رئيس التحرير: عادل صبري 02:04 مساءً | الثلاثاء 20 نوفمبر 2018 م | 11 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

الإخوان بين جيلي "التنظيم" و"المقاومة"

الإخوان بين جيلي "التنظيم" و"المقاومة"

30 مايو 2015 10:31

أثار الخبر الذي نشره موقع "مصر العربية" حول حدوث "انقلاب داخل جماعة الإخوان المسلمين" العديد من التساؤلات حول حقيقة ما يحدث داخل الجماعة، وما يمكن أن يؤدي إليه ذلك من تداعيات على مستقبل الجماعة ومدي تماسكها، خاصة وأنها تخوض صراعاً شرساً من أجل البقاء مع النظام الحالي في مصر.

خلاصة الأزمة الحالية هي وجود انقسام عميق بين جيلين (أو تيارين بالأحري) ورؤيتين واستراتيجيتين للجماعة. أما الجيلين فهما جيل (أو تيار) الشيوخ (ويمكن أن نسميهم أيضا "جيل التنظيم") الذي قاد الجماعة طيلة العقدين الماضيين وتحديداً منذ ولاية المرشد الخامس للجماعة مصطفي مشهور. هذا الجيل أعاد هيكلة الجماعة بشكل جذري، ونجح في خلق "مركز قوة" أحكم سيطرته على التنظيم بشكل كامل وكان يتحكم في كل شئ بدءاً من العضوية والتصعيد وانتهاء بوضع الرؤية والاستراتيجية. هذا الجيل أيضا هو المسؤول الأول والرئيسي عن أزمات الجماعة في مرحلة ما بعد الثورة بدءاً من أزمة الشباب الذين تركوا الجماعة اعتراضاً على عدم دمجهم وإشراكهم في عملية صنع القرار، مروراً بأزمة الخيارات السياسية (العلاقة مع العسكر، العلاقة مع رفقاء الثورة، خوض الانتخابات الرئاسية)، وانتهاء بأزمة التعاطي مع 30 يونيو وما تلاها من صدامات ومجازر دموية كشفت عن خلل وخطأ حسابات وسوء إدارة ساهم فى وصول الجماعة إلي ما هي عليه الآن. يضم هذا الجيل قيادات الصف الأول من الإخوان سواء داخل السجون مثل محمد بديع وخيرت الشاطر ورشاد البيومي وغيرهم أو خارجها مثل محمود عزت ومحمود حسين ومحمود غزلان.

أما الجيل أو التيار الثاني فيمكن أن نسميه "جيل الثورة"، وأعني بذلك الجيل الذي تشكل وعيه طيلة السنوات الأربع الماضية، وتأثر إلى حد كبير بحالة السيولة السياسية والحركية في مرحلة ما بعد 25 يناير، كما أنه العصب الرئيسي للحراك الإخواني المستمر منذ انقلاب 3 يوليو. وقد استطاع هذا الجيل الحفاظ على حيوية الجماعة وبقاءها نشاطها وفاعليتها، في مواجهة عملية الاستئصال والتصفية التي تتعرض لها منذ حوالي عامين. هذا الجيل يتكون من شريحتين عمريتين: الأولي هي شريحة جيل الوسط ممن تم تصعيدهم إلي المراكز القيادية فى هيئات الإخوان العليا مثل مكتب الإرشاد ومجلس الشوري العام خلال السنوات القليلة الماضية مثل الدكتور محمد وهدان (الذي تم اعتقاله قبل أيام) والدكتور محمد سعد عليوة وحسين إبراهيم والدكتور محمد كمال (مختبئين داخل مصر) والدكتور أحمد عبد الرحمن (رئيس مكتب إخوان الخارج). والشريحة الثانية هي شريحة جيل الشباب التي تم تصعيدها وترقيتها أيضا خلال الشهور القليلة الماضية وأبرزهم المتحدث الرسمي الجديد للإخوان محمد منتصر وبقية الفاعلين على الأرض من نواب رؤوساء المكاتب الإدارية للجماعة.

أما الخلاف حول الرؤية فيتلخص فى الفارق الكبير بين الطرفين فى التعاطي مع الدولة المصرية. حيث يري جيل الشيوخ خاصة أولئك خارج السجون أن أية مواجهة مع هذه الدولة هي مواجهة خاسرة، ولن تفيد الجماعة بل على العكس قد تؤدي إلى نتائج وخيمة على المدي الطويل. لذا فإنه يجب العمل على التعايش مع هذه الدولة بشكلها الحالي. وهنا ثمة فارق مهم بين الدولة والنظام. فرغم الصراع المرير مع أنظمة الحكم، فإن هذا الجيل يبدو على قناعة بأن الدولة سوف تعود يوماً وتجلس معهم من أجل التفاوض وإنهاء الأزمة مثلما حدث أوائل عهد السادات في السبعينات ومبارك خلال الثمانينات. وقد كان هذا هو رهان هؤلاء الشيوخ منذ أزمة 30 يونيو وحتى مذبحتي رابعة والنهضة. ففي البداية كانوا علي قناعة بأن مظاهرات 30 يونيو لن يكون لها أي تأثير (هذا الكلام سمعته شخصياً من الدكتور محمود حسين أوائل يونيو 2013) وقد ثبت خطأهم، وبعد المظاهرات، كانوا علي يقين بأن السيسي لن ينقلب علي مرسي (هذا الكلام قاله وكرره بعض مستشاري مرسي في الثاني من يوليو 2013)، وقد ثبتت سذاجتهم، وبعد الانقلاب كانوا علي يقين بأن الدولة لن تغامر بفض اعتصامي رابعة والنهضة، وقد ثبت تهافت رؤيتهم وسطحيتها. وكانت النتيجة لهذا اليقين الكاذب كارثية على الجماعة وأعضاءها وعائلاتهم.

بينما يرى "جيل الثورة" أن لا بديل سوى التخلص من هذه الدولة بشخوصها ومؤسساتها وقيمها العتيقة الرثة كالمحسوبية والفساد والإجرام. وقد بات الشباب على يقين بأنه لا يمكن مهادنة هذه الدولة أو التعاطي معها بأي شكل خاصة بعدما ارتكبته فى حقهم من جرائم. ويراهن هؤلاء على فشل هذه الدولة في الصمود أمام المشاكل العميقة المتراكمة وأنه قد آن الأوان لتغييرها جذرياً. ولعل هذا أحد الدوافع الرئيسية وراء استمرار الحراك الإخواني والرهان على توسيع دائرة الاحتجاج ضد الدولة والنظام الحالي.

أما الخلاف حول الاستراتيجية فيتعلق بثلاثة أمور: كيفية إدارة الصراع مع النظام، وأدوات مواجهته، ومن المسؤول عن إدارة هذه المواجهة. فيما يخص الأمر الأول، يعتمد جيل الشيوخ على استراتيجية "النفس الطويل" المستمدة من ثقافة وأدبيات المحنة والابتلاء والصبر على الأعداء إلى أن يأتي الفرج أو أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً. وهي ثقافة تضرب بجذورها فى مرحلة المحنة الأولي في الخمسينات والستينات وتعتمد على رصيد هائل من قيم البيعة والطاعة والولاء للقيادة. وهو ما يمكن أن نطلق عليه استراتيجية "المقاومة السلبية" ضد انتهاكات الدولة وتجاوزاتها.

أما التيار الأخر فيري أن إدارة الصراع مع النظام الحالي يجب أن تنطلق من مبدأ "المقاومة الإيجابية" أو النوعية ونفض ثقافة الخنوع والاستسلام، مستندين في ذلك إلى المبدأ الفقهي المعروف بـ"دفع الصائل" وحق الدفاع عن النفس. وهو يبرر ذلك بحجم الانتهاكات والجرائم التي تجري بحق أعضاء الإخوان، ويري فيها سبباً كافياً للرد عليها بكل الطرق المتاحة.

أما فيما يخص أدوات المواجهة، فيرى جيل الشيوخ أن الأداة الأساسية لمواجهة الدولة هي الحفاظ علي وحدة التنظيم وتماسك "الصف الإخواني" والعمل على رفع الحالة المعنوية للأفراد من خلال استحضار فقه "المحنة" ومحاولة امتصاص الأزمة الراهنة حتي ينقشع غبارها. ولا يزال هذا التيار أو الجيل يؤمن بأن بقاء التنظيم بحد ذاته (ولو علي حساب أرواح الأعضاء) هو الهدف الأسمي والأهم. لذا يري بأن التظاهر السلمي هو الأداة الوحيدة للرد على انتهاكات الدولة.

بينما يري تيار "المقاومة" بأن أدوات الرد يجب أن تكون مفتوحة وبدون سقف، وأن ذلك ليس سوى رد فعل على انتهاكات النظام الذي لم يترك لهم أي خيار أخر. وهم يضعون هذه المقاومة تحت غطاء "المسار الثوري" الذي يشمل وفقا لتعريفهم استخدام العنف الوقائي (الدفاع عن النفس) والنوعي (تعطيل أجهزة الدولة ومؤسساتها). ويري هؤلاء أن الاستسلام لانتهاكات النظام يعد خنوعاً وقبولاً بالأمر الواقع وبمثابة "قتل بطئ" لهم وللجماعة.

أما فيما يخص المسؤول عن إدارة المرحلة الحالية، فيبدو الانقسام كبيراً وهائلاً. ففي الوقت الذي يرى فيه جيل الشيوخ أنهم الأحق بقيادة التنظيم خلال هذه المرحلة متذرعين في ذلك باللوائح والأعراف الإخوانية، فإن جيل المقاومة خاصة من الشباب يرون أنهم الأحق بذلك ليس فقط بسبب تحميلهم المسؤولية لجيل الشيوخ عما آلت إليه أوضاع الجماعة نتيجة رعونتهم وأخطاءهم، وإنما أيضا بسبب ما قدمه الشباب من تضحيات منذ الانقلاب وحتي الآن. أي أننا إزاء تنازع فى الشرعية بين الطرفين، يستند فيه الطرف الأول على ما يمكن أن نسميه "الشرعية التاريخية" والثاني على "الشرعية الواقعية".

وحقيقة الأمر فإن انفجار الأوضاع داخل الإخوان لم يكن سوى مسألة وقت، بل يمكن القول بأنه قد تأخر بسبب تصاعد المواجهة مع النظام وعدم الرغبة فى تشتيت الانتباه حول المعركة الأصلية. ولكن إصرار الشيوخ على التمترس برؤيتهم واستراتيجيتهم، وإصرار الشباب على المضي قدما في استراتجيتهم، وذلك كله في ظل غياب القيادة المرجعية للجماعة، قد دفع بالأزمة إلى الخروج إلى العلن بشكل كبير.

ويمكن القول بأن الأزمة الحالية تمثل واحدة من أعمق وأشد الأزمات التي واجهها الإخوان خلال نصف قرن، وأنها إما أن تمثل "إعادة بعث" جديد للجماعة فكراً ورؤية وحركة، وإما أن تكون بداية لتصدعات وانشقاقات كبيرة قد تنهي الصيغة الكلاسيكية للإخوان كجماعة واحدة متماسكة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان