رئيس التحرير: عادل صبري 09:11 مساءً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

شعب السيسي المختار

شعب السيسي المختار

الرئيس عبد الفتاح السيسي

شعب السيسي المختار

29 أغسطس 2016 09:41

قبيل سويعات من اجتياح قوات الاحتلال الأمريكي بغداد، بث التلفزيون العراقي الرسمي اجتماعًا للرئيس الراحل صدام حسين بمسؤولي حزبه البعثيين العبثيين، تناقلته بالطبع وكالات الأنباء العالمية، التي لم تكن تفوت شاردة، من السيناريو الذي تشرئب أعناق الناس في كل مكان، تأهبًا لخاتمته الحتمية، سقوط صدام، وأيضًا بدء احتلال العراق.


في الاجتماع الذي ارتدى خلاله الجميع الزي العسكري، شرع صدام يستقصي أخبار المعركة من قيادات حكومته، ممن كانوا يرتجفون إذا عطس، فإذا بهم جميعًا يقولون، إن المقاومة تكبد الغزاة خسائر مؤلمة، وتحرز انتصارات مظفرة، وارتفعت حناجرهم بالتدليس وهم يسهبون في الحديث الخطابي المتقعر، عن الصمود والبطولات التي ستخلد في ذاكرة الزمان، وكيف استُدرِج الأمريكيون إلى فخ حرب شوارع لن يخرجوا منه إلا بالعار والشنار؟ لدرجة أن أحدهم لم يجد عيبًا في مبالغة متهتكة، بأن التاريخ سيسخر من هزيمة القوة العسكرية الأعظم، على يد العراقيين، أكثر مما سخر منها في فيتنام، فالشعب على قلب رجل واحد، للذود عن قائده الرمز.


عندئذ عبثت أصابع صدام بشاربه الكث، وارتسمت على قسماته القاسية علامات ارتياح شاملة، فسحب نفسًا عميقًا، قبل أن يقول بلكنته المعتادة، والمعروفة بإشباع الياء مدًا، حتى تخرج من شفتيه الغليظتين "ياءات": "أكيد.. إنهم لا يعرفون العراقيين".. ثم أشعل سيجارًا بقدّاحة ذهبية، وأخذ يدخن متلذذًا بالمذاق الكولومبي الغني.


كانت المفارقة ذروة الهزل، فالفضائيات في مشارق الأرض مغاربها، باستثناء العراقية منها، تنقل مشاهد استسلام محافظات الجنوب ذات الأغلبية الشيعية، واحدة بعد الأخرى دونما قتال، ووزير الدفاع الأمريكي، دونالد رامسفيلد، يتباهى في مؤتمراته الصحفية بترحيب العراقيين بقوات الاحتلال، ويعرض على الصحفيين سير العمليات، وصور الأقمار الصناعية للأهداف التي شملها القصف، متبجحًا بجرائم الحرب التي تقترفها بلاده بتأييد وتمويل الجيران من دول الخليج العربي، وإذا حوصر بسؤال عن ضرب هدف مدني، برر بمصطلح واشنطن الإجرامي "نيران صديقة".


كانت الشمس بازغة في الشرق والغرب معًا، الحقيقة لن تتوارى خلف أصبع، الكل يرى أن الواقعة واقعة، حتى قادة الجيش العراقي ورجالات الحكومة، فالقوات المسلحة الوطنية خسرت روحها المعنوية، وغدت مهيضة الجناح بعد أكثر من عقد من الحصار، وبعد أطنان اليورانيوم المخصب، والضربات الجوية التي قطعت خطوط الإمداد، وشلت سلاحي الطيران والإشارة، كما أن الآليات الثقيلة والمدفعية صارت كتلًا من الحديد يعلوها الصدأ، إثر الحظر الجوي الذي منع استيراد قطع الغيار، ومن ثم فلا قِبل لها بجحافل القوات الأمريكية الرابضة على تخوم بغداد، وهي مجهزة بأشرس الأسلحة وأكثرها فتكًا.


الوحيد الذي كان تائهًا في كثبان الوهم، وأسراب الضباب، هو صدام ذاته، فقد أعمت غشاوة "جنون العظمة" عينيه، وجعلت على قلبه الأغلال.


لقد زلزلت الأرض زلزالها، وأخرجت أثقالها، وغدت الهاوية على مسافة خطوة، والنهاية المخزية المريرة تحث خطاها، الجميع يعرف، حتى الهاجع والناجع والنائم على بطنه، يترقبون إسدال الستار.. باستثناء الرئيس، فما من أحد من خلصائه يجرؤ على أن يجهر في وجهه بالحقيقة، حتى بدا في تلك اللحظة الدرامية الفارقة، غارقًا حتى أذنيه في الخرافات، مؤمنًا بأن "شعبه" سيذود عنه إلى آخر قطرة من دمائه، وهو ما حدا به إلى إطلاق تصريحه الشهير: "إذا أرادوا العراق فليأخذوه أرضًا من دون شعب".


كل منفوش تأله، يحسب أنه القائد الذي تُسترخص من أجله الأرواح، يجعل لنفسه أسماء حسنى، بلغت في حالة صدام، تسعة وتسعينًا، منها: "حبيب العراقيين وعز العراق والقائد الفذ والمنتصر والمفدى والمنصور والحكيم والضرورة والمبدع وضمير الأمة ورجل التاريخ وهدية الله وقائد التحرير والبناء".. وأيضا "رائد الديمقراطية"!


بعد الاجتماع خرج وزير الإعلام، محمد سعيد الصحاف، ببزته العسكرية ليدلي لوسائل الإعلام بكلمات مقتضبة، عن عِلوج الفرنجة "أي الحُمر السُمان" الذين داست أحذية الشعب العراقي على أنوفهم، والانهيار الذي صارت قوات "جورج بوش الولد" معه غثاء سيل، زاعمًا أنهم ينتحرون على عتبات بغداد، ثم استقل سيارته ليولي الأدبار للأبد.. وما هي إلا دقائق حتى كانت دبابتان أمريكيتان "تتبختران" فوق جسور "عاصمة العباسيين"، في مشهد مرير أدمى النخوة العربية، وطعن قلب الأمة طعنة غائرة.


محض دبابتين لا أكثر، تستعمران عاصمة الخلافة، بلا أدنى مقاومة لا عسكرية، ولا شعبية، بلا حتى قذيفة "آر بي جيه"، لا يزيد ثمنها عن عشرة دولارات، لا شيء إلا الصمت الثقيل.. لا حول ولا قوة إلا بالله، كأنما بغداد مدينة موتى.


هكذا سقط الديكتاتور وأفل عهده.. ومضى التصاعد الدرامي متسارعًا، حتى لحظة إسقاط تمثاله من على منصته الرخامية في ميدان الفردوس، بعد أن "امتطاه" جندي من الغزاة، فوضع على وجهه العلم الأمريكي، فيما الألوف من العراقيين يصطفون رجالا يهللون، ونساءً يزغردن، حتى جيء بحبال من فولاذ غليظ، موصولة بشاحنة ما، وبدأت عملية الشد التي استغرقت دقائق، أصبح بعدها "تمثال حبيب العراقيين" منكفئًا على وجهه، وسط صرخات، بدت كأنها تنبعث من تحت رماد القهر المكبوت في الصدور لمدة أربع وعشرين سنة، من حكم إجرامي سام البلاد والعباد سوء العذاب.


ومع الصرخات طاشت دماء الجنون في العروق، وصار الغضب بركانًا ليس ممكنًا كبحه، فإذا بالتمثال المحطم يغدو هدفًا يفرغ فيه الجميع غليلهم، هذا يبصق عليه، وذاك يضرب قفاه بالنعال، والعامة يتقافزون كأنهم أبناء قبيلة بدائية، يحتفلون بالعودة من الغابة صيد وفير، حتى أنزل أحدهم سرواله، فأخذ يتبول على رأس "القائد الفذ حبيب الشعب".


ساعة افتضاح كبير لفاشي قميء، أذاب معارضيه في الأحماض، وقصفهم بالأسلحة الكيماوية، ويتمّ عيالهم، ورمى شبابهم في ظلمات السجون، ولم يكف وهو يقترف جرائمه عن ترديد المقولات المكذوبة عن العلاقة الوثيقة بين القيادة والشعب.


ذاك شأن الطغاة جميعهم، يجرمون ويتوهمون بأن خطاياهم هي عين الحكمة وقمة الرحمة، ويتخيلون أن الناس تغنى لهم صبحًا وليلا "تسلم الأيادي"، معتمدين على مؤشرات مضللة وأباطيل إعلامية لا يستمعون إلى غيرها، ما يؤدي إلى انتفاخهم حد أن يطلقوا على أنفسهم أسماء حسنى، منها في الحالة المصرية "حكيم الفلاسفة والطبيب الذي خلقه الله ملهمًا يعرف الداء والدواء".


ولا ينتهي الوهم عند الأسماء الحسنى، فدائمًا هناك "حواديت" عن حب الشعب لذاته المختارة، ومنها مثلا أنه كان يسير "من دون موكبه المهيب وحراساته المشددة" على كورنيش الإسكندرية، فأخرج مواطن محشور في حافلة رأسه منها ليقول له: "اطمئن يا ريس كلنا معك"، وأيضا مقولته لدى لقائه برؤساء التحرير "الملاكي" بأنه لا يملك ظهيرًا سياسيًا، لكنه يملك حب الشعب.


أي شعب؟.. بالطبع الذي تفتعله استطلاعات رأي هلامية، تخرج نتائجها كما يحب ويرضى، لا الشعب الذي يصرخ تحت وطأة الظلم والديكتاتورية وسياسات الإفقار، لا الشعب الذي يتفتت قلبه كمدًا على براعم مستقبله الطالع، وهم خلف القضبان، لا الشعب الذي أضاع الفشل الاقتصادي المروع، لقمة عيشه، لا الشعب الذي تعبر عنه استطلاعات رأي أخرى، منها الذي طرحه ذو الصوت الضفدعي والوجه الكالح أحمد موسى على صفحته بموقع التواصل "تويتر"، وأظهر أن أكثر من ثمانين بالمائة من متابعيه، يشفقون على مصر من أن يترشح لرئاستها حكيم عصره وأوانه لدورة ثانية.


هكذا ارتأى متابعو أحمد موسى، رائد مدرسة الاستقطاب وخطاب الفحش الإعلامي، الذين يفترض أن يكونوا من "عتاة المؤيدين المصفقين المسبحين"، هكذا قال شعب السيسي المختار، فماذا عن الشعب الآخر؟

 

للتواصل مع الكاتب..

فيس بوك

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان