًا لأجندة تشريعية بغيضة تعبر عن اتجاهاتهم الإقصائية وتدعم هواهم، وهو الأمر الذي يمثل، وبصدق، كارثة حقيقية حلت بالوطن.

 

إذا كنا ننشد المصداقية حقًا، وصدقًا، ونبتغي إعادة الثقة لدى المواطن، لا يجب غض الطرف وببساطة عن الاتهامات المتبادلة بين هؤلاء الرفقاء، أو التقليل منها، أو اعتبارها نوعًا من اللغط الانتخابي المشروع، خاصة وأنها صدرت من شخصيات لها مكانتها بالمجتمع بصرف النظر عن الخلاف السياسي معهم جميعًا، أو الخلاف فيما بينهم، لأنها إن صحت نكون حقًا أمام مصيبة كبرى، لذا يتعين إخضاعهم جميعًا للتحقيق أمام جهات عليا محايدة قبل أن يبتلي بهم الوطن بالبرلمان، وتقول تلك الجهات للشعب الذي يتابع هذا الهزل الحقيقة كاملة، وبشفافية، ولا شىء غير الحقيقة، حتى يتم التحرك السريع حيال من تثبت في حقهم تلك الاتهامات لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من سمعة البرلمان التي أصبحت على المحك.

 

أكرر إنزعاجي الشديد وقلقي على وطني، وأبرأ إلى الله من الصمت حيال ما أقتنع أنه مصيبة قد تحل به، الأمر الذي يجعلني أقوم بواجبي الوطني من خلال ما أملكه وهو شرف الكلمة، وأمانة القلم، لعل هناك من ينتبه ويستيقظ ويعي ما يدور حوله ويخرج من غيبوبته، وحالة اللاوعي التي فرضها عليه كل أطراف النزاع للهيمنة على صنع القرار بالوطن، والسيطرة على مقدرات الشعب.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان