رئيس التحرير: عادل صبري 01:53 صباحاً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

القمح.. منظومة فاسدة وذمم خربة

القمح.. منظومة فاسدة وذمم خربة

محمود الشاذلي

من القلب..

القمح.. منظومة فاسدة وذمم خربة

06 أغسطس 2016 01:31

بلا رتوش .. فى هذا الوطن تتوالى الخطايا .. تتعاظم الكوارث .. تتزايد الانحرافات .. تتباين التنازلات إلى الدرجة التى يتم فيها عرض الجنسية المصرية للبيع بكل بجاحة ووقاحة وصفاقة.. والتفريط فى الأمن الغذائى للدولة المصرية.


مصر لم تعد علاقتها بالفساد مجرد شبهات بعد أن أصبحت تغوص فى أعماقه، وتسير فى أوحاله .. الوقائع كثيرة .. الدلائل لا يساورها شك .. النتيجة لا حساب لفاسد ، ولا ردع لمجرم ، بل على العكس من ذلك تماما ، هناك من أوحى بالحذر من الاقتراب للفاسدين أو مجرد التلويح إليهم لأن ذلك يمثل جرما عظيما ، وخطرا كبيرا ، وهناك من فهم بالخطأ أن هناك ضوءا أخضر بتشويه وسحق أى مسئول شجاع يفكر ولو لمجرد التفكير فى التصدى للفساد والمفسدين ، وكذلك لمن يتصدى للفساد كما فعل محافظ الإسكندرية المهندس محمد عبدالظاهر برفضه تنفيذ تأشيرة وزير التنمية المحلية بتمكين مستثمر من أراضى الدولة بالإسكندرية.  

المؤلم أن الدولة المصرية ارتكبت وعن عمد خطيئة كبرى عندما غضت الطرف عن التصدى للفساد ومواجهة المفسدين خاصة الذين استولوا على أراضى الدولة، وسطوا على المال العام ، وعبثوا بالمقدرات ، حتى توحشوا وأصبح لهم مخالب وأنياب ، وكان المقابل صعبا أخلاقيا ، ويتنافى مع النبل والشرف وهو أن يكون لهم دورا  فى المهمة غير الإنسانية والتى ترتبط بالمماحكة القمعية ، والإجرامية التى يتعرض لها كل صاحب رأى مخالف ينشد الحق ، أو رؤية معارضة حتى ولو كانت تصب فى صالح الوطن ، وبالقطع كان لابد وحتما أن يكون هذا هو أيضا مسلك الأجهزة الرقابية ، والأمنية ، فكانت النتيجة أن البلد تركت "سداحا مداحا" للفساد والمفسدين يعبثون فيها بما يشاؤون حتى أصبح الفساد أكبر من الدولة المصرية.


فجأه وبدون سابق إنذار أثيرت قضية فساد منظومة القمح حتى أن البعض أشار إلى وجود رائحة عفنة تنبعث من تلك المنظومة ، ويقينى أن المنطلق فى هذا الاتهام لم يكن للصالح العام وإنما كان لنزاع بين اللصوص طفا على السطح، المهم تم تشكيل لجنة برلمانية لتقصى الحقائق برئاسة النائب مجدي ملك، استمعت اللجنة لآراء بعض الخبراء ، والمسئولين بوزارة الزراعة والتموين، وكانت الردود لا تثمن ولا تغنى من جوع ولكن اللجنة وبعد الانتهاء من تلك الجلسات قامت بفحص وزيارة 110 صومعة وشونة على الطبيعة ، وكانت الحصيلة النهائية إهدارا ماليا بلغ مليار جنيه.. نعم مليار جنيه، ويبقى أن هناك 407 صومعة وشونة لم ولن تزورهم اللجنة بعد رفض مد عملها.

قولا واحدا وبلا لف أو دوران وبحكم تخصصى الصحفى فى الشئون البرلمانية ، أعضاء بارزين بلجنة تقصى الحقائق اتهموا خالد حنفى وزير التموين بالفساد حتى وإن حاول فى النهاية غسل يديه من ذلك بالاستعانة بالمحررين البرلمانيين الذين دعاهم لمكتبه، والاعتراف بوجود فساد كبير فى منظومة القمح، كما أن اللجنة أقرت فى مسودة تقريرها الذى ستقدمه بصورة نهائية للدكتور على عبدالعال رئيس مجلس النواب هذا الأسبوع أن وزير التموين هو المسئول عن التوريد الوهمى ، واستيراد القمح الأجنبى ، وإهدار المال العام ، والتعاقد مع صوامع القطاع الخاص فى تسهيل واضح للفساد ، بل إن أحد أعضاء اللجنة كشف عن أن نسبة الفساد فى شون القمح بلغت 100%.

التقرير سيتضمن 10 آلاف وثيقة بشأن فساد منظومة توريد القمح ، التقرير سيشير إلى أسماء المتورطين فردا فردا ، ولقد تواترت المعلومات التى تؤكد بمنع بعضهم من السفر وتجميد أموالهم ، كما أن هناك توجه باعتقال من يشتبه فى تورطهم.


أستشعر أن الغباء وعدم الفهم يسيطران على كيانى لإدراكى وتعايشى مع تلك الحالة المتبلدة التى سيطرت على الناس حتى أصبحوا  يصدقون الشيء ونقيضه فى آن واحد طالما طرحه عليهم  البهوات المسئولين وصدره إليهم الإعلام حتى ولو كان بعيدا كل البعد عن الحقيقة ، الأمر الذى يجعلنى أبحث دائما عن تفسيرات محددة وتحليلات دقيقة وإجابات شافية عند من تبقى عندهم بعضا من العقل والفهم فى هذا الوطن خاصة فيما قاله خالد حنفى وزير التموين أمام لجنة تقصى الحقائق فى اجتماعها المغلق من أنه من الممكن أن هناك منظومة استحدثتها وزارة التموين تصب فى غير صالح البعض ، وأن هناك إصلاحا كبيرا أضر بشخصيات مختلفة ، انتهى كلام الوزير وبقى أن أتمسك بحتمية أن يفك لنا أعضاء لجنة تقصى الحقائق بحكم مسئولياتهم الدستورية ، والأجهزة الرقابية والقضائية طلاسم ما قاله الوزير وبوضوح والذى أراد به أن يصدر للجميع أنه ضحية وأنه ضد الفساد ولكن هذا الفساد أكبر منه.

عفوا صاحب المعالى البيه وزير التموين مع تقديرى لشخصك.. أتفق مع النواب بلجنة تقصى الحقائق من أنك بحكم مسئولياتك جزءا من منظومة فساد القمح .. أنت أحد المسئولين عن هذا الانحراف المالى .. وكان بإمكانك اتخاذ قرارات حاسمة تردع بها الفساد أو تستقيل إذا كان هناك من يلزمك إلزاما أن تتعايش مع تلك المنظومة الفاسدة ، فلا تتنصل من المسئولية ، وليكن لديك الشجاعة أن تكشف المستور لكل شعب مصر وإلا ستكون أنت أبرز المتهمين ، فلتنقذ شخصك ، وتنجو بنفسك بقول الحقيقة ، لأنه لن يرحمك أحد ، ولن يحميك مسئول مهما كان موقعه لأن الناس ستحاصرك فى كل مكان بحثا عن إجابات واضحة لما يحدث من فساد فى هذا الشأن.

ليس خروجا من المأزق ما فعله السيد وزير التموين من الاعتذار لأعضاء لجنة تقصى الحقائق ، وهو ماثل بين يديهم فى حالة استجداء متنصلا مما قيل أنها كلمات تناثرت منه وبعض معاونيه طالت شخصهم وعملهم ، وكان الاعتذار مشفوعا بأسمى وأرفع الكلمات والتأكيدات بأنهم أعظم من أنجبتهم البشرية بعد فشل محاولته تصدير صورة سلبية عن الذين يتهمونه ووزارته بالفشل والفساد ، بل إن ذلك يؤكد ضعف موقف الوزير وانهيار منظومته.

خلاصة القول .. إذا كان النظام جادا فى محاربة الفساد يتعين عليه استبعاد كل من تطولهم ولو شبهة فساد فى هذه القضية وغيرها من القضايا واعتبار ذلك من الثوابت الأساسية فى محاربة الفساد ، ومحاسبة كل من يثبت يقينا تورطهم فى هذا الفساد وتقديمهم للمحاكمة العاجلة وليس عزلهم من وظائفهم فقط ، حتى ولو كان السيد خالد حنفى وزير التموين ، أو حتى المهندس شريف إسماعيل رئيس الحكومة نفسه مرورا بالدكتور أحمد زكى بدر وزير التنمية المحلية بعد أن أصبح الفساد فى هذا الوطن من الرأس حتى اخمص القدمين. 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان