رئيس التحرير: عادل صبري 10:20 صباحاً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

فيزياء الحزن

الحياة 22 نوفمبر 2014 12:01

الدموع هي الوسيلة التي نستفرغ بها الاضطراب الناشئ عن عواطف تملّكتنا لموقف ما، وحينذاك سنجد الراحة النفسية او الجسدية. ان هذه الوسيلة - رغم بساطتها وفطرتها فينا - تستبطن عالماً من الفيزياء. نعم عالم من فيزياء الطاقة! قد نتفاجأ حين نعلم انه سبيلنا للارتباط بالآخرين، او وسيلتنا للدفاع عن باطننا من هجمات خفية.

 

أبدأ بالنتيجة، فالنفس الانسانية ليست جرماً صغيراً، بل فيها انطوى العالم الأكبر، كما عبّر سيد الخلق بعد رسول الله. وترتبط نفوسنا بما يحيطها من مخلوقات او تكوينات عبر الجسر السرمدي (الطاقة)، فلا يوجد ما يخلو منه او من حقل الطاقة، بل ان ما تراه الفيزياء الحديثة هو ان الطاقة هي ذاتها التي ستربطنا بعوالم أخرى في أبعاد مختلفة.

 

والطاقة تخـــضع - حسب قانونها E = hv - لتأثيرين أساسيـــين هـــما ثابت بلانك والتردد، ولأن ثابت بلانك h مقدار محــــدد يمثل أصغــــر وحدة للشغل، فالتأثير الأهم هو للتردد v. والتردد هو الاهتزاز الذي تعانيه تلك المكونات الطـــاقية حـــول نــــقطة ثابتة، حيث يزداد او يقل، وفقاً لتغيّر حالة المصــــدر، وبالنتيجة هو يؤثر في الحالة مرة أخرى، حيـــن يـــعود محمـّلاً بتأثيرات المحيط الطاقي المجاور، سلباً او ايجاباً، حيث تتفاعل تلك الطاقة مع شبيهتها في المحيط.

 

وبزيادة او انخفاض تردد الطاقة فينا او منّا سنحتاج الى معادل وموازن يعيدها الى ما كانت عليه او الى «فطرتها»، او يسمح بالوصول الى ترددات طاقية نافع، ولذلك أساليب من الداخل او الخارج، وأسهل ما سنجده حينها هي تلك الدموع الصادقة.

 

وفي الغالب نذرف الدموع خوفاً او تمنيّاً، وكلاهما يكونان وليدين للأنانية والفردية لدى الانسان، وبالتالي لن يكون لتلك الدموع ما يكون للدموع السامية، التي تنعكس عن تأثرنا بموقف نبيل او المصاب الذي يقع لأناس طيبين.

 

زبدة العلوم الحديثة هي الفيزياء، وزبدة الفيزياء كانت متمثّلة في نظريتي «ألكم» و «النسبية»، والثانية هي التي جعلت لأينشتاين اسماً عالمياً شبيهاً بما في الأساطير، وهاتان النظريتان تم توحيدهما في نظرية لها خمسة صور رياضي، هي نظرية «الأوتار الفائقة»، والتي تم اختزال صورها الخمس في لوحة واحدة من قبل الفيزيائي أد ويتن سماها «النظرية M»، أخذت على عاتقها تفسير كل شيء في الكون، ما دون الذرة وحتى المجرات الكبرى، لتعانق في طريقها نظرية «الانفجار الكبير» التي تفسر بداية فتق الكون.

 

افترضت النظريات أعلاه في النهاية ان الأساس في وجودنا - عند المستويات دون الذرية المتناهية في الصغر - هي حلقات الطاقة الوترية، المفتوحة او المغلقة، والتي تتراقص بترددات معينة لتشكل كوناً محدداً، وهي ذاتها ربما من يحافظ على نسيج الفضاء من التمزق، ذلك النسيج الزَمَكاني.

 

انتهت التنظيرات التي تحدثت عن النظرية الموحدة m الى افتراض وجود عوالم متعددة، سمتها «الأكوان المتوازية»، والتي سيكون لكل منها قوانين خاصة، ومشهد من الطاقة مختلف. لكن الافتراض المهم ان هذه العوالم متقاربة الى ما يشبه الاندماج، وتكون فيها الكائنات في مكان واحد وزمان واحد، لكن في بعدين فيزيائيين او أكثر. الرابطة التي يُحتمل اختراقها لكل تلك العوالم هي الطاقة، والمرشح الأكبر لتلك المهمة هي الجاذبية، وهذا ما يفسر ضعفها في كوننا على الأقل كما يفترضون.

 

اذا ثبت فعلاً ان هناك كائنات عاقلة في أبعاد أخرى وكانت تسبقنا وجوداً بنحو قرن من الزمان فهي حينها ستكون قادرة على التأثير فينا ربما بما لا ندرك، من خلال تطويرها لتكنولوجيا خاصة بها، او من خلال حقل الطاقة المشترك بيننا، وذلك القرن يمثل الفترة الزمنية التي انتقلنا فيها كبشر من مستوى تطبيقات قوانين نيوتن البسيطة الى مستوى قوانين ألكم المعقدة تكنولوجياً، وبذلك فَلَو كانت تلك الحضارات في أبعاد اخرى تسبقنا بآلاف السنين سيكون تصور ما تملك من تقنية أمراً مرعباً.

 

ان هذه المقـــدمة العلمـــية كانــــت ضرورية لمعرفة تأثيرات العـــوامل النفسية والذهنية على ما نعيشه من اعتقادات، وبالعكس. وهي ضرورية ايضاً لأدراك أهمية الكثير من الطقـــوس التي أمرت بأدائها الأديان السماوية، من دون ان يكـــون للإنسان وعي كامل بغاياتها الباطنية. من المهــــم ان نعرف اذا كنّا فعلاص عرضة لتأثيرات تلك العوالم، وما هي الآليات التي تُستخدم ضدّن، وهل هناك من وسائل دفاع عن النفـــس؟ فربما يكتشف العلم ذلك الأمر متأخراً، وهو يسير بطيئاً نسبياً، لكنّنا - كمؤمنين على الأقل - نعتقد بأن الله خالقنا لن يتركنا لجهلنا، وهو من تكفّل توفير آليات الدفاع عن بني الانسان، وترك لهم معرفة الحقيقة تدريجياً.

 

ان هذا الكون المتناسق والمتضمن لتعقيدات ذكية، لا يمكن لنا الا ان نتصور مصمماً ذكياً أوجده، ولذلك الأمر استدلالاته وحججه المنطقية العقلية، ودلائله الأنفسية والافاقية. والعقل يحكم بان الاله الذي يوجد الموجودات لن يتركها لجهلها، وإلا كان العدم أفضل من عبثيته، وتعالى الله عن ذلك عُلُوًّا كبيراً. فكان من اللازم عقل الإيمان بالرسالات الإلهية، التي فتحت للإنسان آفاق المعرفة، ودلّته على مفاتيح العلوم، مع مراعاة تدرجه العقلي والحضاري، بما يكفل تحقيق الغاية من وجوده في كل زمان. لذلك تضمنت تلك الرسالات شرائع تنظم الحياة المدنية الظاهرية للإنسان، وطقوساً تنظم الحياة الباطنية والمعنوية له.

 

من تلك الطقوس التي تضمنتها الرسالات السماوية الدعاء والبكاء والحضور الى الأماكن المقدسة في أزمنة خاصة. وهي نافعة في تربية الانسان، ويكفي ظاهرها في إعادته الى جادة الصواب وتوفير الاتزان وتهذيب النفس، ليتحصل أخيراً مجتمع منضبط، خارج من حد البهيمية الى حد الانسانية الرسالية.

 

لكن كان هناك - بحسب تلك الرسالات - كائنات أخرى بعيدة من الانضباط، ومتكبرة الى حد حبّ السيطرة والاستحواذ على الآخرين، وتشعر بالحقد على من يذكّرها بأنها طاغية جبّارة، او يرفض الاستجابة لأطماعها، فتعمل على إيذائه مادياً ومعنوياً.

 

ان الأديان سمّت تلك المخلوقات السيئة بالشياطين، فيما سمّت المخلوقات الخيّرة بالملائكة. ولن نناقش في تفاصيل حقيقة تلك المخلوقات، لأننا - كمؤمنين - نعتقد بوجودها من جهة، ولأن العلوم المعاصرة تسير باتجاه الاعتراف بوجودها من جهة أخرى، بل ان هناك مشاريع للبحث عن كائنات ذكية فعلاً تقودها مؤسسات بحثية دولية.

 

البحث ليس موجهاً لمناقشة تلك المخلوقات في أبعاد أخرى، بل لمعرفة تأثيراتها وآلياتها ونتائجها، والسبل التي وفرتها الأديان للتعامل مع تلك التأثيرات بما يحقق النفع لبني الانسان.

 

وبما ان الطاقة هي الطريق المفترض للربط بين جميع هذه العوالم - والطاقة تخضع لمستوى التردد- فإن الآلية المُحتملة لاختراق الانسان والنفاذ الى أعماقه ستكون عبر التلاعب بتردداته الطاقية، التي تتحول الى شعور، ومن ثم الى سلوك.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان