رئيس التحرير: عادل صبري 09:32 صباحاً | الأربعاء 19 سبتمبر 2018 م | 08 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

«القبقاب» المصري.. رنَّة تتوارى خلف المجهول

«القبقاب» المصري.. رنَّة تتوارى خلف المجهول

منوعات

القبقاب

«القبقاب» المصري.. رنَّة تتوارى خلف المجهول

متابعات 29 أكتوبر 2017 19:08

يطرق الصانع المصري الستيني، نور عبد القادر، حذاءً خشبيا بآخر، فيُصدر رنة شهيرة، داخل ورشته المتهالكة بحي الغورية، وسط العاصمة المصرية القاهرة؛ صوتٌ في صداه تاريخ صناعة "القبقاب"؛ الحذاء الأشهر في عصور سابقة قديمة.

و"القبقاب" حذاء مصنوع من قطعة مستوية من الخشب، تعلوها قطعة من الجلد السميك؛ يكون أحيانا من إطار السيارات "الكاوتش"، مثبتة من الجانبين بصفيحة معدنية و"مسامير قبقابية".

تاريخ "القبقاب" في مصر يرجع إلى عصر الفاطميين (909-1171م)، إذ كان يُنتعل بكثرة في المنازل والحمامات الشعبية لمنع الانزلاق.

وارتبط "القبقاب" بالثقافة الشعبية المصرية؛ ففي عصر المماليك (1250-1517م)، كان سببًا في مقتل الملكة شجرة الدر سنة 1257م (حكمت مصر 80 يوما)، والتي قيل إنها ماتت ضرباً بالقباقيب.

و"القبقاب" يتميز برنة عالية يصدرها عند المشي، وهو ما دفع مطربون مصريون بارزون للغناء له؛ أبرزهم "دلوعة" السينما المصرية المطربة شادية (مواليد 1931) التي غنت "رنة قبقابي يأمه (يا أمي) رنة قبقابي وأنا ماشية يأمه بتميل رأسي".

وكذلك أغنية المطرب المصري عبد العزيز محمود (1914-1991م) "يا أسمر يا جميل" التي يقول فيها: "يا اللي كعابك فوق قبقابك ورد في ميه (مياه)".

** رنة تتوارى
يجلس "نور"، وسط أكوام من الخشب مختلفة الأحجام والأوزان، في ورشته التي يرجع تاريخها إلى أوائل القرن الماضي، وبجواره ماكينة لتقطيع "القباقيب" وتفصيله، يحول بأنامله قطع الخشب الخشنة إلى "قباقيب" ناعمة.

وبنبرة حزن شديدة يقول: "كنت أحد أهم موردي القبقاب للصعيد (جنوب) والفلاحين (ينتشرون في القرى) وكل أنحاء مصر، أما الآن فانتظر مجهولا لا أعلمه".

ورث "نور" مهنة صانع "القبقاب" من والده تاجر الأخشاب، الذي عمل في المهنة من منتصف القرن الماضي، إلا أنه فضّل في بدايات حياته السفر إلى أوروبا، قبل أن يعود إلى القاهرة، ويتعلم المهنة المستمر فيها منذ ما يزيد عن 20 عامًا.

وعن مراحل تكوين القبقاب يقول: "تبدأ صناعته بإحضار الخشب المطلوب، ونقوم بتقطيعه إلى نصفين متساويين بالمنشار، بحسب مقاس القدم، على آلة تقطيع حديدية، وبعدها نزيل الزوائد الخارجية من الجانبين ومن الأمام والخلف".

"ثم نركّب قطعة من كاوتش (إطار السيارات)، أعلى القطعة الخشبية، ونثبتها بقطعة صفيح بمسامير قبقابية"، يتابع نور.

وعن أنواع الأخشاب المستخدمة، يضيف: "هناك العديد من الأخشاب يصنع منها؛ مثل الكافور والجوز والمشمش والصفصاف والزان والمانجو والسيبانس والفيكس، وهي أرخص نسبيا من التوت واللبخ والسرسوع، ونجلبها من الفلاحين".

ويشير "نور" إلى أنه يستخدم خشب التوت و"السيبيناس"؛ بسبب انخفاض سعرهما، وهو ما يجعل هناك ربحا، على عكس خشب "الموسكي" غالي السعر، في حين أن "الكافور" لا يصلح؛ في ظل الجو لأنه يجعل القبقاب "معوجّا"، بحسب تعبيره.

ويؤكد هجر معظم صانعي القبقاب للمهنة، ولجوئهم إلى مهن أخرى، بسبب ضعف الإقبال على شرائه، والذي ينافسه حاليًا الأحذية المصنوعة من البلاستيك، مشيرا إلى أن عدد أصحاب المهنة في مصر حاليًا لا يزيد عن خمسة.

** مواسم الازدهار
وعن مواسم ازدهار بيعه في مصر يقول: "تعتبر المواسم الدينية المتمثلة في شهور رجب وشعبان ورمضان، أكثر أوقات بيع القبقاب، إذ يشتري بعض الناس كمية كبيرة تصل 100 قبقاب ويتبرع بها للمساجد".

ويؤكد "نور" أن المواطنين لا يقبلوا حاليًا على شراء القبقاب لاستعماله في المنزل، وأنه اقتصاره أصبح فقط داخل المساجد للوضوء، رغم أن الأغنياء كانوا يشترونه من قبل.

وعن فوائد "القبقاب" الصحية والطبية، فيقول إنه معالج لمرض الروماتيزم (التهاب المفاصل)، وينصح الأطباء بارتدائه للذين لديهم حساسية في القدمين".

"ولا يتسبب القبقاب في التشققات الجلدية بأصابع القدمين، كما أنه عازل جيد للكهرباء"، بحسب قول "نور".

ويلفت صانع "القباقيب" إلى أن أسعاره تتراوح بين 10 إلى 25 جنيهاً، لكن الأعلى سعرا يتم تصنيعها حسب الطلب، إذ يتم تزيينها بالصدف والألوان لتعطي منظرا جميلًا.

ويستخدم المصريون حاليا أحذية بديلة "القبقاب" مصنوعة من مادة البلاستيك والجلد.

** القبقاب والأمل الأخير
ولا تعود ذكرى "القبقاب" وأغانيه وأشعاره إلى مصر فقط؛ بل له تاريخ في بيروت وإسطنبول ودمشق، وكان عادة يرتديه علية القوم في الأسواق والمنازل والمجالس الرسمية بأشكال متنوعة وفريدة.

ويقول محمد الجزيري، الباحث المصري في التراث والحضارة، إن "القبقاب" موجود في مصر منذ العهد الفاطمي.

وفي حديث للأناضول، يضيف الجزيري: "خصصت أسواق للقبقاب في الوطن العربي؛ أهمها في دمشق خلف المسجد الأموي، كما انتشرت أسواق أخرى في مصر".

ويؤكد أن المؤرخ العربي تقي الدين المقريزي (1364-1442م) ذكر "القبقاب" في غير موضع في كتاباته.

ويأمل أن تقيم الدولة معارض للحرف التراثية من ضمنها "القبقاب"، حتى تنعش هذه المهنة وتروج لها وتحيا من جديد. 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان