رئيس التحرير: عادل صبري 08:39 مساءً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية
الوثنيون الجدد

أرشيفية

الوثنيون الجدد

27 مايو 2016 10:59

(1)

إلى أي حد يمكن لفكرة أن تساهم في هزيمة حضارة كبرى؟


في إحدى جزر المحيط الهادىء في الزمن القديم البعيد شاعت بين السكان هناك ما يسمى بـ "عبادة حمولة السفن" وتقوم هذه العبادة على أسطورة فحواها أن عصرا سعيدا سيحل في قادم الأيام يستعيد فيه أهالي هذه الجزر السيادة على جزرهم ولن يكدحوا بعدها أبدا ، لأن الأسلاف \ الموتى سيعودون على متن سفنهم العملاقة المحملة بالبضائع، وعندها لن يكون عليهم سوى قتل ماشيتهم وتحطيم آلآت الزراعة وإعداد المخازن الواسعة لاستقبال المؤن الخرافية.
 

في مكان آخر من العالم وقعت قبيلة "كوسا" وهي إحدة قبائل البانتو التي سكنت الأجزاء الجنوبية الشرقية من إفريقيا ضحية أسطورة مختلقة قامت على أساس هذا المعتقد وهو استشارة الأسلاف في كل شأن من شؤون الحياة.


وتتلخص الحياة كما أوردها محمد الأسعد في العدد الأخير من مجلة العربي على لسان الساحر الآسي كريدو موتوا الذي ينتمي إلى قبيلة الزولو الذي كتب تاريخ شعب البانتو في كتاب متداول باللغة الإنجليزية تحت عنوان "شعبي" في أن الحاكم البريطاني جورج جري استثمر هذا المعتقد لدى قبيلة "كوسا" فأرسل ثلاثة من رجاله في يوم من أيام عام 1957 في زي أسلاف بملابس تقليدية وبالأقعنة ليعلنوا لهذه القبيلة القوية التي كانت قد خاضت حربا واسعة على المستعمرين الأوروبيين، حيث وصلهم نبؤة مفادها أن انتصار القديمة قادم لا محالة وستطرد الأوروبيين وسيعم بلادها الخير والأمان ولكن بعد حدوث معجزة وهي شروق الشمس من الغرب لا من جهة الشرق ولكن لكي تحدث هذه المعجزة عليها أن تتطهر تماما من حطام الدنيا بأن تذبح مواشيها وتحرق مزروعاتها وتجلس أمام أبواب الأكواخ في انتظار حدوث المعجزة.


تشكك بعض الناس في الرسل ولكن الناس أقبلوا على بيوتهم حرقا وعلى مواشيهم ذبحا، وهكذا قصم الحاكم البريطاني ظهر أقوى القبائل التي وقفت أمام المستعمرين الغربيين.

 

(2)

من المؤكد أن التدين ليس هو السبب الذي جعل الصرب يرتكبون المذابح في البوسنة، الأفعال المنحطة لا يقف خلفها إلا أفكار منحطة، أفكار تسمح لأتباع الطائفة الواحدة في البلد أن يصنع الجيتو الخاص بهم فينزعوا تماما اجتماعيا ويحاولون اجتناب أي صراع سياسي لكن ذلك لم ينفع ألآفا من اليهود الألمان الذي قُتلوا واعتقلوا فيما بات يُسمى تاريخيا بليلة الزجاج المهشم حين حرض النازيون على حرق وتدمير كل ما هو يهودي بعد مقتل أحد الديبلوماسيين الألمان على يد شاب بولندي يهودي.
 

الأنظمة الديكتاتورية تستخدم الطائفية لخدمة مصالحها تارة بالإلهاء وتارة لاستمالة الأغلبية وإمعانا في عزل الأقلية وتارة ثالثة بمنتهى البساطة لعدم قدرتها على السيطرة على مجريات الأحداث.
 

(3)

اضطهاد الأقلية في أي بلد في العالم هو بالضرورة جزء من اضطهاد الكل الإنساني في البلد وهو المعيار الرئيس على مدى تراجع التسامح الديني وكبت الحريات العامة في البلد.


الأفكار الزائفة عن الدين في هذا المضمار ليست وحدها هي المتهمة، المتهم أيضا هو الدولة التي ترعى سيطرة الغوغاء والرعاع على شوارع النصف الجنوبي من البلاد.


إذا تُرك المسيحي يواجه اضطهاده وحده، فذلك معناه أن المسلم صاحب الأغلبية متروك أيضا لنفس المصير والجهة التي تمارس الاضطهاد تبدأ من البيت ثم المدرسة ثم الشارع ثم الجهة التي قررت أن تحتكر الحديث الإلهي على الأرض.
 

غياب القانون وغياب هيبته هو السبب في كل مصيبة تمر بهذا البلد، على أنني أرى أن حادث أبوقرقاص ليس له أبعاد طائفية أكثر تطرفا تؤكد أن الذي يقود دفة الصراع و افتعال الحدث في الشارع هو فئة تريد أن تؤكد أنها أقوى من السلطة، ومن القانون.. "ثم صعد أحد الأنبياء على التلة فقنصه رجل أعور، فتجمع الناس يصفقون ويهللون و يهتفون باسم الرب".

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان