رئيس التحرير: عادل صبري 08:29 مساءً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

هل قرأ السيسي مقالة خاشقجي؟

هل قرأ السيسي مقالة خاشقجي؟

22 فبراير 2015 18:51

المشكلة أن كل ما قاله جمال خاشقجي حقيقي بدرجة كبيرة، مؤلم، مستفز للأنفة المصرية، للتعالي غير المبرر على كل ما هو خليجي، لشوفينيتنا، لصورتنا أمام أنفسنا، لكنه يحمل من الأسباب الوجيهة لتصديقه ما ينوء بحمله عشرات من "الإعلاميين بتوعنا"

جمال خاشقجي صحفي وإعلامي سعودي، مهم، يكتب مقالا في جريدة الحياة اللندنية بعنوان "حتى لا تسقط مصر في فخ داعش"، بتاريخ 21 فبراير 2015، فلا نملك له ردًا سوى الأسى،لأننا نعلم أنه محق، أو السباب، والسخرية المجانية، والاستهزاء، أيضا لأننا نعلم أنه محق!.

هل قرأ السيسي؟، لو أنه يقرأ مثلما يتكلم فلا شك أنه لم يقرأ، يخبرك خاشقجي أنك لا تعرف مصلحة نفسك، لا تعرف وزنك، إمكاناتك، يربت على كتفيك، يضعك في حجمك الطبيعي، عفوا، ليس الطبيعي، إنما بكل أسف "الواقعي"، داعش يجرجرونك إلى الحرب، هم لا يريدون النصر، إنما الفوضى، فهم يحيون بها، وأولى خطوات الحرب عليهم، هو القضاء على الفوضى، هذا كلام الكاتب السعودي، حلفاؤك، فافهم يا فوضوي.

يقول خاشقجي: "أنقذ مجلس الأمن والمجتمع الدولي مصر من الوقوع في فخ نصبه تنظيم «داعش» لها ولجيشها، عندما رفضا دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي للتدخل عسكري دولي في ليبيا، ففي غمرة الغضب والرغبة في الثأر بعد جريمة ذبح 21 مصرياً على يد فرع تنظيم «الدولة الإسلامية» بليبيا، تدافع كبار المسؤوليين والإعلام المصري يتنادون «الحرب... الحرب».

هكذا يروننا، وهكذا نحن، في غمرة الغضب، "التدافع"، والتنادي، الحرب الحرب، تذكرني مفردة "التدافع" التي استخدمها الكاتب السعودي بأخرى استخدمها الإعلام المصري منذ أيام قليلة لتبرير قتل 22 مصريا آخرين، من الوايت نايتس، ولكن هذه المرة بيد النظام نفسه الذي يقتص الآن لمقتل 21 مصريا بغارات جوية على ليبيا، في مصر وحدها: 21 أكبر من 22 .

وكأننا "كادر" في سينما يوسف شاهين، الحرب الحرب، برابرة صليبيون، لا نعرف على أي معركة نحن مقبلون، وأي هدف نحمل أو راية نرفع، لمصر أم للسيسي؟، لمجد الصليب، أم لمجد ريتشارد؟

يخبرنا خاشقجي أن " السيسي اكتفى بغارات جوية على "ما وصفه" بمعاقل داعش في درنة"، وأن الإعلاميين المصريين ذهبوا إلى حد التأكيد أن الغارات أصابت "بدقة" عدداً من "الإرهابيين الذين نفذوا جريمة الذبح" وأن "هذا كلام مناسب للاستهلاك المحلي"، لكنه يتعارض مع إمكانات الجيش المصري الذي لا يملك قنابل ذكية، ولا قدرة على الضرب من طيران منخفض.

لهجة السخرية والتعالي واضحة، الثقة واضحة، الجزم بمعلومات تتعلق بطبيعة تسليح الجيش المصري وإمكاناته أيضا واضح، وبمناسبة الوضوح، يلفت خاشقجي نظرنا لموقف دول الخليج "الواضح" و"المحدد" من اتهام "الحكومة" المصرية لـ "دولة" قطر بالإرهاب (وكل واحد يتكلم على قده).

السؤال: لماذا لا نصدق خاشقجي؟ لماذا نكذبه ونصدق الرواية الرسمية للمؤسسة العسكرية؟ هل من أسباب واقعية سوى أننا مصريون ويجب أن نشجع "فريق بلدنا"؟

يتحدث قاشخجي –القريب من دوائر السلطة في بلاده– عن إمكانات الجيش المصري، يجزم أنه ليس لدينا.. "مافيش"؛ فلماذا لا نصدقه؟ هم أدرى، كانوا يعلمون من مدير مكتب السيسي شخصيا أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يجتمع الآن، وأنه سيفوض السيسي للترشح في انتخابات الرئاسة بعد اجتماعه، فيما كنا نحن المصريين لا نعلم شيئا على الإطلاق، ويراهن بعضنا البعض على مواقع التواصل، سيترشح، لن يترشح، سيترشح؟

السعوديون أصدق.. هم أصحاب البلد، ما الذي يجعلنا نكذبهم بشأن معلومات عسكرية تخصنا إذا كنا قد سمعنا بآذاننا مدير مكتب السيسي وهو يفضي إليهم بأسرارنا كجزء من واجباته اليومية المكلف بها؟.

قد نكون ضربنا داعش، وقد لا نكون، قد يكون الجيش انتصر، انتصارا ساحقا ماحقا، والدواعش الآن يرتعدون في كهوفهم، وقد يكونون بصدد إرسال رؤوس مصرية أخرى، بدلا من استخدام أصابعهم الوسطى، كرد لائق، كل شيء قابل للتحقق النظري، إلا أن واقعنا البائس لا يدفعنا إلى تصديق رواياتنا، بالأحرى عبثياتنا الرسمية، هم أصدق، التجربة تقول: لا نحن ولا خاشقجي.

ما الذي يجعل بيانا صادرا عن المؤسسة العسكرية ذا أهمية من أي نوع، وقد ملأت تسريبات قادة هذه المؤسسة، مصدري البيانات، تاريخ الفضائح اللا أخلاقية فلم يعد فيه مكان لأحد؟ من "يضرب"ورقة،"يضرب" بيانا، الورق ورقنا.

ما الذي يجعل للرواية الرسمية أي حيثية وقد أفادت من قبل عشرات البيانات عن عشرات الوعود التي لم تحدث، بل لم يحدث سوى عكسها تماما، من الجزم بعدم ترشح السيسي، إلى جهاز علاج الفيروسات بالكفتة، ومن "وقعنا 90 طيارة"، إلى "أصابت طائراتنا بدقة منفذي عملية الذبح"!

يتحدث خاشقجي عن الجيش المصري باستخفاف لا يليق، لكن ما الذي يمنعه وقد قد تحدث عنه أحد لواءاته في الغرف المغلقة وكأنه جيش من الـ "......"، يحمي من يدفع، "بصرف النظر عن الوطنية والقومية العربية، والكلام ده" – بتعبير سيادة اللواء مدير مكتب الجنرال، ونجم شباك التسريبات.

فليخرج من جوقة النظام المزايدون على موقف خاشقجي من إرهاب داعش، ذلك الذي يعرفه كل متابع له، بوضوح، كما يفصح عنه مقاله محل النقاش في فقرة كاملة، لا لبس فيها، زَوِّرُوا، هَلِّلُوا، اخلطوا الأوراق، سموا النفاق و"التعريض" وطنية، وانحيازا للجيش، طبلوا ما استطاعت أياديكم الملطخة بالدماء إلى ذلك سبيلا، لكن ذلك لن يغير شيئا من واقع مؤسف، وبائس، لم يرقص يوما على إيقاعاتكم الصاخبة.

في نهاية مقال خاشقجي، إشارة جديرة بالتوقف لتجربة المالكي في العراق، وتحذير للسيسي من أن يصل بنا جميعا إلى هذا المصير، يقول خاشقجي:

"إن المصالحة الليبية هي الخطوة الأولى في الحرب على «داعش»، فعندما تتحقق سيقف كل الليبيين صفاً واحداً ضدها، أما تأجيج الحرب فكفيل بدفع بعضهم إلى حضن «داعش» مثلما حصل في العراق بعدما رفض رئيس وزراء العراق السابق نوري المالكي الاستجابة لمطالب سنّة العراق الذين انتظموا في ما سمّي وقتها «انتفاضة الأنبار السلمية»، والتي استمرت باعتصامات مفتوحة استمرت نحو عام، لم تجد القيادات العربية السنّية خلالها من المالكي غير الوعد والوعيد، ثم الاتهام بالإرهاب، فاعتقل بعضهم، واضطَّر آخرين إلى اللجوء إلى الأردن وتركيا والخليج، وفي النهاية استخدم المالكي القوة المفرطة في فض الاعتصام في نهاية 2013 واستباحت ميليشياته الرمادي والفلوجة، واعتقل نوابا معارضين، وشيوخ قبائل، وقتل العشرات، النتيجة أن من نجا قال: «ألف داعشي ولا مالكي» فانحازوا إلى التنظيم الذي قاتلوه يوماً، واستيقظ العالم بعد أشهر على سقوط الموصل، ثاني أكبر مدن العراق، وإعلان «دولة العراق والشام الإسلامية» وتمددها في معظم العراق السنّي وثلث سورية، ولا تزال تتمدد على رغم القصف الجوي وتكرار إعلان الحرب عليها إقليمياً ودوليا.

وفي السياق، يضع الكاتب السعودي خطا تحت تعريف المتطرف، لعله يصل إلى من يهمه الأمر فيقول: "المتطرف هو الذي يرفض المشاركة واقتسام السلطة والثروة، ومن ثم المصالحة»، بغض النظر عن الراية التي يحملها أو توجهه السياسي".

انتهى درس خاشقجي، دول مجلس التعاون الخليجي، بيان الدول الغربية الموحد بشأن الحرب في ليبيا، الواقع، التاريخ، الجميع يزدريه، فيما يعلن أمام الشاشات مصحوبا بموسيقا آمال ماهر التصويرية أنهم جميعا معه، بالموافقة والتأييد، فمتى يقرأ السيسي؟!!

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان