رئيس التحرير: عادل صبري 04:21 صباحاً | الأربعاء 26 يونيو 2019 م | 22 شوال 1440 هـ | الـقـاهـره °

عمر الخيام.. صاحب الرباعيات الأشهر عالميا.. المتهم بالكفر

عمر الخيام.. صاحب الرباعيات الأشهر عالميا.. المتهم بالكفر

منوعات

عمر الخيام

عمر الخيام.. صاحب الرباعيات الأشهر عالميا.. المتهم بالكفر

أحلام حسنين 18 مايو 2019 13:42

رجل عجوز ذو لحية بيضاء يستند بظهره على جزع شجرة وعلى ركبتيه كتاب مفتوح، هذه صورة ستصادفك عند فتح صفحة جديدة على مؤشر البحث جوجل، فهكذا يحتفل "جوجل" بذكرى ميلاد "عمر الخيام" الـ 971 عاما، فمن يكون هذا الرجل؟.

 

 

"عمر الخيام" هو فيلسوف وشاعر فارسي مسلم، وأول من اخترع طريقة حساب المثلثات والمعادلات الجبرية من الدرجة الثالثة بواسطة قطع المخروط، ووضع التقويم الهجري الشمسي، وهو أيضا صاحب الربعيات المشههورة التي تُرجمت للعديد من اللغات، وكانت سببا في شهرته حتى بعد مرور القرون على رحيله. 

 

واختلف البعض حول "عمر الخيام" فرغم رباعياته التي اكسبته شهرة عالمية، واهتم الغرب بطباعتها ونشرتها وترجمتها إلى عدة لغات منها الإنجليزية، والفرنسية والروسية والألمانية وغيرها، إلا أن هناك من يتهمه هذه الرباعيات بأنها مليئة بالكفر والإلحاد والدعوة إلى الرزيلة، وفي السطور التالية نتعرف أكثر على "عمر الخيام".

 

نشأته وبراعته

 

اسمه الحقيقي هو "غياث الدين أبو الفتح عمر ابراهيم الخيام، وُلد عام  1047 ميلادية في نيسابور عاصمة خراسان بإيران، ولم يكشف العالم عبقريته الشعرية في رباعياته إلا بعد 700 سنة من وفاته في نيسابور عام 1123 ميلادية.

 

برع عمر الخيام في كل من الشعر و الفلسفة و الجبر وعلوم الرياضيات كما كان علامة عصره، فقد جمع الفلك مع الفقة و الطب مع القرآن الكريم و الفلسفة مع علوم اللغة المختلفة.

 

عبقريته في "الرياضيات"

 

تتلمذ عمر الخيام على يد ابن سينا،  وانضم "الخيام" في مطلع عقده الثاني إلى إحدى القوافل التي تنظم رحلة مدتها ثلاثة أشهر من نيسابور إلى سمرقند، التي تقع اليوم في أوزباكستان، وكانت مركزًا للمنح الدراسية، وهناك تواصل مع أبو الطاهر صديق والده القديم الذي كان حاكم وقاضي المدينة، وسرعان ما اكتشف أن لديه موهبهٌ غير عادية في علم الأرقام، فوظفه في مكتبه.

 

وفيما بعد حصل الخيام على وظيفةٍ في خزانة الملك، وقد أحرز تقدمًا كبيرًا في علم الجبر أثناء إقامته في سمرقند .

 

علم الخيام أنّه ليس من الممكن حل المعادلات التكعيبية باستخدام أدوات الهندسة اليونانية القديمة كالبوصلة والمسطرة وهناك حاجة إلى أساليب أخرى .

 

وفي عام 1070 نشر الخيام واحدة من أعظم أعماله، وهي رسالةٌ حول إظهار مشاكل الجبر والموازنة، أظهر فيها أن المعادلة التكعيبية يمكن أن يكون لها أكثر من حلٍ واحد، وأوضح أيضًا كيف يمكن استخدام القطوع كالقطع المكافئ والدوائر لإعطاء حلول هندسية للمعادلات التكعيبية.

 

كان أرخميدس قد بدأ بالفعل بالعمل في هذا المجال منذ أكثر من ألف عام، عندما واجه مشكلةً محددة في العثور على نسبه حجم جزء إلى آخر ضمن مجالٍ معين.، فيما نظر الخيام في هذه المشكلة بطريقةٍ أكثر عمومية ومنهجية، وتجنب المعادلات السلبية والحلول السلبية، لأن الأعداد السلبية لم يكن معترفًا بها في الرياضيات الإسلامية.

 

في عام 1073 تلقى الخيام دعوةً الى مدينة أصفهان الفارسية، عاصمة الإمبراطورية السلجوقية، لإعداد جدولٍ زمني من شأنه أن يعمل بطريقةٍ دقيقة إلى الأبد، وكان هذا هو العصر الذي تحدد فيه طول السنة بشكلٍ دقيق ومنتظم. تمت دعوة الخيام من قبل الرجلين الأكثر سلطة في الإمبراطورية السلجوقية والتي كانت بلاد فارس جزءًا منها، وهما ملك شاه سلطان الإمبراطورية، ووزيره نظام الملك.

 

التقويم


كما وضع "الخيام" تقويما سنويا بالغ الدقة، كان أكثر دقة من ذلك الذي وُضع قبله بخمسة قرون، وقد تولى الرصد فى مرصد أصفهان، وقد طلب منه السلطان ملكشاه سنة 467 هـ/1074 م مساعدته فى تعديل التقويم الفارسى القديم.

 

وكان السلطان ملك شاه  قد مول مشروع عمر الخيام من أجل إنشاء مرصدٍ فلكي لمراقبة السماء خلال 30 عامًا، وخلال هذه المدة كان زحل (الكوكب الأبعد المعروف وقتها) سيكمل مداره. خلال فترة عمله في أصفهان وجد الخيام أن طول السنة الاستوائية 365,2422 يومًا.

 

قدم السلطان مالك شاه تقويم عمر الخيام الجديد للامبراطورية السلجوقية في 15 مايو، ولا يزال مستخدمًا حتى يومنا هذا.

 

 

جدل "الرباعيات"

 

اشتهر الخيام أيضا بـ"الرباعيات"، وهو عبارة عن مقاطع شعرية يتكون كل منها من بيتين شعريين وله جزآن، وهي إلى الآن تعد قضية قائمة عليها اختلاف، فالبعض يرى أنها نداء للاستمتاع بالحياة، وآخرون ينظرون إليها من منظور صوفي، وفريق ثالث يرى إنه يعزز النظرة التشاؤمية، وفريق رابع يصفها بـ"الكفر والإلحاد".

 

لا أحد يعرف رقم رباعيات الخيام بالتحديد، حيث أنه من المعتقد أن هناك رباعيات عديدة قد قام شعراء لاحقون بإضافتها للمجموعة الأصلية، ومع ذلك، فقد نسِبت إلى عمر الخيام عدد 1,200 إلى 2,000 رباعية.

 

جعلت "الرباعيات" من الخيام شخصيةً عالميةً شهيرة عرفها الأوروبيون قبل العرب، فقد ترجم السير إدوارد فيتزجيرالد رباعياته إلى الإنجليزية.

 

ويرى المؤرخون أن "رباعيات الخيام"  لعبت دورًا كبيرًا في الاستشراق وانتشاره بين أوساط الباحثين الأوروبيين، الذين بدؤوا يتطلعون بشغفٍ نحو شرقٍ كان إلى حدٍ قريب مجهولًا بالنسبة لهم.

 

وقد نظر الدارسون إلى الرباعيات الفارسية على أنها مدرسة تجعل من الخيام نظام معرفة وفكر عميق على مدار التاريخ لا مجرد إنسان معتاد بعدما أضنى أرواح الفلاسفة وأذهان المتعلقين بدوامة من الأسئلة الصعبة المتعلقة بأسرار الكون.


وترجم رباعيات الخيام عدد من المشاهير في الأدب العربي الحديث، منهم محمد السباعي وعباس العقاد؛ إلا أن أشهر ترجمة هي للشاعر أحمد رامي ولحنها رياض السنباطي، وغنتها أم كلثوم.


ويرى أكاديميون أن أحمد رامي ليس مترجما للرباعيات وفقط، ولكنه استلهم أفكارا من فلسفة الخيام ونظمها.


وصاغ رامي كتاباته على شكل مقاطع صغيرة يتكون كل منها أربعة شطور على قافية واحدة ماعدا الثالثة منها، في قالب جديد للقصيدة العربية أقرب للزجل منه إلى الشعر العمودي.

 

"كفر وإباحية"

 

وفي المقابل اختلف الكثير حول نسب الرباعيات إلى " الخيام"، فهي مقطوعات شعرية نظمها الخيام بالفارسية وترجع شهرتها منذ القرن التاسع عشر إليها، ولم يعرف عنها العرب شيئا إلا بعد أن ترجمتها على يد الأديب الإنجليزي "إدوارد فيتز جيرالد" عام 1854 من الفارسية.

 

وترجم "الرباعيات إلى العربية الشاعر البناني وديع البستاني عام 1912، قبل أن يترجمها من الفارسية إلى العربية الشاعر أحمد رامي عام 1923، فأول ما ظهرت الربعيات كانت بعد رحيل "الخيام" بنحو ثلاثة قرون ونصف عام 865 هجريا.

 

هناك فتاوى صدرت من بعض المشايخ بتكفير "الخيام" لما جاء في الرباعيات المنسوبة له، منهم الشيخ محمد المنجد، الذي وصفها بأنها مليئة بالكفر والزندقة والإباحية.

 

ولفت المنجد إلى أنه هناك بعض الباحثين أيضا كـ"الزركلي" ذكروا أن "الخيام" تاب بعد ذلك وحج بيت الله، وأن بعضهم كـ"عبد الحق فاضل" شكك في نسبة الرباعيات لـ"الخيام".

 

ويقول المنجد:"وعلى كل حال : فالرباعيات لا تدل على أنه تاب، لأن فيها المجاهرة بالكفر والتحلل من الفضائل، وفيها التبرِّي من التوبة والإنابة ، بل لا تدل على أن صاحبها يؤمن بالله واليوم الآخر، والتشكيك في نسبتها إلى الخيام لا يقْوى مع كثرة من نسبها إليه ودلَّل على ذلك، والله أعلم بالحقائق".

 

تبرئة "الخيام..منسوبة إليه

 

وفي المقابل يقول الباحث بكري شيخ أمين، في مقال نشرته مجلة الحج عدد محرم  1427هجريا، إن هذه الرباعيات نُسبت للخيام ولكنه لم يؤلفا، مؤكدا أنه لا يمكن إنسان كـ"الخيام" كان على هذا القدر من العلم والخلق والزهد، والتقوى، والحكمة، وحسن مجالسة وعارفوه بتلك الأوصاف الرائعة، أن يكون ملحدا أو يدعو للكفر.

 

وأشار "أمين" إلى أنه لم يقل أحد من تلاميذ "الخيام" وشيوخه وأصحابه ورفاق دربه إنه كان زنديقاً، أو سكيراً، أو منحرفاً ، حتى الشعر ذكروا أن له عدداً من الرباعيات في الزهد لا تزيد على بضع عشرة، جميعها أشادت به، وعرضت أشعاره بالعربية والفارسية، وهي قليلة ومحدودة، لا تتجاوز معاني الزهد، والشكوى من الأصحاب غير الأوفياء، والفقر، وهموم الحياة، والإيمان الكامل بالله الواحد الأحد، الفرد الصمد. 

 

واستشهد الباحث بما في ترجمة حياته بتلك الكتب التي كتبت في حياته، والكتب التي كتبت بعد وفاته بقليل، منها: (جهار مقاله) لتلميذه أحمد بن عمر النظامي السمرقندي و(حواشي جهار مقاله) و(الزاجر للصغار عن معارضة الكبار) للزمخشري، و(حكماء الإسلام) للإمام أبي القاسم البيهقي، و(جامع التواريخ) لرشيد الدين، وجميعها أشادت به، وعرضت أشعاره بالعربية والفارسية القليلة والمحدودة. 

ويؤكد الباحث أن هذه الرباعيات ليست من أشعار "الخيام"، وأن رباعيات الخيام العربية المغناة بالعربية، والتركية، والأوردية، والفرنسية، والروسية، وسائر اللغات الأخرى ما هي إلا ترجمة لرباعيات فيتز جيرالد، وليس لعمر الخيام الحقيقي يد فيها، وهو بريء منها براءة الذئب من دم ابن يعقوب.

 

أثر "الرباعيات" في الشعراء

 

تأثر بالخيام وأفكاره شعراء وأدباء في مختلف أنحاء العالم، كما أنها ألهمت عددا كبيرا من الشعراء والكتاب خاصة العرب بعد أن ترجمت إلى العربية حوالي 15 مرة وتأثر بها شعراء من أجيال النهضة وبالذات شاعرا المهجر الكبيرين إيليا أبو ماضي، ونسيب عريضة اللذان استلهما مضمون الخيامية وما تحمله من شك وحيرة وقلق.


كما تأثر بالخيام الشاعر الإنجليزي فيتز جيرالد الذي ترجم أعماله ليطلع الأوربيون والأمريكيون والهنود على نبوغه وإن كانت الصورة التي قدمت عن الخيام صورة ماجنة حسب الدارسين.

 

إضافة إلى ذلك نجد الشاعر البنغالي الشهير القاضي نذر الإسلام أكبر المتأثرين الدارسين لفكر الخيام، وإليه تعود أهم موضوعات الخيام التي كتبت بالنبغالية، كما انتشرت أغاني هذا الشاعر بصورة مدونة في القرن العشرين في طاجيكستان وترجمت إلى غالب لغات الاتحاد السوفياتي سابقا.

 

وفاته

 

ومن أشهر أقول عمر الخيام:"عِشْ راضيًا واهجر دواعي الألم، واعدل مع الظالم مهما ظلم، نهاية الدنيا فناء، فَـعِشْ فيها طليقًا واعتبرها عدم"، "إلهي قلّي من خلا من خطيئةٍ....وكيف يا ترى عاش البرئ من الذنب، إذا كنت تجزي الذنب مني بمثله....ما الفرق ما بيني وبينك ياربي".

 

وهكذا عاش الخيام معظم حياته بين نيسابور وسمرقند، حتى أصيب بحمى بعد  وفاة ملك شاه ونظام الملك،  وبعد أن تعافى منها، حجّ إلى مكة، وعاش في عزلةٍ سنين حياته الأخيرة، حتى توفى عن عمر ناهز الـ 83 عاما في بلدة نيسابور في 4 ديسمبر عام 1131.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان