رئيس التحرير: عادل صبري 02:28 صباحاً | الاثنين 17 ديسمبر 2018 م | 08 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

أزمة الدولار أكبر من "العقدة والعريان"

أزمة الدولار أكبر من العقدة والعريان

ممدوح الولي

ممدوح الولي يكتب:

أزمة الدولار أكبر من "العقدة والعريان"

27 نوفمبر 2015 10:05

يظن البعض أن إعادة تشكيل المجلس التنسيقي المختص بوضع السياسة النقدية بالتعاون بين البنك المركزي والحكومة، كفيل بحل مشكلة الدولار، ويزداد تفاؤلهم مع عضوية محافظ البنك المركزي الأسبق فاروق العقدة للمجلس بما له من خبرة سابقة، وكذلك عضوية محمد العريان الخبير المالي الدولي.


إلا أن هذا التفاؤل يستند لأمور شكلية لا تكفي لحل مشكلة الفجوة المتسعة بين سعر الصرف الرسمي وغير الرسمي للدولار، ولعلاج العجز الكبير بالميزان التجاري وبميزان المعاملات الجارية، ويظل الحل الجذري مرتبطًا بزيادة الموارد الدولارية حتى تستطيع الوفاء بالطلب عليه بأنواعه المختلفة، من طلب معتاد لاستيراد السلع والخدمات، وطلب للاكتناز والمضاربة مع توقع زيادة قيمته مستقبلًا، حسبما أعلنت عدد من المراكز البحثية المحلية والخارجية، وطلب للأنشطة غير المشروعة كالتهريب وتجارة المخدرات والسلاح وغيرها.


ويعد الوفاء بأنواع الطلب على الدولار حاليًا أمرًا متعذرًا وبالغ الصعوبة مع تناقص العديد من الموارد الدولارية المعتادة، وأبرزها تراجع حصيلة السياحة والاسثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر، والصادرات وقناة السويس والمعونات الخارجية، وعدم مرور جانب كبير من تحويلات المصرين بالخارج على الجهاز المصرفي.


القروض لا تكفي لعلاج المشكلة

ويجمع المجلس التنسيقي الذى يرأسه رئيس الوزراء، بين البنك المركزي والحكومة، بواقع 4 أعضاء لكل منهما، فالحكومة يمثلها رئيس الوزراء ووزراء الاستثمار والمالية والتجارة، والبنك المركزي يمثله محافظه ونائبي المحافظ ووكيل المحافظ لقطاع السياسة النقدية.


وبالنظر إلى سعي كل من الجهتين لحل مشكلة الدولار خلال الآونة الأخيرة، نجد تركيز الحكومة على الحل من خلال الاقتراض من البنك الدولي وبنك التنمية الأفريقي، إلى جانب السعي لدى جهات دولية وعربية أخرى لنفس الغرض، أما باقي المجالات الأخرى المدرة للدولارات فلم تجد نفس درجة الاهتمام.


ولعلنا نذكر أن علاج مشكلة تراجع السياحة جاء من خلال دفع عدة وزارات منها الشباب والتعليم والأوقاف لتنظيم لرحلات لشرم الشيخ وبعض المقاصد السياحية، وهو أمر لن يساهم بالمرة في تدبير دولارات، وحل مشكلة ارتفاع الأسعار كان بإغراق السوق بالسلع المستوردة، وبالطبع يتم ذلك بالضغط أكثر على الموارد الدولارية المحدودة، ولم يتم من خلال حل مشاكل المنتجين المحليين.


أما البنك المركزي، الشريك الثاني بالمجلس التنسيقي، فدوره إدارة الموارد الدولارية وليس جلبها، وما لديه من احتياطي من العملات الأجنبية يكاد يكفي لواردات سلعية وخدمية لشهرين ونصف فقط، يغل يده عن التدخل بالسوق للدفاع عن الجنيه، وعدم استطاعته السير كثيرًا، في تكرار قرار خفض قيمة الدولار لإرباك السوق السوداء.


استمرار توحش السوق السوداء

وها هي السوق السوداء تعيد ترتيب نفسها سريعًا، بعد أن تيقنت أن قرار خفض الدولار لم يكن مستندًا على معونات أو قروض خليجية أو موارد طارئة، ومن هناك عاد السعر بالسوق السوداء ليتخطى 8 جنيهات و60 قرشًا، قبل تولي المحافظ الجديد بيوم واحد، خاصة مع إدراكها أن هناك قسطًا أخيرًا من ديون قطر يبلغ مليار دولار مطلوب سداده خلال شهر نوفمبر الحالي، وأن هناك احتياجات سلعية غذائية مطلوب استيرادها للوفاء بوعد رئاسي بخفض الأسعار بنهاية نوفمبر، وأن البنوك عندما حلت مشاكل بعض المستوردين الدولارية ركزت فقط على السلع الغذائية والمواد الخام والأدوية وليس كل السلع.


وهكذا نجد أن الحل العاجل لمشكلة الدولار لن تستطيع كلا الجهتين: الحكومة والبنك المركزي القيام به، وهو أمر ينطبق كذلك على الخبراء الثلاثة أعضاء المجلس التنسيقي، فأحدهم محافظ سابق للبنك المركزي لا يملك سوى النصح ببعض الأفكار، وخبير دولي مقيم في ألمانيا بعيد عن البيئة المصرية، ورئيسة لمجلس اقتصادي رئاسي لم نر له نتائج ملموسة حتى الآن، ولم نسمع عن خبرة لها بالمجال المصرفي.


وهكذا فإن من يراهنون على دور العقدة في الحل واهمون، لأن الظروف مختلفة تمامًا عن الفترة التي قضاها بالمركزي وتمكن خلالها من تكوين رصيدًا كبيرًا من الاحتياطيات، فالسبب الرئيسي لتلك الاحتياطيات هو زيادة مواردها من سياحة وتصدير واستثمار وتحويلات، ولم يكن المركزي صانعًا وإنما فقط خازن لها.


وهكذا فإن الأجل القصير وحتى يونيو القادم يشير إلى صعوبة تحقيق الاستقرار لسعر صرف الدولار محليًا في ظل بيئة اقتصادية واجتماعية وسياسية طاردة، فما حدث مع صلاح دياب يجعل أي مستثمر محلي أو عربي أو دولي يعيد حساباته أكثر من مرة قبل التفكير في دخول السوق بالفترة الحالية، خاصة مع ما يتردد عن استعدادات لقوى معارضة لمظاهرات في الخامس والعشرين من يناير القادم، وما نشره بعض المحللين عن توقعات سلبية للنظام الحاكم خلال الشهور القليلة القادمة، ناهيك عن استمرار مشاكل نقص تمويل الأراضي الصناعية وغيرها، والتي أُضيف إليها مؤخرًا مشكلة نوعية المياه بالمدن الصناعية مثل برج العرب.


وعلينا تذكر أن عنفوان خروج أموال المستثمرين الأجانب في مصر، كان فى أواخر 2010 عندما وجدوا انسدادًا سياسيًا في أعقاب نتائج انتخابات برلمان 2010 وهيمنة الحزب الحاكم عليه، وهو المشهد الذي يتكرر مع برلمان 2015، وبشخصيات غريبة وأخرى كثيفة ذات خلفية عسكرية أو مخابراتية مما سيزيد من مخاوف الأجانب بل والمستثمرين المحليين.


وها هي أخبار أحداث العنف المتتالية في سيناء، وكلما خرجت تصريحات رسمية عن القضاء على المناوئين للنظام هناك، كلما تكررت أحداث الانفجارات وضحاياها خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مما قلل الثقة في تلك التصريحات الرسمية، وزادت بالتالي مخاوف المستثمرين من دخول السوق في ظل تلك الحالة.


وها هي أحوال التجارة الدولية المتراجعة تؤدي لانخفاض دخل قناة السويس بعد التفريعة الجديدة، وها هي مشكلة نقص الدولار لتحويل الأرباح للخارج، تقلل من إقبال الأجانب على البورصة المصرية، كذلك من المهم التقين أن حالة السياحة كانت في تراجع حتى قبل سقوط الطائرة الروسية بفعل حادث معبد الكرنك وحادث مقتل السياح المكسيكيين بالواحات.


عندما تكون الصورة هكذا للموارد الرئيسية للعملات الأجنبية، فلا يجب أن نعول كثيرًا على تغيير محافظ للبنك المركزي، أو مجلس تنسيقي لوضع السياسة النقدية، فهذه خطوات إجرائية تالية لعلاج نقص الموارد من العملات الأجنبية وهو أمر ليس سهلًا بالمرة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان