رئيس التحرير: عادل صبري 08:56 صباحاً | السبت 17 نوفمبر 2018 م | 08 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

أنا أحتقر الديكتاتور

أنا أحتقر الديكتاتور

10 أكتوبر 2015 12:32

هل أتاك حديث الورق الأصفر؟


ذاك الذي يعشقه مدمنو القراءة، ويجدون في حوافه المتآكلة، وهوامشه المزدحمة بملاحظات قارئ ما، في مكان ما، وزمان ما، متعة مجهولة السبب، ويحسون سعادة استثنائية، حينما يتلصصون على ما كان في عقول الذين مروا فوق الحروف من رؤى، بعضها أبدع من بديع.


هذا خط رقعةٍ حاد الزوايا، يبدو أن صاحبه رجل ناضج، وذاك أنثوي مراهق بين الرقعة والنسخ، تميسُ ألفه وياؤه، فإذا انحناءاته كراقصة إسبانية تدق الأرض بكعبيها، وتلك ملاحظة تستنهض التفكير، وهذه ليست في السياق، وهنا تظليل بقلم رصاص حول عبارة بعينها، ما يدعو إلى التمعن: لماذا هذه بالذات؟


القراء المهووسون حقًا، ليسوا يرتادون المكتبات إلا قليلًا، يعرفون لذة الورق الأصفر، يعشقون العناوين على أرصفة سور الأزبكية بالقاهرة، أو النبي دانيال بالإسكندرية، فإذا وجدوا كاتبًا محببًا، أو عنوانًا مثيرًا للشغف، سارعوا إلى احتضانه، وهم يقسمون ألا يتركوه لعبث الريح، وغلظة أصابع المارة.. إنهم يحبون الكتب من النظرة الأولى.


وحينما يقتنص قارئ من هؤلاء، كتابًا ثمينًا بسعر بخس، يحس إحساس طفل أهداه القدر في دربه عُملة نقدية، فانحنى يلتقطها في دهشة فرحة، ثم أطلق ساقيه للريح، نحو متجر مألوف، صاحبه ذو وجه بشوش، لابتياع قطعة حلوى.


مؤخرًا.. عثر كاتب هذه السطور، فوق رصيف، على كتابين مستعملين ومجهولين أو شبه مجهولين للعقاد، وكان الأمر مدهشًا لجهله حتى باسمي الكتابين، رغم أنه من دراويش الأديب الكبير، يستعذب المشقة التي يجدها في سطوره، كونها تحدوه في النهاية إلى أفكار ثمينة، ونظرات "عقّادية"، لا تتأتى إلا للعبقري، صاحب العبقريات.


الكتابان شبه المجهولين، بتواطؤ القامعين بأمرهم على الأرجح، يأتيان بعنواني: "الحكم المطلق"، و"هتلر في الميزان"، وفيهما ما يفسر أسباب طمسهما، فالعقاد الذي عاش ومات ليبراليًا، يكشف عبرهما عن احتقاره للديكتاتور، أيما وأينما يكون، والأهم أنه يتنبأ بانهيار الفاشية في إيطاليا، والنازية في ألمانيا، ومن بعدهما الاتحاد السوفيتي السابق "طيب الله ثراه"، لأنها أنظمة قمعية ضد حركة التاريخ.


وإذا كان "الحكم المطلق" قد افتعل جدلًا لدى صدوره، إلا أنه نظرًا لتطرقه إلى عموميات في الغالب، لم يثر للعقاد المتاعب، قياسًا بكتابه عن هتلر، فذاك فتح عليه باب ريح لم يحاول أديبنا سده، كي يستريح.


فالمعروف أن مهاجمة النازي، في غضون الحرب العالمية الثانية، لم تكن لتمر بردًا وسلامًا، فالألمان في ذاك الوقت كانوا يحظون بتعاطف العامة والغوغاء، إلى درجة أن أئمة مساجد في مصر خرّفوا بأن النازي أسلم، وصار اسمه محمد هتلر، وكانوا يرفعون أكف الدعاء أن تمده السماء بملائكة، فيبدد شمل كفار الإنجليز، وشواذ الفرنسيس، وعلوج الصهاينة، وهو الخيط الذي التقطته آلة وزير إعلام النازية اللئيم جوبلز، فأخذت تغازل العرب بأن جيشها سيحرر الأقصى.


أمر ليس غريبًا، فمنطقي في مجتمع محبط، أن تشيع الأكاذيب، والمعلوم أن خرافة المنقذ الآتي على حصانه، أو الديكتاتور العادل، لا تجد تربة أصلح لها، من تربة الجهل والجوع والمرض، حيث الناس من فرط يأسهم، يدمنون الأوهام، هربًا من مرارة الواقع، كما أن منطقيًا في هكذا حالة، أن ينفجر المغرر بهم في وجه من يصرخ لإيقاظهم: "أفيقوا.. إنهم يبيعونكم ضلالات".


لكن العقاد لم يخش في قولته لوم اللائمين، ومضى يجهر باحتقاره للديكتاتور، حتى تعرض لمحاولة اغتيال، نفذها شاب فلسطيني، يبدو أنه كان من "المواطنين الشرفاء" آنذاك، وقد ساءه فضح تهافت "المنقذ المزعوم" هتلر، ولولا رحمة الله بالعقاد، أو بالأحرى بالثقافة العربية بأسرها، لكانت المحاولة نجحت.


وحينما كان النازيون على بوابة مصر الغربية، فر العقاد إلى السودان، خوفًا من اجتيازهم العلمين، فيقع بين أياديهم، فيعدمونه كدأب أي نظام ديكتاتوري، يصوب فوهة مسدسه الحربي على الكلمات، ولا يكره شيئًا قدر ما يكره التفكير.. لكن مفاجأة درامية قلبت الأحداث، فقد تجرع النازي كأس الهزيمة في العلمين، وفي ثلوج "ليننجراد" الروسية أيضًا، ليخسر الحرب كليةً بسرعة جلمود صخر حطه السيلُ من علٍ، وينتهي منتحرًا مع عشيقته إيفا براون، وتستسلم ألمانيا للحلفاء بعده بشروط مذلة، وكذلك الأمر لموسيليني في إيطاليا، والذي شُنق بجوار عشيقته كارلا بياتشي.


وهكذا تحقق ما توقعه العقاد أمام عينيه، في نموذجين ديكتاتوريين سقطا معًا، وفي مشهد يضرب الأمثال لقوم يعقلون، وليس منهم حكام العرب بالطبع، ثم تحققت نبوءته بالنسبة للاتحاد السوفيتي بعد رحيله بنحو خمسة وثلاثين عاما.


مفارقة استوقفت الراحل رجاء النقاش الذي ذهب إلى أنها لم تتأتَ عبر قراءة الفنجان أو أعمال المنجمين، مستخلصًا أن الأنظمة السياسية المعادية للديمقراطية لا مستقبل لها، كونها تحمل في جيناتها موروثات سرطانية تقضي عليها لا محالة.


وعودًا إلى كتابي العقاد، فإن من أبرز ما فيهما، أنه قرر أن أعتى الأنظمة الديكتاتورية، هي تلك التي تقمع شعبها، فيما تطرح استفتاءات "تهليلية"، لترويج خرافة أن القمع مطلب جماهيري.


إنه مشهد نراه اليوم بذات التفاصيل الرتيبة الوقحة، في دولة الثلاثين من يونيو، فتعديل الدستور، وتمرير قانون الإرهاب أو التظاهر من قبله، ومص دم الكادحين بضرائب تخرج من رحم ضرائب، بل إن رفع أسعار تذاكر المواصلات العامة والكهرباء والمحروقات، كلها "مطالب جماهيرية".


لكن كيف عرف القائد بمطالب شعبه إذن؟


ربما أوحي إليه في "مناماته"، فما من ديكتاتور إلا ويزعم أن السماء اختصته بما ليس لغيره، فهو حكيم وفيلسوف وطبيب ومشير ورئيس مدني منتخب معًا، ولعلها "ديمقراطية التحسس"، ذاك المصطلح الضبابي الذي نهق به صحافيون في المرحلة الناصرية، فإذا قرارات القائد الضرورة جميعها "إرادة الشعب"، التي أحس بها فنفذها، من تلقاء نفسه!


الأنظمة الديكتاتورية جميعها على النهج ذاته، بليدة غبية تافهة، تستنسخ الممارسات القمعية من دون ابتكار، وجميعها مآلها السقوط، ولا تستحق سوى الاحتقار، كما فعل العقاد.. ويفعل الشرفاء جميعهم.

 

تواصل مع الكاتب عبر فيس بوك

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان