رئيس التحرير: عادل صبري 12:27 مساءً | الأربعاء 19 ديسمبر 2018 م | 10 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 21° غائم جزئياً غائم جزئياً

الوزير ورجاله والفساد.. والقمح اللي مش زي الدهب!

الوزير ورجاله والفساد.. والقمح اللي مش زي الدهب!

الكاتب الصحفي محمد علي إبراهيم

الوزير ورجاله والفساد.. والقمح اللي مش زي الدهب!

29 يوليو 2016 11:03

في الأربعينات غنى الموسيقار الراحل عبد الوهاب للقمح "القمح الليله عيده .. يارب يبارك ويزيده".


وطبعا كانت الأغنية تحمل في معانيها إشادة بالنظام الملكي الذي كانت مصر تصدر القمح لدول العالم في عهده .. لكن صلاح جاهين العبقري نسف مزاعم تراث القمح بأروع كلمات وصف بها حال الفلاح والفلاحين قبل ثورة يوليو .. حينما كتب "القمح مش زي الدهب .. القمح زي الفلاحين .. عيدان نحيلة .. جدرها بياكل في طين .. زي إسماعين ومحمدين .. وحسين أبو عويضة اللي قاسى وانضرب.. عشان طلب .. حفنة سنابل ريها كان بالعرق .. عرق الجبين .. القمح زي حسين .. يعيش ياكل في طين .. أما اللي في القصر الكبير .. يلبس حرير .. والسنبلة يبعت رجاله يحصدوها من على عود الفقير".

وكما غنى عبد الوهاب للملكية أنشد جاهين للثورة ومكاسب الفلاحين منها .. والحقيقة أن ما نظمه جاهين يكاد يكون متطابقا مع واقع المزارعين الآن الذين مرت على يوليو 64 عاما فإذا بهم يعودون أدراجهم إلى عصر الإقطاع والفساد .. فالقمح مصدر رزقهم صار مهددا من حكومة غير محترفة.

جاهين توصل منذ 60 عاما إلى مفتاح شخصية الفلاح المصري الذي ينتظر محصوله صابرا كمن ينتظر مولودا وبالذات القمح الذي يستغرق وقتا طويلا في الأرض لينمو .. الذهب زينة الأغنياء .. أما القمح فزينة الفلاح .. لا يعرف رفاهية بدون عرق وإذا طلب حفنة سنابل ريها كان بالعرق .. ينضرب!!

لو كان جاهين حيا.. ما الذي كان سيبدعه فيما فعله وزير التموين في القمح والأرز والفلاحين .. د. خالد حنفي نصير الفقراء ومحبوب المزارعين كما يروج له أصدقاؤه الصحفيين وبرامج التوك شو التي تفرضه علينا عليه أن يتقبل النقد ولا يبالغ في الادعاءات فلو كانت هناك عدالة حقيقية لتمت محاكمته هو والتجار الفاسدين على جريمتين .. الإضرار بصحة الشعب، والفساد.

لقد أسهم كثير من رجال التموين والزراعة في جريمة إفقار البسطاء من المصريين كي  تمتلئ بطون الأغنياء من رجال الأعمال مالا حراما .. فبعد تصرفات الوزير ورجاله الذين تسببوا في ارتفاع سعر الأرز على المواطن مما هدد بثورة جياع .. وبسبب سوء الإدارة في وزارة التموين تلاحقهم الآن فضائح حول توريد القمح الفاسد وفساد في استيراده حيث استغلوا ثغرة قانونية فانعدمت ضمائرهم.

تبدأ الحكاية من العام الماضي حيث امتلأت جميع صوامع القمح التي يتم التخزين فيها إلى الحد الأقصى .. ومعلوم أن توريد القمح للطن المصري كان بواقع 450 جنيه تقريبا وذلك دفعا ومساندة للفلاح المصري وتشجيعا له على أن يستمر في زراعة القمح، ومعلوما أن توريد القمح المستورد كان بواقع 200 جنيه للطن الواحد.. أولا لأنه مستورد وليس فيه الصفات المصرية كما أنه لم يكن من المعقول تشجيع الفلاح الروسي أو الأوكراني ودعمه من أموال الشعب المطحون .. وكانت وزارة الزراعة تقوم بزراعة مساحة مخصصة للقمح وتستورد الباقي على أمل أن يتوقف استيراد القمح ويتم الاكتفاء الذاتي على المدي البعيد.. فكيف كانت تمتلئ هذه الصوامع؟

كان السادة القائمون عليها من قبل وزارة التموين يقومون بتوريد القمح المستورد على أنه قمح مصري فيتم صرف مبلغ 450 على الطن في حين أنه لا يساوي إلا 200 جنيه أي أن الفرق 250 جنيه للطن الواحد مما يعني أن ملايين الجنيهات كانت تذهب إلى جيوب الفاسدين في وزارة التموين ووزارة الزراعة ووصلت الآن تقريبا إلى ملياري جنيه.

من ثم فإن أموال البسطاء ودافعي الضرائب كانت نهبا مستباحا من قبل الفاسدين الذين كانوا يزعمون أنهم مسنودون من القيادات العليا في البلاد .. المشكلة التي كشفتها ليس مجرد حملات رقابة، بل أن وزارة الزراعة قامت بزيادة رقعة الأرض الزراعية المخصصة للقمح بما يعني أن تكون الصوامع مكتملة وأن الاستيراد يقل فاكتشفوا أن كل هذه المساحة الزراعية لا يمكن أن تغطي الحد الأقصى من توريد القمح !

كيف إذن؟ ألم تكن مساحة الأرض في العام الماضي أقل وكان التوريد أكبر؟ هنا بدأ بعض الوطنيين في التقصي والتكشف فبدأت تنهار مافيا توريد القمح المتورط فيها رجال من التموين قريبون من الوزير أو هكذا يزعمون!

هذا الكلام تردد على مواقع سوشيال ميديا وكتبه زملاء صحفيون أبرزهم طارق أبو السعد وينشر مثله تقريبا يوميا د. نادر نور الدين الأستاذ بكلية الزراعة وخبير المحاصيل والمياه .. والنتيجة صفر .. لا أحد يحاسب الوزير رغم أن رائحة الفساد أصبحت تزكم الأنوف .. المشكلة أن رجال الوزير يهاجمون الشركة التي تقدر الأقماح وتحللها ويصرون على أن نتائجها غير دقيقة في حين أن التعاقد مع هذه الشركة كان بأمر من الوزير خالد حنفي وأنهم هم من رشحوا هذه الشركة وذلك قبل كشف الفضائح التي لا يمكن لأحد أن  يتصورها.

ففساد بهذا الحجم وبتلك الطريقة وفي وقت مصر تمر فيه بأزمة حقيقية في السيولة وفي الغذاء لا يمكن أن ينبع من إنسان سوي وطبيعي حتى ولو كان فاسدا "يا أخي كان مبارك فاسدا وحكمه فاسد ورجاله هم من أسسوا قواعد للفساد ولكن كان في قلوبهم رحمة" ... لكن هؤلاء فاسدون بلا رحمة وبلا نخوة وبلا عقل.

سيادة رئيس الجمهورية.. إن الفساد لا يقل خطورة عن الإرهاب وأسلوب التجاهل خطير.. إن طريقتكم في مقاومة الفساد لن تنجح أيضا لأنها أمنية فقط وكان يجب أن ترفع من قيم الانتماء والتضحية والروح الوطنية لهذا الجيل.

الشعب يؤمن أن هناك خيارا وفقوسا في العدالة ويؤمن أن قضايا الفساد التي تكشفها الحكومة والأجهزة السيادية هي قضايا المغضوب عليهم فقط .. سيادة رئيس الجمهورية.. ليس بعد الكفر ذنب وسرقة أقوات المصريين هي جريمة تدفع الناس للكفر بالوطنية وبالعدالة الاجتماعية .. فلتغضب للبسطاء والفقراء ولتغضب لدمائهم وأموالهم.. أرجوك سيادة الرئيس لا تتصالح لا مع الإرهابي ولا مع الفاسد ولا تأخذك بهم رأفة.

إن أشد ما يقلقني هو موقف رئيس الوزراء من الفضيحة.. لقد اجتمع مع النائب مجدي ملك رئيس لجنة تقصي الحقائق التي شكلها البرلمان لبحث فساد التوريد واستيراد قمح ملوث.. فإذا بالمهندس شريف إسماعيل يحاول إقناع النائب أن الفساد لا يتعدى 4% بينما يقدم له النائب المستندات التي تؤكد أن الفساد تجاوز 50% .. رئيس الوزراء أكد للصحافة وللنائب أنه لن تكون هناك تعديلات وزارية! اتفلق يا شعب ..الله يرحمك ياصلاح جاهين.  

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان