رئيس التحرير: عادل صبري 07:46 صباحاً | الاثنين 19 نوفمبر 2018 م | 10 ربيع الأول 1440 هـ | الـقـاهـره 26° صافية صافية

الانقلاب الشامل ليس له إلا المقاومة الشاملة

الانقلاب الشامل ليس له إلا المقاومة الشاملة

04 أكتوبر 2015 13:16

قلت: إن الثورة لم تمت، تعلو وتزهو وتتقدم وتنجز، ثم تهدأ وتخبو وتتراجع وتتعب، تصيب وتصاب، الثورة سجال يوم لها ويوم عليها غير أن العاقبة لها والأمور بالخواتيم.

وقلت إن الثورة ستنتصر عاجلًا أم آجلًا، فالمعركة مع الانقلاب ليست جولة واحدة يستعجل بعدها المنهزمون إعلان هزيمتهم ويثبطون الصامدين ويلحون عليهم في إعلان التراجع أو الاستسلام، وأن الثورة عبارة عن ملحمة طويلة عريضة، طويلة المدى والأنفاس والنظر، وعريضة القطاعات المشاركة فيها والمجالات القابلة للعمل عليها.

إننا بإزاء انقلاب شامل؛ انقلاب ليس عسكريًا فقط أو سياسيًا وحسب، إنما لشدة فجوره وتفحشه وتجبره، يأبى إلا أن يطال كل مجالات الحياة وكل قطاعات الشعب يريد أن يجعل من الوطن حظيرة ومن المواطنين قطعانًا يجرها إلى استعباده واستبداده ومطامعه جر البهائم.. الانقلاب حالة شمولية لا تقف عند الاستبداد السياسي أو الفساد السياسي والإداري، بل هو انقلاب في كل مظاهر حياة الشعب.

ونموذج الانقلاب الذي نشهده اليوم جدير بدراسة علمية خاصة أو بمشروع بحثي كبير يتلمس مقوماته الاستبدادية وخصائصه الشمولية، دراسة تقف على عوامل التأسيس والتسيير والتأثير في هذا الانقلاب، قابليات الانقلاب لدى مؤسسات الدولة العميقة، وقابليات التوحش في العسكر والشرطة، وقابلية التفحش والابتذال والسفاهة في إعلامه وقضائه وراقصيه وطبّاليه وزمّاريه.

نحن أمام انقلاب في الدين يجعل من الدين محكومًا خادمًا، لا مخدومًا حاكمًا، يعلن فيه عالم السلطان السمع والطاعة لجاهل لا يعلم من واجب الدين شيئًا، بدلًا من أن يطالبه بالسمع والطاعة لتعاليم الدين التي تأمر بالعدل والإحسان وتنهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، انقلاب في الدين يجعل من الدعوة دعاية ومن العلماء عملاء، ومن السفيه المعتوه نبيًّا ورسولًا أو من القاتل السفاح شبيهًا لعمر بن الخطاب، انقلاب يجعل من الراقصات نماذج فاضلة يتمنى الشيخ ويدعو الله أن يحشره معها، بينما الدعاة وأهل الخير الذين لم يثبت عليهم فساد خوارج وشياطين يتعوذ بالله منهم.

الدين صار- بكلام المنقلب- دين الدولة بدلًا من أن تكون الدولة دولة الدين بقيمه ومبادئه ومقاصده، ومقاومة الظالمين والدعاء عليهم متاجرة وخروج وفتنة بينما الالتحاف بالظالمين ليس متاجرة ولا منافقة بل واجب ديني ووطني! تبديد الدين يسمى تجديدًا والمجددون يطاردون بالتطرف والتشدد والتكفير.. الانقلابيون يكفرون ويخوِّنون كل من خالفهم ثم يصرخون: تكفيريون.. تكفيريون!!

انقلاب في السياسة: فالعسكري صار مدنيًا والمدني متعسكرًا، والانقلاب ديمقراطية والديمقراطية انقلاب، والمعتقلات فنادق والوطن معتقلًا كبيرًا، والمغتصب البلطجي الكذاب صار بطلًا وطنيًا منقذًا والرئيس الوطني المنتخب الصالح توجه إليه تهم التخابر واستعراض القوة وقتل أنصاره!! والقتل خارج القانون صار قانونًا والاستباحة مباحة، والقانون إرهابًا والإرهاب قانونًا، والدستور في خبر كان، والأحزاب المدنية ثكنات لمخلفات العسكر، والانتخابات صارت سويقة لبيع كل ضمير وشراء كل ذمة، والإعلام أداة تحريض وتعريض الوطن للخطر، والقضاء محفلًا للمظالم التي يندى لها الجبين، وسيناء بلا مصر ومصر بلا سيناء، ثم يقف المنقلب وأبواقه ويرددون: حريات.. حقوق.. ديمقراطية.. تحيا مصر.


انقلاب في الاقتصاد: فرجال الأعمال صاروا إمعات وطبالين مهمتهم تمويل فناكيش الزعيم الكاذب، والصفقات صارت على المكشوف، وسرقة المال العام والثروات الاستراتيجية صارت مقننة لا مقنعة، ولصوص مبارك عادوا بفسادهم ونهمهم، والغاز يُعاد بيعه للصهاينة بدون خجل ولا وجل، والفناكيش القومية تملأ الأجواء بلا حرج ولا حياء، ودول لا حجم لها تتحكم بمصر وتشتري فيها وتبيع كما تشاء، أموال تدخل وتخرج مثل الرز بلا رقيب ولا حسيب، ودهس للمواطن محدود الدخل حتى الرمق الأخير بلا رحمة ولا عقل.. ثم يطالب بالهتاف: تحيا مصر!!

أما الانقلاب في المجتمع فحدث عنه ولا حرج: تقسيم الوطن باسم حماية الدولة والوطن، إثارة الفتنة والفرقة بين المصريين وتحريض بعضهم على بعض ليكون نصف الشعب مخبرين مبلغين كيديًا عن النصف الآخر، ضرب الأخلاق والمثل والقيم، ونشر الرذيلة والابتذال والاستخفاف بكل ذي قيمة، جعل الراقصة أما مثالية، وقمع أفاضل الناس وفضليات النساء، تهميش المهمشين واضطهاد الشباب بدلًا من تمكينهم وتأهيلهم لقيادة الوطن.. إنه انقلاب غير مسبوق.

سياستنا الخارجية منقلبة على وجهها: تولي ظهرها للأمة وهويتها والتزاماتها، وتحاصر غزة وتحارب الشعوب في ليبيا وسوريا والعراق وتونس وكل مكان ظهرت فيه مطالب الحرية أو دعوة إسلامية، تتراقص بين قوى الشر بحجة المزايدة على بعضها ببعض وتتجاهل تقوية جبهتها الداخلية وتماسك مجتمعها لتكون قادرة على المشي في عالم الأقوياء والأعداء، إن أكبر معالم الانقلاب على مصر الوطنية والعروبة والإسلام ذلك التصهين المعلن الذي بات يحكم توجهاتها وعقيدتها الجديدة، حتى أعلن أن مهمته الخارجية الكبرى هي حماية أمن الكيان الاستيطاني العدواني ولو بتدمير سيناء وغزة ومصر كلها، ولو انهدم المسجد الأقصى على رؤوس المرابطين.


 أين الحل والبديل والمخرج؟!!!

إن الانقلاب الشامل لا يكافئه إلا مقاومة شاملة؛ مقاومة ذكية تتأسس على إبداع الشباب وتفكيرهم خارج صندوق الشائخين؛ مقاومة مركبة المستويات ومتعددة الأبعاد والمسارات.. مقاومة في كل مساحات الحياة من أجل الحياة.


نحتاج مقاومة سياسية تبدأ بالموقف الصحيح: الرفض التام لشرعية اللئام، الرفض ولو بالقلب (وذلك أضعف الإيمان)؛ أن تمتلئ معنوياتنا بكلمة (لا) كبيرة قوية قادرة على محو الانقلاب من نفوسنا ومن ثم من مستقبلنا.. مقاومة ترفض المشاركة في فناكيشه وألاعيبه السياسية كالانتخابات المتعسكرة..
ومقاومة اقتصادية ومالية بالمقاطعات وعرقلة مسيرة الفساد والإفساد وعدم مشاركة الشرفاء في التبرعات الوهمية ولا في شغل الحواة المخادعين..
ومقاومة حقوقية تفضح وحشيتهم وعدوانهم على كل معاني الإنسانية والآدمية.
ومقاومة مجتمعية تقوي من أواصر الصلة بين الناس وتواجه حملات صناعة الكراهية والفرقة.
ومقاومة بالاصطفاف بين كل من يؤمن بالثورة والحرية والوطن الواحد الجامع.
ومقاومة إعلامية لا تكف عن فضح مخازيهم وكشف عوارهم، مقاومة بالتكافل والتآزر.
ومقاومة بالوعي والتوعية: معركة الوعي والإرادة قلب المقاومة..


المقاومة الشاملة تعني أننا كثيرون ونملك الكثير، وقادرون على إيلام الانقلاب وهزيمته في مواضع متعددة، حتى يقضي الله تعالى أمر كان مفعولا.. (ويقولون متى هو؟ قل عسى أن يكون قريبًا).

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان