رئيس التحرير: عادل صبري 03:26 مساءً | الجمعة 17 أغسطس 2018 م | 05 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

حياة الدمشقيين.. ظلمات بعضها فوق بعض

حياة الدمشقيين.. ظلمات بعضها فوق بعض

مصر العربية - خاص 09 يناير 2014 11:50

تنقسم "دمشق" إلى أماكن مظلومة يقطنها أغلب الشعب، وأخرى راقية يقطنها كبار المسؤولين، والضباط، وأصحاب النفوذ، تلك الأماكن يوجد فيها أفرع أمنية مهمة، معفاة إلى حد كبير من العقاب، وفى حال انقطاع الكهرباء فيها يكون لفترات قصيرة جدا، إضافة إلى وجود البدائل الجاهزة للعمل بنفس لحظة الانقطاع.

 

مرفهون ومعدمون

مناطق أخرى أقل أهمية تنقطع فيها الكهرباء بمعدل يتراوح بين 4 إلى 8 ساعات يوميا بموجب ساعات تقنين واضحة (وقت محدد للقطع، ووقت محدد لعودة التيار الكهربائي).

 

الفئة الثالثة، لا تحظى بهذا الحق لأسباب متعددة من بينها: إما الرغبة بدفع الأهالى لإخلائها، أو عقابا لهم لاستضافتهم نازحين من مناطق أخرى متضررة، أو أنها غير مؤيدة للنظام.. بالمحصلة هى وسائل للضغط على المواطنين فى هذه المناطق والتضييق عليهم. وفى تلك المناطق يراوح انقطاع الكهرباء بين 16 إلى 20 ساعة يوميا، ومناطق أخرى أياما متواصلة، وأخرى تصل إلى أسابيع!

 

إذن، الموضوع ليس مجرد تقنين كما يزعم البعض، أو نتيجة اندلاع الحرائق بالمحطات الحرارية واستهداف أنابيب الغاز، إنما هو إمعان فى الحصار والضغط على ما تبقى من نفس عند الناس.

 

تدفئة غائبة

بسبب البرد القارس فى فصل الشتاء، يعتمد أغلب السوريون على التدفئة الكهربائية، نتيجة عدم القدرة على استخدام البدائل "المازوت" إما لعدم توفره وصعوبة الحصول عليه، أو لغلاء سعره.

 

وفى مثل هذه الظروف، فمن الطبيعى أن تجد أكثر من 80% من السوريين اليوم يواجهون أقسى شتاء يمر على المنطقة منذ أكثر من عشرين سنة بدون تدفئة أثناء فترات انقطاع الكهرباء التى تراوح بين ساعات وأيام متواصلة.

 

ومن المؤكد أن غياب التدفئة وعدم إمكانية تأمين البدائل يتمخض عنه نتائج قاسية خاصة على الأطفال وكبار السن والمرضى، ولكن لا تقف التأثيرات السلبية عند هذا الحد، فانقطاع الكهرباء لفترات طويلة عطل الكثير من المهن، والعديد من أصحاب المحلات أغلقوا بشكل كامل لعدم إمكانية تأمين البدائل.

 

شلل حياتي

ومع غياب ضوء النهار وإغلاق المحال التجارية والأسواق وقطع الإنارة عن الأحياء الدمشقية وحتى الطرقات تصبح الحياة شبه معدومة فى الشوارع، وتخف حركة السير بشكل كبير، وحركة المارة "المشاة" تصبح شبه مشلولة نتيجة الخوف من الحوادث فى مثل هذه الظروف (الخطف، السرقة، والتحرش. إلخ) فى ظل الانفلات الأمنى وغياب القانون ومطبقى القانون.

 

لذلك تجد أن معظم الناس فى هذه المناطق تكون فى بيوتها مع مغيب الشمس أو بعد بقليل، تعود لتعيش عزلة لا يشعر بها إلا من يجربها فعلا.. لا كهرباء أى لا يوجد تليفزيون، لا إنترنت، وغالبا لا موبايل.. انقطاع عن العالم الخارجي، يتقوقع المواطن على نفسه، لا يسمع من الخارج سوى أصوات الرصاص والمدفعية والصواريخ، وتقل الخيارات المتاحة أمامه لعمل أى شيء يمكن أن يساعده على البقاء حيا من الداخل يوما بعد يوم.

 

الطالب السورى الذى مازال قادرا على متابعة دراسته فى مثل هذه الظروف المستحيلة (الشواحن والشموع) يستحق أكثر من مجرد شهادة دراسية آخر العام، يستحق شهادة أسمى بأنه إنسان ويستحق أن يحيا.

 

معاناة نفسية

ما ذكرناه كان غيضا من فيض يسلط بعض الضوء على المعاناة الحياتية اليومية التى نعيشها فى الداخل السورى، والتى تحمل أبعادا أخرى لن ندخل بتفاصيلها كاملة، لكن ما نود لفت النظر إليه البعد النفسى لهذا الظلام اليومى المستمر وما يترتب عليه من اكتئاب يخيم على الجو العام.

 

 فالإنسان أولا وقبل كل شيء يشعر بالعجز تجاه كل ما يحدث من حوله، وأنه لا حول له ولا قوة ولا يستطيع عمل أى شيء تجاه هذا العجز، ويفقد ثقته بنفسه وبقدرته على العطاء تدريجيا وكأنه شخص غير ذى أهمية وأنه غير منتج فى هذه الحياة.

 

وثانيا، الإنسان فى الظلمة لا يستطيع أن يرى ويميز الأشياء بوضوح، وهذا لا ينطبق فقط على الأشياء الخارجية، وإنما أيضا يتأثر من الداخل ويصبح مع الوقت غير قادر على اتخاذ القرارات أو التفكير بشكل صحيح وصاف دون تشويش أو ضبابية.

 

ونحن اليوم أكثر ما نحتاجه هو التفكير النقى واليقظة الكاملة والصفاء الذهنى حتى نستطيع تجاوز هذه المرحلة المؤلمة والصعبة، حتى يكون بمقدورنا مواصلة العمل من أجل الوصول إلى حياة تليق بنا كبشر، تحترم الإنسان وأبسط حقوقه الأساسية: الحياة، الحرية، والعدل.

 

اقرأ أيضا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان