رئيس التحرير: عادل صبري 07:14 صباحاً | الجمعة 16 نوفمبر 2018 م | 07 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

التوافق

10 أكتوبر 2015 12:43

فاز رباعي الحوار التونسي المشكل من الاتحاد العام للشغل والاتحاد العام للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان والهيئة الوطنية للمحامين التونسيين بجائزة نوبل للسلام؛ بعد أن نجحوا مع فرقاء تونس السياسيين في الوصول ببلادهم لبر الأمان والحفاظ على المسار الديمقراطي في منطقة علت فيها سيوف الاستئصال، وسمع فيها أزيز الدبابات، وقُضى فيها على حلم الديمقراطية لصالح قوى استبدادية، ولمصلحة أنظمة ديكتاتورية. 


ليست جائزة نوبل للسلام هي ما تعنيني هنا لأن تاريخ الجائزة وكثير من الحاصلين عليها لا يضعها فوق مستوى الشبهات، كما أني لا أُقَيِمْ كذلك مدى نجاح الثورة التونسية في تحقيق أهدافها التي تشهد تعثرًا على مستويات كثيرة، ولكني منشغل هنا بمدى قدرة المجتمع على التوافق على مسار ديمقراطي، وعلى القدرة على التعايش في إطار الظروف المتاحة وفي إطار الفرص الموجودة. 

هذا التوافق هو ما يستحق التأمل والتقدير.

 

(١)

كانت تونس شرارة الربيع العربي التي حركت الماء الراكد في منطقة غلب عليها اليأس والتكلس بسبب حكامها الذين اعتبروا أن شعوبهم جزء من متاعهم الذي يورثونه للأبناء أو الأتباع فينهبونه ويستولون على ثرواته ويقسمونه على مؤسساتهم الفاسدة وحاشيتهم الانتهازية.
 

استمر ربيع تونس الديمقراطي - حتى الآن - رغم ما أصابه من محاولات التفشيل، ورغم السعي الحثيث لتفجير الأوضاع والعودة لمربع القهر والاستبداد؛ ولم يكن ذلك إلا بسبب كلمة التوافق التي استطاعت أن تكسب المعركة أمام رغبات الإقصاء والتهميش والتكفير. 


(٢)
كانت هناك خيارات أخرى مطروحة أمام حزب النهضة التونسي؛ بما تشمله تلك الاختيارات من حق في الاستمرار في تشكيل الحكومة بأغلبيته البرلمانية ومن حق في تضمين الدستور بمواد أكثر اتساقًا مع اتجاهاته الإسلامية؛ ولكنه آثر في النهاية أن يقدم المصلحة العامة على الخاصة، وأن يقرأ واقع بلاده وإمكاناتها والضغوط الواقعة عليها بشكل يحفظ لها المسار الديمقراطي والسلم الاجتماعي حتى لو كان ذلك على حساب الحزب ذاته وعلى فرصه في البقاء في السلطة. 

لم تكن هذه خيارات حزب النهضة الموفقة فقط، ولكن كان خياره الأقوى - من وجهة نظري - متمثلًا في الابتعاد عن التيارات السلفية المتطرفة فكرًا من جهة، والمواجهة مع التيارات الجهادية بشكل واضح وصريح دون خوف من خسارة جمهور إسلامي محتمل ودون خوف من تأثير قواعد قد تميل بالعاطفة نحو هذه التيارات التي تمثل بأفكارها خطرًا كبيرًا على المجتمع كله من جهة أخرى.

 

(٣)
في ظني أن خيار التدخل العسكري كان موجودًا في تونس بقوة طوال فترة الأزمة التي ارتفعت وتيرتها بعد اغتيال السياسي شكري بلعيد، وفي ظني أن سياسيين انتهازيين - كنظرائهم في مصر - قد طالبوا الجيش بتنفيذ الخيار المصري، ولكن الجيش لم يتشجع للمضي قدمًا في السيناريو المصري الكارثي لأسباب ما زالت مجهولة.

لا أستطيع أن أزعم أن عدم التدخل راجع لقناعة الجيش بالديمقراطية مثلًا، ولا بأن قادة الجيش خشوا من التدخل في مستنقع السياسة كذلك، ولكن ما أستطيع أن أجزم به أن الجهود المبذولة لتحقيق التوافق المنشود، والتنازلات التي قدمتها حركة النهضة، والنضج السياسي الذي قدمته بعض التيارات العلمانية هو ما فوت الفرصة على مثل هذا الخيار العسكري الانقلابي الذي كان مطروحًا بلا شك.

 

(٤)
لا يوجد لدينا في مصر مجتمع مدني قوي قادر ومؤثر في جمع فرقاء العمل السياسي والضغط عليهم كما هو الحال في تونس

لدينا نقابات مسيسة أو مهلهلة، تنجح قياداتها بالحشد السياسي أو الطائفي منذ أمد طويل، كما أن النقابات العمالية الرسمية مصممة لخدمة النظام لا لخدمة العمال؛ لذا فإنه لا صوت ولا تأثير لمثل تلك النقابات في فرض حالة توافقية توقف التسلط  والإقصاء.


(٥)
ما زلنا بعيدين - للأسف - عن فرض التوافق على أطراف الفعل السياسي في مصر؛ لأن الدروس التي خرجت بها معظم أطراف الفعل السياسي من المسارات الكارثية التي وقعنا فيها - حتى الآن - هو أن مزيدًا من التمترس خلف المواقف الحدية والاستقطابية هو الحل! 

ما زالت غالبية الإسلاميين ترى أن التوافق مع القوى السياسية - الذي لم يحدث أساسًا - كان سببًا من أسباب التهاون التي قادت إلى التنكيل بهم وإقصائهم عن الحياة السياسية، وأن مرسي كان في حاجة لقمع معارضيه والشدة معهم ليتجنب مصيرًا مثل الذي وصل إليه.
 
كما أن معظم القوى العلمانية (المدنية) ما زالت ترى أن فرصة مصر الوحيدة في وجود دولة ديمقراطية حديثة لن تتحقق إلا بمزيد من القمع والإقصاء للإسلاميين بكافة اتجاهاتهم وتنويعاتهم، وأن نار الحكم العسكري خير من التوافق السياسي مع أعدائهم من الإسلاميبن!

 

(٦)
لا أمل في وجود دولة ديمقراطية حقيقة توفر السبل لمستقبلٍ أفضل للشعب المصري إلا من خلال الوصول إلى صيغة توافقية تجمع بين فرقاء السياسة على أرضية مشتركة تبعد الجيش عن السياسة، وتقبل بوجود لكل الأفكار السياسية المؤمنة بالديمقراطية والرافضة للعنف، ولا أمل كذلك دون وجود مجتمع مدني قوي ومؤثر في الشارع وبين الناس. 
ما عدا ذلك سنظل أسرى لنظام الديكتاتورية والفساد والفشل التي نعيش في ظلالها منذ عشرات السنين. 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان