رئيس التحرير: عادل صبري 04:11 مساءً | الأحد 18 نوفمبر 2018 م | 09 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله!

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله!

الكاتب الصحفي محمد علي إبراهيم

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله!

27 يونيو 2016 07:45

الجهل فى العالم كله نقمة .. لكنه فى مصر نعمة .. خرجت إنجلترا من الاتحاد الأوروبى باستفتاء شعبى محترم, فإذا بمؤيدى الرئيس والنظام يدشنون حملات إليكترونية غريبة على وسائل الاتصال الاجتماعى .. من يقول لك رياح الربيع العربى تجتاح بريطانيا .. وآخرون يطالبوننا بعدم الانزعاج من انخفاض الجنيه المصرى , فالاسترلينى الأقوى والأعظم بدأ فى الانهيار .. محدش أحسن من حد!


إننا فى الواقع أشبه بتلميذ بليد يجلس فى آخر الفصل , يختبئ من المدرس خشية أن يباغته بسؤال لا يدرى عنه شيئا .. وفجأة تنكسر نظارة زميله المتفوق الذى ينجح بدرجة امتياز دائما , فيصفق صاحبنا طربا , ظنا منه أن الشاطر لن يتمكن من اجتياز الامتحان .. ينسى أنه ربما يكون لديه نظارة احتياطى أو  عدسات لاصقة  يستعملها فى الطوارىء!


الفرحة الطاغية التى انتابتنا بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى متصورين أن مصيرها سيكون كسوريا والعراق واليمن , دفعتنى إلى تذكر الشاعر العربى الكبير أبو الطيب المتنبى الذى وصف حالتنا قبل 450 عاما عندما قال:
ذو العقل يشقى فى النعيم بعقله .. وأخو الجهالة فى الشقاوة ينعم ..


وأيده فى النفس المعنى الشاعر العباسى الكبير ابن المعتز حيث قال:
وحلاوة الدنيا لجاهلها .. ومرارة الدنيا لمن عقلا ..


منطقنا العجيب فى الشماتة ببريطانيا لأنها ساندت الإخوان ومازالت , لا ينبغى أن ينسحب إلى مقارنات مع أوضاع عربية أو مصرية .. أول درس فى تجربة الانفصال البريطانى عن أوروبا هو أن الديموقراطية من الشعب للشعب .. ليست منحة من الحاكم .. الشعب من يقرر مصلحته وهدفه .. والسلطة تنحني للشعب وتنزل إلى صفوفه لتساعده على أن ينفذ اختياره بأقل الأضرار .. السلطة انتصرت لإرادة الانفصال رغم أنه قد يكلفها الكثير.
 

أما نحن فنفرط فى سيادتنا بطيب خاطر لأن السلطة هي التي تقرر وتختار وليس الشعب .. نقول هنا أنها من أعمال السيادة .. والسيادة فى بريطانيا وغيرها من الديموقراطيات المحترمة للشعب وليس للسلطة.
 

لقد انتهى  الاستفتاء الذى أجرته بريطانيا وقرر شعبها على ضوئه الانفصال عن عضوية الاتحاد الأوروبى .. أى الخروج النهائى منه .. كان البريطانيون أول من تشكك فى مشروع السوق الأوروبية ثم عادوا إلى الاعتذار عن شكوكهم مطالبين بالالتحاق بعضوية السوق .. وأذكر - وقتها – أن الزعيم التاريخى لفرنسا شارل ديجول أبدى ممانعة قوية لانضمام البريطانيين إلى المجموعة الأوروبية .. قائلا بسخرية: "لا نريد طابورا خامسا فى أوروبا ".. فى إشارة إلى العلاقة الخاصة جدا بين بريطانيا والولايات المتحدة .. والتى قد تتيح لواشنطون فرص التدخل فى الشأن الأوروبى من خلال بريطانيا.
 

اليوم بعد نحو أربعين عاما على انضمام بريطانيا للاتحاد الأوروبى .. انقسم البريطانيون بشدة حول الاستمرار داخل الاتحاد أو الانسحاب مرة واحدة وإلى الأبد .. وهو ما حدث وانتصرت إرادة الانفصال بأغلبية ضئيلة .. البريطانيون حسموا ليس فحسب مصير عضوية بريطانيا فى الاتحاد الأوروبى , وإنما أيضا مصير الاتحاد الأوروبى ذاته .. الذى تراقب بعض دولة فى الشمال الأوروبى بالذات ( هولندا , والدانمارك , وتشيكيا ) ما قد يسفر عنه الانفصال من نتائج لتقرر بدورها إمكانية اللحاق ببريطانيا خارج أوروبا.
 

استوقفنى فى هذا المشهد .. جملة إشارات .. تعكس مستوى النضج السياسى الفريد فى الديموقراطيات الغربية .. حيث استطاع الناخب البريطانى إقناع رئيس الحكومة ديفيد كاميرون بالتعهد بإجراء استفتاء شعبى حول الاستمرار فى عضوية الاتحاد الاوروبى من عدمه .. وحيث التزم كاميرون بتعهداته - رغم دعمه الأكيد للاستمرار في الاتحاد الأوروبى - لم نسمع مثلا عن حملة اعتقالات طالت بريطانيين دافعوا عن الانسحاب من أوروبا .. باعتبارهم يعرضون ( المصالح العليا لبريطانيا العظمى للخطر ) .. أو لأنهم ( يحرضون المواطنين على التصويت ضد بقاء بلادهم داخل الاتحاد الأوروبى ) .. ولم نر مثلا " مواطنا شريفا " يرفع دعوى قضائية تطالب بإلغاء الاستفتاء .. باعتبار أن عضوية بريطانيا داخل الاتحاد الأوروبى هى مسألة " سيادية " لا يجوز استفتاء المواطنين بشأنها .. ولم نشهد مثلا تظاهرات حاشدة .. يستعرض فيها كل طرف عضلاته .. فيطلق عليها عبارات مثل : "مليونية الاتحاد الأوروبى" .. أو " مليونية الاستقلال عن أوروبا".

كل ما شاهدناه .. هو جدال سياسى رفيع المستوى .. لم يتبادل أطرافه اتهامات بالخيانة أو العمالة لباريس وبرلين .. وشعب واثق فى مؤسساته وفى أدواته بكل ثقة إلى صناديق اقتراع تحظى بالمصداقية .. ليدلى برأيه .. واثقا فى سلامة عملية التصويت والفرز وإعلان النتائج .. بريطانيا التى يثق شعبها فى مؤسساته .. وفى صناديقه .. هى صاحبة ثانى أضخم اقتصاد فى أوروبا كلها .. بعد ألمانيا .. وهى أيضا صاحبة خامس أكبر اقتصاد على مستوى العالم بعد امريكا والصين واليابان وألمانيا .. أما لندن العاصمة .. فهى أكبر مركز مالى فى العالم .. يجتذب نحو سبعين بالمئة من العمليات المالية والمصرفية العالمية .. مصدر قوة بريطانيا ليس ما اكتنزته من ثروات نهبتها فى الحقبة الاستعمارية .. حين كانت بريطانيا الإمبراطورية التى لا تغرب عنها الشمس .. وإنما مصدر قوتها هو مصداقية النظام السياسى عندها و فعاليته .. وقدرته على إدارة التنوع واستيعاب الإختلاف .. تلك المصداقية هى سر إيمان البريطانيين بنظامهم السياسى.


وهى فى الوقت نفسه سر ثقة رئيس الوزراء البريطانى ديفيد كاميرون فى قدرة بلاده على اجتياز مخاطر الاستفتاء وما بعده من تداعيات دون مخاوف كبيرة بشأن المستقبل.. فارق كبير بين مليونيات الصناديق فى بريطانيا .. وبين مليونيات الخوازيق فى بلدان ما يسمى بالربيع العربى .. الأولى ينتصر فيها الأقوى حجة .. والثانية ينتزع زعامتها الأعلى صوتا أو الأقوى سلاحا.


مرة أخرى.. مازال أمامنا الكثير شعوبا وحكومات لنقارن ونعلق على أحداث عالمية وغير ذلك .. ياريت نتعلم من العقلاء .. قليل من الذكاء يا عالم.   

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان