رئيس التحرير: عادل صبري 05:10 صباحاً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

مصر.. دولة الخرائب العامرة !

مصر.. دولة الخرائب العامرة !

أمنية زوجة المصور الصحفي عمر عبد المقصود

مصر.. دولة الخرائب العامرة !

04 مارس 2016 08:31

حدثان مهمان لا تعير لهما مصر أي انتباه أو أهمية، أولهما إضراب معتقلي مقبرة سجن العقرب، وصورة خطيبة عمر عبد المقصود المصور المعتقل، الذي يتعرض لتعذيب وحشي، بينما تقف خطيبته بفستان الزفاف، تحمل صورة مرسومة له كتلك التي في خاطرها.


حدث آخر تنفض القاهرة ثوبها منه، وهو حديث دائر عن شح النقد الأجنبي، واستمرار ارتفاعه في أعلى معدلاته منذ عقود.


الحدث الذي يلهو الجميع به، كقشرة ناتئة على جرح، وهو الصحفية الأوسكار، وخناقة البرلمان، والاستدعاءات الطائشة لواحدة من أهم أساسيات خطاب دولة يوليو، وهو لا للتطبيع، نعم للتطبيع.. الخ.


إله التطبيع عن دولة يوليو كالعفريت الذي يتم استدعاؤه كلما ارتبط الأمر بموضوع جاد، المشكلة أن العفريت احترق بالفعل، ولم يعد يعمل جيدًا أيام كان من الممكن له أن يكون ذا مفعول ملائم للمرحلة.


الدولة التي تتمسك بل تتشعلق بحبال كامب ديفيد البائسة، ومازالت تعتبر أنها من أعظم إنجازات رجل الحرب والسلام، وتعمل كل مؤسساتها الاقتصادية بتعاون "سلس" بين قوسين مع التي تسمى إسرائيل لا يمكن أن تكون رافضة للتطبيع.
 

الدولة التي يخرج رئيسها في خطاب رسمي ليقول أن فلسطين عاصمتها القدس الشرقية لا يمكن ألا يكون التطبيع من أهم ركائزها كنظام، لكنها لعبة الإلهاء القديمة التي تميزت بها الدولة المهترئة، لزوم الشحن العاطفي. الحقيقة أن الشاحن لا يعمل هذه المرة ويحتاج إلى شاحن أصلي من نوعية طرد نائب التطبيع من البرلمان.. "لا مش حلوة" بصوت عادل إمام في مسرحية الواد سيد الشغال وهو يخرج عن النص.


الخروج  الوحيد عن النص الذي تجيده دولة يوليو هو المزيد من "الحمد لله.. كنا هنضيع" الذي أصبح كليشيه بارد، ومسلوق في زمن الضياع الفعلي، والمزيد من الهجمات الإرهابية، والمزيد من الضحايا والمزيد من التجريص العالمي وفضائح التعذيب، وفضائح الخطابات المرتجلة "اسمعوا كلامي انا بس".. "انتو مين"، وفضائح الاعتقالات والقتل.


نجح النظام في تحويل مصر إلى بلد الخرائب العامرة، حيث في كل خرابة سيرك منصوب لزوم التشويش والغلوشة عن الضياع الذي يجب أن نستعد له جميعًا بأذرع مفتوحة.

أزمة الدولار الخانقة، إغلاق أبواب الاستثمار وانخفاض دخل قناة السويس، وتزايد وطأة بطش الأجهزة التنفيذية دون رادع، وأزمة مائية مقبلة لم يحدثنا أحد عن حلول فعلية لها.


مصر دولة الخرائب العامرة.. الأمر يشبه أن تكون مدينة بأكملها على وشك زلزال كبير، بينما يتحضر أهلها لحفلة شاي كبيرة يقيمونها على شرف انتصارهم على خصومهم، وفي تفاصيلها، طاولة كبيرة بطول البلدة.


يشعر باقتراب الزلزال الكلاب والحمام ويسعى من أقصى المدينة رجل عالم لتنبيههم مما هم مقبلين عليه، فيتهمونه بإفساد فرحتهم، ويغتالون بوحشية ويقدمون لحمه لوحوش الغابات. وبينما الموت قادم بخفته إليهم، يرقصون طربًا ويغنون للحظ.
 

لا أتمنى أن تكون المشاهد الأخيرة صرخات خافتة، نعم أنا متشائمة لكن ليس إلى النهاية، واليأس ليس جريمة لكنه مآل طبيعي لأننا بشر، ولأن التفاؤل يلزمه أرواح حرة يتمدد فيها الأمل دون يحده هزيمة هنا، وطلقة رصاص هناك، كما أنه يتطلب شجاعة لا مثيل لها لا أمتلكها.


المؤكد أن الأيام السيئة لا تدوم، وأن العالم بائس لكنه يمكن أن يكون أفضل وأن حسابات الربح والخسارة نسبية بطريقة لا يمكن تصديقها.


من رواية الطاهر بن جلون "تلك العتمة الباهرة" تقع عيناي على تلك السطور:

إني أعبر نفقاً طويلاً.. لا أكف عن السير..!
واثقاً أني ذات يوم سأصل إلى نهايته..
وسأبصر النور..
وينبغي أن يكون خافتاً.. لأن النور الساطع قد يفقدني البصر.
وستكونين في انتظاري.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان