رئيس التحرير: عادل صبري 09:51 صباحاً | الأربعاء 20 يونيو 2018 م | 06 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 43° صافية صافية

فيديو..طبيبة رابعة: الجيش فجر أعضاء المتظاهرين

فيديو..طبيبة رابعة: الجيش فجر أعضاء المتظاهرين

ملفات

د.فاطمة بياض

في حوار مع مصر العربية:

فيديو..طبيبة رابعة: الجيش فجر أعضاء المتظاهرين

أجرى الحوار عبدالرحمن المقداد 12 سبتمبر 2013 15:09

حرص "مصر العربية" أن ينقل بكل دقة طوال الفترة الماضية روايات شهود العيان عن أكبر المجازر فى تاريخ مصر الحديثة، اليوم نحاور د.فاطمة بياض أستاذ جراحة المخ والأعصاب وإحدى طبيبات المستشفى الميداني برابعة العدوية والشاهدة على مجزرة فضّ الاعتصام.

 

بياض أكدت أن ما حدث يومها كانت "سادية" بكل ما تحمله الكلمة من معنى وتأكيدًا على أنهم لن يَدَعوا الشعب يرفع رأسه ثانيةً إلّا بإذن منهم.
وأضافت بياض في مقابلة خاصة مع "مصر العربية" أن ما رأته من إصابات كتفجيرات الدماغ والرأس وأعضاء الجسم لم تتخيّل أن تراه في حياتها، بل لم يكن أغلب الأطباء مستعدٌ لمثل هذه الإصابات المروعة، لكنها صورت الكثير منها، لعل أحدهم يخبرها أي أنواع الأسلحة استخدمها الجيش مع شعبه !.


تروي لنا بالكامل عن مجرزة الفضّ وكيف تعاملوا مع الجرحى والشهداء، والمفاضلة في الموت، وكيف استطاعت الهرب للحظات بعد اقتحام قوات الجيش والشرطة للمستشفى الميداني، وما شعورها تجاه كل ما مرت به وكيف تتجاوز كوابيسها، وعن توثيقها الشخصي للمجزرة وأشياء أخرى ...


**كيف تتم رفع حالة الطوارئ في المستشفى الميداني باعتصام رابعة بالإمكانيات البسيطة؟

 كنا نقسم العمل فيما بيننا، فالقاعة الرئيسية تستقبل الرصاص الحيّ، ثم أحد الأماكن لحالات الاختناق بالغاز، كنا نتناوب في حالات الطوارئ فعلى كل سرير طبيب كبير وآخر صغير بالإضافة للمساعدين أو أحد التمريض، وهناك أيضاً أحد أطباء الجراحة والعظام للمساعدة في حالات الكسر والتجبير، وكنا نخصصّ 3 أسرّة للحالات الحرجة، وهناك المسئولون عن نقل الدم وآخرون لنقل الجرحى وغيرهم للتوثيق والتصوير، نحن تعرضنا لحالات الطوارئ من قبل في مذبحتي الحرس الجمهوري والمنصة، إلا أننا لم نتوقع ما شاهدناه في مذبحة فضّ رابعة.


**كم كان عدد فريق الأطباء؟
 لا أستطيع أن أحدّد لك العدد بالضبط لكن كان هناك أطباء كُثر، حتى أنني رأيت عددا من أساتذتي لم أرهم منذ 10 سنوات، ولم أتخيل أنني في يوم من الأيام، أن أقابلهم في وضع وظروف خطرة كالتي مررنا بها، العدد كان كبيراً وكان زملائي يهاتفونني يريدون المشاركة، فأخبرهم أن يبقوا في مشافيهم لأننا سنتواصل معهم عندما نرسل لهم الإصابات التي ترفضها العديد من المستشفيات لكنني لم أتخيل يوماً أننا لن نستطيع أن نُخرج المصابين من رابعة أساسًا.


**هل وجدتِ تشابها بين الإصابات في مجازر الحرس والمنصة وفضّ رابعة؟
 أمتلك العديد من الصور لمذبحة الحرس الجمهوري أغلبها لرصاص قناصة في الرأس مباشرةً، وكنا مذهولين أن يصل به الأمر لضرب المعتصمين برصاص القناصة، أما ما حدث يوم مذبحة رابعة فهو مختلف تماماً، لا مقارنة إطلاقاً.


**هل تواجدتِ منذ بداية الفضّ؟ إحكِ لنا ما تم في هذا اليوم؟
 توعدنا دائمًا أن تحدث المذابح مع بدء الفجر ومع دخول الركعة الثانية وهذا تكتيك من التكتيكات القذرة التي قام بها العسكر، حيث إنهم حضرّوا الناس نفسيًا لهذا التكتيك، فكان المعتصمين يأتون منهم من جاء للاستشهاد أو للمساعدة أو لنقل الجرحى لأنهم لا يعرفون حجم المصيبة التي يتم الإعداد لها، ليلتها والليالي السابقة لها، أتتني تليفونات تحذيرية مما سيحدث إلا أن شيئًا لم يكن ليحدث فعرفت أنها حرب نفسية للتأثير علينا، وقد تكرّر ليلة الفضّ مع الفارق أنه أتاني من أحد زملائي بالمستشفى العسكرية يحذرني أن أتوخى الحذر بالذات في هذه الليلة، فأخبرته تأتيني تحذيرات كل ليلة ولا يحدث شيء فلن يحدث جديد، فأخبرني أن هذه الليلة مختلفة، فسألته ما الفارق؟ فأخبرني أنه أتاه تليفون بعدم مغادرته للمستشفى العسكرية هذه الليلة، فاستعدينا جميعًا ويومها تلا الإمام دعاء الاستغاثة وصلى الفجر ثم قرأ المأثورات طالبنا بالاستغفار الكثير.

 مضى الفجر ولم يحدث شيئًا فبدأ المعتصمون بالاسترخاء قليلًا، كنا قد رفعنا حالة التأهبّ منذ الساعة 2 فجرًا لكن بعد ذلك بدأ الجميع بالاسترخاء والهدوء والراحة، إلا أنه بعد ساعتين تقريبًا وجدت أحدهم يخبرنا أن يجب أن نستفيق بسرعة ظننتُ أنه تدريب كالأيام السابقة من حالات التأهب ثم لا شيء، ثم هاتفني أحد الزملاء ليسألني ماذا يحدث لديكم؟ هل بدأ الضرب فعلًا؟، فأخبرته بأنها شائعات، فأكدّ لي أن الجميع يتحدث عن بدء الضرب ووجدت على تويتر بالفعل الجميع يتحدث عن بدء الضرب عند "طيبة مول" المبنى التجاري، فألقيت نظرة من شباك الغرفة فوجدت بالفعل دخان الغاز يتصاعد وأصوات للرصاص الحيّ، نزلت فورًا مع أختي جراحة التجميل، ورغم أننا كنا قد رتبنا المهام إلّا أنه حدث شيء من الارتباك والترقبّ.

 ثم بدأت الحالات في الظهور، نحن تعودنا دائمًا في حالات الضرب أن نظل منتظرين ساعة تقريبا حتى يبدأ المصابون في التوافد، إلّا أن هذه المرة ظللنا فقط نحو 10 دقائق وبدأت الإصابات تتوافد في سرعة، وكل الحالات تقريبا قد فارقت الحياة أو قد دخلت غيبوبة، الرصاص كان غريبًا، لم أعمل يومًا في الجيش، فلا أعرف ماذا استخدموا حتى تموت هذه الحالات بهذا الشك!!، الإصابات بفتحة كبيرة في الصدر أو الرأس، ولأن تخصصي جراحة فكنت أستقبل هذه الحالات وقد رأيت بإصابات الرأس ما قد خرج الدماغ فيها خارجًا !، وكان من المفترض أن هناك أسرّة معينة لكل حالة فأصبح الوضع سداح مداح، ودخول عشرات الحالات في ذات التوقيت الأمر الذي جعلنا نضعهم على الأرض، كان هناك رصاص عادي ولكن أغلب الحالات أصابها رصاص غريب يفّجر العضو الذي يصيبه، وهناك حالات تستدعي الدخول إلى العناية المركزة فلا أمتلك الوقت لعمل أشعة مقطعية لها فبدأنا ندخل لهذه الحالات أنبوبة للتنفس ويضخ له الأكسجين كي يساعده على التنفس.


**هل هناك تشابه في الإصابات التي توافدت إليكم أم كان الضرب عشوائي فاختلفت الحالات؟
 أغلب الإصابات في الرأس والصدر للقتل وليس للتحذير أو التخويف، ولم يكن قتلًا عاديًا كان كالذبح تمامًا، إصابات الرصاص العادية التي تعاني من نزيف كنا نضع لها أنبوبة صدرية ونتركها جانبًا وتراكمت الإصابات ولم نستطع نقلها، ثم وجدنا حوالي الساعة 8 صباحًا، الضرب على المستشفى بقنابل الغاز، أحب أن أوضح أن في أي حروب ممنوع الاقتراب من المستشفيات الميدانية مثلها مثل الجامع الذي لا يتم انتهاكه قديمًا، ومن الواضح أن هناك تقييمات جديدة الآن !، كنا قد وضعنا علمًا أبيضًا بأن هذه هي المستشفى الميداني حتى لا يتم ضربها، إلا أنهم ألقوا بقنابل الغاز في بداية المستشفى الذي كان في أوله بعض مصابي الاختناق والخرطوش وبعض الأطباء، كانت أختي ضمن هذه المجموعة صعدوا لنا مختنقين جداً.


**دوركم دائماً الإنقاذ.. فماذا كان شعوركم وقتها وأنتم تتعرضون للهجوم أيضا؟
 كنا نسعف المصابين إسعافا أوليا وليس بيدنا أي شيء آخر حتى أستطيع نقله للمستشفى المجهزة والمتخصصة، وتراكمت حولنا الحالات فطلبنا الإسعاف فأخبرونا أن الطرق قد أٌغلقت ولن يتسطيعوا الدخول فتصرفوا بما لديكم من إمكانيات، بمعنى أكثر وضوحا مَن تستطيع أن تُسعفه اسعفه وإن لم تستطع فاقرأ له الشهادة وأغلق له عينيه !!، تشعر كأنك حانوتي وليس طبيبا، الغريب أن حالات الإصابة في الرأس وخروج المخ منها كان كثيرا ولم تكن هذه إصابته فقط بل كان مصابا أيضا إما في صدره أو رقبته أو قدمه أيضا، لا أعرف ما هذا الجبروت ؟!، في إحدى الحالات أتاني مصاب وركبنا له الأنبوبة ثم بدأت حالته تتدهور فرفيقه توسل لي أن أنقذه، ماذا أفعل له؟ ماذا بيدي كي أصنعه؟!.

 أنت ترى أن جريحا حاولت أن تسعفه يتحّول أمامك إلى قتيلا، نحن كجراحين نظل في غرفة العمليات من 10 : 12 ساعة نجري جراحة في المخ كي ننقذ فردا وليس 2000 مصاب !!، فتخيل معي أنني في قاعة ومعي 200 مصاب يرقدون وليس بيدي سوى أن أقوم بربط أدمغتهم بشاش طبي كي أغلق النزيف وأركب لهم أنبوبة وأطلب من رفقائهم أن يضعوا لهم الأكسجين، حتى نستطيع أن ننقله لمستشفى مجهز، ومضت ساعتين وليس لدينا من ينقل الجرحى وجميعهم يموتون، ولديّ أيضا عدد محدود من أنابيب الضخّ ويجب أن أرى مَن في أمسّ الحاجة لها وستبقيه حياً ومَن سيخسر حياته وسأضيع وقتي معه، كان هذا واجبنا كأطباء وليس اختيارا منا، كان رفقاؤهم يبكون "أن أنقذوهم"، وكان ردنا ماذا في يدينا أن نفعله؟


**في الأوقات العادية يكون الطبيب أكثر تماسكا.. فإنني أستغرب المفاضلة في الموت ؟
 ستُوضع في موقف ليس لك فيه اختيار فهو ليس مفاضلة في الموت، إنني منذ 3 أسابيع لا أستطيع النوم مما رأيت في ذلك اليوم.


**كيف كانت حالتك كطبيبة وأنتِ ترين أعداد الموتى تتزايد وليس بيدك شيء تفعلينه؟
 ليس لدي اختيار أن أنهار في هذا التوقيت، لكنني كنت بداخلي أنهار، لكن المنظر الذي جنّني وأشعرني أنني سأُصاب بانهيار عصبي وكان كالكابوس إن ما يحدث الآن ليس حقيقيا وأنني في كابوس سأستيقظ منه في التوّ عندما دخل أحد المعتصمين وهو يحمل مخ أحد المصابين بين يديه وكلنا رأينه في الفيديو، وعندما نشرت مثل هذه الصور على صفحتي في موقع الفيس بوك كذبني البعض واتهمني أنني أنشر صورا من أحداث الثورة السورية، لكنني لم أتخيل أن أرى هذا المنظر في حياتي، حيث نصف الدماغ متفجر ورفيقه يمسك مادة الدماغ في يديه لكنني لم أنهار !!.


**هل تعرفتِ على أنواع الأسلحة المستخدمة في قتل المعتصمين؟
 لم أعمل يوما في جيش أو شرطة أو تعاملت مع سلاح ولم أُجنّد يوما ما وبالتالي لا أعرف أنواع هذه الأسلحة، لكنني بعدما نشرت صور الإصابات نشر لي أحدهم صور رصاصة كبيرة حجمها حوالي 7.5 بوصة، ما حدث بشع، وكأنك ترى أفلام رعب للمخرج هتشكوك أو أفلام تعذيب الهنود الحمر وسلخ جلودهم، مناظر ليست طبيعية، أعتقد أن لا أحد شاهدها في حياته !.


**هل أتتكم أعمار معينة كالأطفال مثلا أم كان المصابون من جميع الأعمار؟
 أغلب حالات الأطفال كانت اختناقات بالغاز، وكنا نسعفهم سريعا ونعمل على تهويتهم جيدا من خلال المراوح الهوائية، جاءتنا حالات لأطفال رُضّع أيضا، ولم تمرّ عليّ أية حالة وفاة لأطفال، أما الإصابات العادي في اليد أو القدم فأوقف لها النزيف وأضعها جانبا.
 لك أن تتخيل أننا كنا قد خصصنا غرفة ذات تهوية معينة للشهداء وعندما فاق العدد حدّها تُركت الجثث في غرف إسعاف المصابين، وعلى الأرض باقي الشهداء، فكنا نقفز قفزا كي لا ندوس أحدهم، وأصبحنا نقوم بإسعافات أولية فقط وليس حسب التخصّصات ونُقيّم الحالة هلى ستعيش وتكمل حياتها أم لا.


**ماذا عن الإصابات التي كان من الممكن إنقاذها كالخرطوش والإصابات الأقل حدة ولكنها فارقت الحياة؟
 الخرطوش في باقي الجسم إصابة عادية إلا منطقة الرقبة، لكن بالفعل الحالات التي ربطنا مكان نزيفها في محاولة منا لإنقاذها لم يتم إسعافها ما زال دماؤها تنزف لم تتوقف وإذا ما فقدت لترا واحدا من الدماء فهذا معناه أنها دخلت مرحلة الصدمة، كان في ترتيبنا أن فلان سيحضر لي أكياس الدم وآخر سيحوّل المصابين للإسعاف وثالث سيوسع لي مكانا لإسعاف المصابين، لكن كان لدينا ضغط أكبر مما رتبنا له، الحالات التي كنت ستقوم بإزاحتها ونقلها عبر سيارات الإسعاف لم يتم لها ذلك ومُنعت السيارات من الوصول إلينا.


**هل كنتم تستخدمون البنج في إسعافكم؟
 كانت الحالات تأتينا منتهية وقد فارقت الحياة أو دخلت غيبوبة، حتى الإصابات مثل الإصابة في البطن لم نستطع فعل شيء لها لأنها تحتاج الدخول لغرفة عمليات وشق البطن وعمل استكشاف لما أصابت ربما أصابت كُلى أو وعاءً دمويا بالداخل وأحدثت نزيفا لا تراه، كل ذلك والضرب ظل من الساعة 6 صباحا وحتى 6 مساءً.


**أصعب اللحظات التي مرّت عليكِ بالمستشفى الميداني؟
 إنك اتحولت من طبيب لحانوتي وإنك لا تستطيع فعل شيء غير أنك ترّبتّ على المصاب وتقول له أن يتحمّل وكل الذي تسمعه يقوله: الله .. الله .. الله، وهناك حالات تقوم بخياطة جرحها دون بنج وطلهم يرددون: الله .. الله، كل الحالات تأتينا ترفع السبابة بالشهادة وتُكبّر، ربنا يرحمهم ويتقبّلهم في الصالحين، كنا نسير في بركة دم حولنا الشهداء والمصابين.


**هل في الحالات التي وصلتكم أطباء مصابين أو شهداء؟
 هناك أحد زملائنا استشهد لكنني سأقصصها في مرحلة قادمة.


**هل أتاكِ أحد معارفك مصابا؟
 أتتني والدة إحدى صديقاتي تسألني أين ابنتها فدوى؟ فأخبرتها مَن فدوى؟ قالت لي فدوى أُصيبت أين هي؟، فأخبرتها لا أعرف وأشرت لها كل المصابين فوق بعضهم البعض، لم أكن أركز في ملامح المصابين كان مكان الإصابة هو الذي يخرج أمام عيني وأحاول أن أسعفه من خلاله دون النظر في ملامحه، ربما يهبنا الله ذلك حتى نستطيع أن نعمل لأننا كأطباء لو ركزنا في وجوههم ما استطعنا إتمام عملنا، فلا يمكننا أن نسعف أحد أحبابنا أو أقربائنا أو معارفنا وإلا سننهار.


 أودّ أن أكمل المشهد السابق فنحن كنا نسمع ضرب النار خارج المستشفى، ثم بتنا نسمعه يُطلق على المستشفى ذاته عن طريق هليكوبتر تطلق بشكل مباشر عليها، وكانت الخطة أنه إذا ما تم استهداف المستشفى الميداني ننتقل إلى قاعة الإعلاميين، وأمر مدير المستشفى بإخلاء فوري للأطباء، هناك أمر نسيته أننا كنا إذا ما أسعفنا إحدى الحالات وبدأت في التحّسن نرسلها للمركز الإعلامي من الباب الخلفي للمستشفى لأنها إصابة متوسطة حتى نركز نحن مع الحالات الحرجة، وجدنا أن هذه الإصابات لا تستطيع الخروج لوجود ضرب نار وقنابل غاز بالخارج، كان يقوم بقتلك ويحاصرك فلا يترك لك المجال للهروب، فأخبرتهم أن يصعدوا للطابق الثاني، وتم إخلاء الأطباء وخرجنا لكن لم نكن نعلم إلى أين؟!.


**وأنتم تجهزون المستشفى الميداني في هذا اليوم هل كانت التجهيزات على مستوى أي مجزرة سابقة؟
 أعتقد أنها على مستوى مجزرة المنصة، لأنها كانت أبشع المجازر وقتها لأن القناصة بدأوا عملهم بكثافة، وكان أقصى تقديرنا وجود هؤلاء القناصة مجدداً، أعتقد أننا جميعا تخيلنا أنه سيُطلق علينا البلطجية ويقوم بتغطية عملهم وحمايتهم كما يفعل في أغلب الأوقات وليس الضرب المباشر من قِبلهم وبهذه البشاعة، أعتقد أنه لو دخل حربا مع اليهود لن يفعل ما فعله في مجزرة رابعة !.


**أكملي ما حدث خلال إخلاء الأطباء للمستشفى الميداني؟
 بدأنا في الإخلاء وقد تركنا جميع معداتنا على بساطة حالها كما تركنا أغلب الحالات شهداء بإذن الله، لكن كان هناك حالات ذات إصابة شديدة ومازالت فيها الروح لكنني لا أعرف هل تم نقلها أم لا، والمشكلة التي واجهتنا أين سنذهب؟، وقررنا الذهاب للقاعة الإعلامية فوجدنا الإصابات المتوسطة والبعض منها قد استشهد أو إصابته حرجة، حاولت قد استطاعتي كجراحة ألا أتورط نفسيا وأن أتعرّف على أشخاص حتى لا أتعرض لضغط نفسي يمنعني عن أداء مهامي، وعندما وصلنا للقاعة كانت أقصى أمانينا تركيب محاليل للمصابين أو رباط ضاغط لوقف نزيفهم وإعطائهم مسكنات.


**هل رأيتِ أحدهم من المصابين وقد أصابه حالة هلع من سقوط الأموات من حوله وبالعشرات نظرا لنقص الإمكانيات؟
 سبحان الله، ربنا كان قد ثبّتهم بشكل غريب وربط على قلوبهم لسبب أن الهلع سيمنعك من أداء عملك، لم يحدث أية إصابة بالهلع الكل كان يُكبّر، بعد مرور بعض الوقت حدثت لحظة هلع ثم وجدنا رجلا أخذ يكبر بيننا فعادة لنا حالة الثبات مجددا، لأن آجال الناس مكتوبة من قبل ميلادهم فهلعك لن يقدم أو يؤخر من ذلك شيء، كنا كلما أصابنا الرعب من المشاهد البشعة نظرنا حولنا وعدنا أكثر ثباتا بتكبير المصابين أو قراءتهم للقرآن ونخبر أنفسنا أننا لسنا أقلّ منهم أو اكبر من مصيبتنا، وأذكر أنه قد وصلني خبر استشهاد صديقتي وزوجها وابنهما وظللتُ أرددّ: لا .. لا .. حفصة .. لا، فهزتّني أختي بشدة وأخبرتني أننا لسنا هنا لننهار نحن هنا نُكبّر ونُزغرد للشهيد، سكتُ لكنني لم أزغرد.


**هل هناك أحد أراد أن يوصل لأهله وصية أو كان الناس في حالة استسلام للأمر الواقع والموت؟
 لم يكن هذا ضمن اهتماماتي ولم أركزّ مع أحد، ربما يكون هذا ضمن اهتمام المتطوعين المتواجدين للمساعدة في المكان من غير الأطباء، وقد فُوجئت أنني وجدت بعض الفتيات يعرضن مساعدتهن بأي شيء وقد تجد أنه لديهن هذا الاهتمام في معرفة المصابين وأحوالهم، لكن على مستواي الشخصي لم يعطني أحد وصيته لكن كان المصاب يطلب من أن أكلم أخاه، وكان أحد المصابين رأيته بالفعل وقد بدأت حالة تتدهور وطلب مني أن أكلم أخاه فأخذت الرقم منه وعندما عدت له مجددا وجدته وقد أسلم الروح، فاتصلت بأخيه أخبره أن أخاه لديه إصابة خطيرة في المستشفى الميداني ولم أستطع أن أخبره أنه استشهد بالفعل منذ قليل.


**في الحالات التي كنتِ على علم بأنها ستفارق الحياة في غضون 3 أو 5 دقائق.. هل المصاب نفسه كان يشعر بذلك أنه لم يتبق وقت لديه؟ وكيف كان يتعامل مع ذلك الوضع؟
لا أعتقد ذلك، هم كانوا يأتوننا مفارقين للحياة حتى المصابين إصابة بسيطة يفارقون الحياة، وكانت أغلب الإصابات الخطيرة التي تشير إليها كانت تأتينا في غيبوبة في أساس الأمر، ليس لديهم رفاهية إنهم سيموتون أو لا هم ميتون أصلا، رأيت أحد المصابين بطلق ناري في الظهر أدى إلى كسور وقد نزعت العضلات ربما تصيبه بنزيف في الرئة أو البطن وحاولنا حمله ونقله لمركز رابعة الطبي لأنه مجهز للعمليات ولكننا لم نستطع الخروج لاستمرار إطلاق النار قربنا فكنا نعيده مكانه مرة أخرى، وبالتالي لم يعرف أي مصاب حالته بعد 5 دقائق التي ذكرتها.

 أُكمل ما حدث .. عندما كنا ننقل المصابين لم نكن نملك سوى نقالتين فقط والباقي يتم نقله عن طريق رفقائه أو المساعدين، وكان المركز الإعلامي كالمشرحة وليس مستشفى بديل، المنظر كان أبشع مما كان في المستشفى الميداني، فالجثامين رُصتّ فوق بعضها دون كفن مجرد قماش عليها أو ملفوفة بسجاد، ومكان ضيق يأتيك فيه الجرحى باستمرار لا يتوقف.


**هل كان هناك أنواع من القنابل لها تأثير بعينه على الجسم؟
 كان هناك حالات تأتينا وكأنها محروقة، وكان لدينا في المستشفى الميداني كريمات للحروق، لكننا كنا نقوم بالمفاضلة بين الإصابات فكان هذا المحروق في نعمة بالمقارنة من الحالات البشعة الأخرى، لكن ليس خبرة في الأسلحة المستخدمة.


**ذكرتِ أنه في لحظة تحولتم من أطباء إلى حانوتية .. هل كنتم تبحثون عن أهل الشهداء أو رفقائهم لتخبروهم أو تقوموا بتكفينهم؟
 لم نملك تلك الرفاهية أيضا، من المفترض أنه لدينا فريق للتوثيق يصوّر الحالات جميعها ويصور معها بطاقاتم الشخصية لرفعها على موقع المستشفى الميداني الإلكتروني في لحظة من اللحظات، وصلوا لمرحلة لم يستطيعوا أن يلاحقوا الأحداث أو أعداد الإصابات، لم يكن لدينا جميعا الوقت لتكفين الشهداء فلا أعلم مَن كفّن البعض منهم أعتقد أن مرافقيهم قاموا بذلك، نحن كنا نضع المصابين بقرب الشهداء لعدم وجود أماكن كافية فكنتُ أرى أحد المصابين يُربتّ على الشهيد بجانبه ويقول له تقبّل الله يا أخيّ.. هل تتخيّل الإحساس ؟!.

 ثم أخبرونا أنه يمكننا أن ننتقل إلى مركز رابعة الطبي المجهز فحاولنا الخروج مخفضين روؤسنا من الباب الخلفي من جهة شارع أنور المفتي، حتى لا تُصيبنا طلقات نارية تُودي بحياتنا أو حياة مصابينا وبدأنا بنقل الحالات الخطرة ثم المتوسطة، ودخلتُ الطابق الأول الذي هو في الأصل مجموعة عيادات جميعها بالزجاج كان ذلك في تمام الساعة 12 ظهراً، وبدأت تتوافد إلينا إصابات الرأس المتفجرة تماما والأخرى التي تترك آثارا واسعة يخرج من خلفها بعض المادة الدماغية، نحن لدينا في الجراحة مقياس يُدعى جلاسكو وهو يقيس قيمة درجة الوعي والتجاوب وفتح العينين وأُقدّر من خلاله قوة وعنف الإصابة، وكل مَن يأتينا كان ضمن الإصابات العنيفة ويدخل في غيبوبة مباشرةً.

 أذكر أنه جاءتني شابة بإصابة مفتوحة في الرأس وقد خرج جزء من دماغها، كانت تقف على البوابات تُثبّت الناس ومن جاءني كان يبكي ويتوّسل إليّ أن أُنقذها، لأنها كانت تُثبت الشباب وتُخبرهم ألاّ يهربوا، كانت إصابتها حوالي 7 درجات من مقياس جلاسكو أي بين متوسطة وعنيفة من المفترض أن يُركب لها أنبوب صدري ونقلها إلى العناية المركزة لإجراء عملية لها، لكنني إذا ما بدأت لها الآن عملية فإنني سآخذ مكان مريض آخر له نفس الإصابة لكن مقياس درجة جلاسكو له بين 9 و10 درجات ويمكنه العيش عنها ولا يقع في غيبوبة مثلها فمَن ستختار؟، فاخترت هذا الرجل وأرسلته لغرفة العمليات في الطابق الثاني، لكنني فُوجئت بكم هائل من الجرحى يملأ طرقات الطوابق والغرف جميعها حتى درجات السُلّم كانت ممتلئة عن آخرها.

 في هذه الأثناء صعدت بهذا المصاب إلى غرفة العمليات لأجد أن هناك جريحة يتم إسعافها و3 آخرين على أرض الغرفة فوضعته على الأرض وبدأت ان أخيّط له جرحه وطلبت من أحد رفقائه أن يرفع له المحلول المتصل به وطلبت من الآخر أن يرفعه قليلاً حتى أستطيع خياطة جرحه، فاضطر أن يسنده على صدره، وكان هناك جهاز تخدير واحد فقط، و3 غرف عمليات، لقد كان المركز الطبي صغيرا للغاية لم يكن مستشفى، كان عليّ أن أُعيد دماغه للداخل ثم أضع القبة الجوفية ثم تأتي طبقة العضلات ثم طبقة العظام وأخيرا جلد الرأس لكن الإمكانيات لم تكن متوافرة لدّي، فحاولت أن أُعيد دماغه بيدي هذه بمقاييس جراحة الأعصاب يُعدّ انتحارا للمصاب، كأنك لا تُجري جراحة بل تُخيط بيجامة !!.، لكنني فشلت وحاولت أن ألملم الجلد معا دون عظام أو عضلات لأنه خطر أن يتعرض المخّ للهواء وقمت بخياطته وهو مستيقظا لم أستطيع أن أضع له حتى مخدرا موضعيا، كل ذلك ولم يتكلم أو يتأّوه فقط يقول: يارب.

 وبعد أن قمت بخياطته لمنع النزيف ولملمة ما يمكن، لم أستطع أن أغلق الدماغ بعضه ظلّ خارجاً، وبدأ المصاب يدخل في غيبوبة ووجهه يشحب، فطلبت له نقل دم ولا أعلم إن كان قد وصله أم لا، لكنني عرفت فيما بعد أنه حدث له ما حدث لأسماء البلتاجي لم يجدوا أكياس دم أصلاً، وتركته مع رفيقه وعلمته كيف يستبدل المحلول عندما ينفذ.

 ووجدت رجلا في الخمسينات أو الستينات من عمره بجوار هذا الشاب به جرح عميق في ظهره ينتظر التخدير حتى تتم له خياطة الجرح، فطلب مني أن أُعدّل من رقدته لأنه ظل على حاله مدة طويلة جداً، ثم سألني متى سيأتي دوره وأخبرني أن أولاده بإمكانهم نقله بسيارتهم، ماذا كنت أقول له لن نستطيع إخراجك لأن الضرب مستمر ويقترب أكثر من المستشفى؟، أما الرجل الثالث فكان قد أصابته طلقة عادية في الكلية إلاّ أنه شاحب الوجه بشدة ومرهقة للغاية وهذه علامات للصدمة التي تعني أن يعاني من نزيف داخلي وهذا من المفترض أن يتم فتح بطنه لاستكشاف مدى ضرر الكلى، لكنه طلب مني مسكنا معينا، بحثت عن هذا المسكن فلم أجده وجدت شبيها له لكنه أخبرني أنه لا يُجدي نفعا معه، ثم أخبرني أنه يعرف أنه سيستشهد قريبا لكن طلب أن أعطيه شيئا يخففّ عنه حدة الألم، فأخبرته بدوري أن إصابته بسيطة وسيعيش، فنظر لي وابتسم وأخبرني أنه يعرف أنه سيستشهد، لكنه يريد ما يخفف ألمه، فذهبت بالفعل أحضرت له طلبه وأعطيته إياه، ثم نزلت أكمل مهامي.

 وفجأة أتانا حوالي 40 مصابا دفعةً واحدة ذوي إصابات خطيرة في أماكن قاتلة كالرقبة والصدر، فسألت الناس من أين يأتون فأخبروني من العمارة غير مكتملة البناء والتي تُطلّ على رابعة من شارع الطيران، ثم قصّ عليّ أنه خرجت عليه طائرة وبداخلها قناصة قاموا برّشهم بالرصاص الحيّ كما يحدث في الأفلام بالضبط، ولم أتخيل أننا وصلنا إلى مرحلة التصفية الجسدية بهذا الشكل، ترشّ اُناسا مختبئين في عمارة بالرصاص الحيّ، أين حقّ اللجوء؟!، أصبحت لا أفكّر بمنطقية وكنتُ أبكي في أول الأيام بعد الفضّ لكن اليوم الدموع جفتّ، ستبكي مَن أو مَن ؟!!


** كم كان توقيت تدفّق شهداء هذه العمارة؟
 تقريبا الساعة 4 عصراً، لا أعرف تحديداً، فقد كانت الكهرباء منقطعة من أول اليوم والهواتف النقّالة فقدت شحنها الكهربائي على مدار اليوم، ولم يدرك أحد الوقت بالتحديد، كان هذا قبل وقت اقتحام المركز الطبي، وكان ما يزال لدينا وقتا لعلاج ولإسعاف المصابين، لأنه بعد ذلك بساعة تقريبا عندما كنا بالقرب من غرفة المواد الطبية نخيط الجرحى أتتنا رصاصة قناصة ومن قوة الطلقة جاءتنا مخترقة السيراميك وليس من زجاج الغرفة، وفي ظل هذه اللحظة من الرعب، أخبرنا الجميع أن ننبطح أرضاً، وكنا نخبر الجرحى ألاّ تتأّوه أو تتحرّك حتى لا يرصدها القناصة، ثم خرجنا زحفاً نجرّ الجرحى بعيداً عن مرمى النار لأننا لا نعرف هل هي طلقات تحذيرية أم أنها مستهدفة !.


**بعد أن انتهى الأمر هل درستم هذه الإصابات والأسلحة المسببة لها؟
 هذه إصابات حروب لم أدرسها من قبل، أنا أمارس مهنتي منذ 10 سنوات، إذا ما شاهدت حالة جراحية ما تراها كل شهر وتكون بين اثنين قد تشاجرا وأطلق أحدهما النار على الآخر، فيكون لديك طلق ناري عادي كما لديك أيضاً الوقت لتجري له أشعة مقطعية وما يمكن إنقاذه وهل يمكن التضحية بجزء من هذا الدماغ أم لا، كما أننا سنجري له جراحة، كل هذا لم يكن متوافر للمصابين في مجزرة فضّ رابعة.


**ألم تروا نماذج شبيهة للحالات التي وردت في رابعة؟
 لم أرى في حياتي إصابات كتلك، ربما رأيتها في سوريا، لكننا لم نخيّل أننا سنتحوّل إلى سوريا ثم إن سوريا كانت تُقصف بالصواريخ، فكان مُتوقّعا أن نرى صور كهذه، لكننا لم يتم تحضيرنا لإصابات من جراء رصاص غريب، لقد حضرت ثورة 25 و28 يناير 2011، ثم سافرت ولم أر إصابات الأربعاء الدامي يوم موقعة الجمل، لكن لم يقل أحد أن الإصابات وصلت لمثل المرحلة التي وصلت إليها إصابات يوم الفضّ.

 لكنني شاركت في مجزرة الحرس الجمهوري وسمعت الرصاص ظننتُ أنه طلقات صوت أو للتخويف ليس إلاّ، وكنت أسمع تكتكات محددة، ثم خلفية بعدها أو قبلها طلقات متتالية دفعة واحدة، ثم تجد مَن بجانبك قد سقط ومَن كان يركب الدراجة البخارية سقط هو أيضاً كانت رصاصات القناصة تلاحقهم في مقتل، لكنها في نهاية الأمر رصاصات عادية، أما ما حدث في رابعة فكان تفجيرا غريبا وليس طلقا ناريا عاديا !، حتى أنني كنت أتساءل هل هذه قنبلة أم صاروخ.


**هل حضرتِ اقتحام المستشفى الميداني؟ أخبرينا ماذا حدث؟
 بعدما تم اختراق رصاص القناصة لغرفة المستلزمات الطبية واستمر الضرب قريباً جداً من المركز الطبي، أجزمنا أن هذه هي النهاية وسيبدأ باستهدافك، ثم بدأ أحدهم يقرأ الآية: "إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالاً شديدا"، ثم بدأ بعضنا يستغفر بصوت عالٍ والبعض الآخر يُكبّر فلا يصحّ أن نفرّ في وقت الزحف الآن، علينا أن نكمل مهامنا من إسعاف المصابين وإنقاذ مَن يمكن إنقاذه.

 كان معنا في هذه الأثناء مراسل الجزيرة عبدالله الشامي، إلاّ أنني لم أكن أعرفه، كان يطلب تليفون كي يكلم قناته فأعطيته تليفوني إلا أن الشبكات لم تكن جيدة في هذا التوقيت ولا أعلم هل استطاع مهاتفة الجزيرة أم لا.

 بعد ذلك عندما بدأ الضرب يتزايد اقتربت من النافذة فرأيت أعدادا كبيرة من المصابين أسفل سلالم المركز الطبي وعلى امتداد البصر، وعندما رأوني طلبوا مني أن أرسل لهم أي شيء يمكنه إسعافهم، فألقيت لهم مطهرات وشاش ومسكنات وإبر ومضادات حيوية، كنا طوال الوقت نعتقد أنهم لن يقتربوا من الجرحى ففي نهاية الأمر لهم كل الحق في العناية والإسعاف وأفتح لهم ممراً آمناً كي أنقلهم للمستشفيات، لكن هذا لم يحدث وبدأ الضرب بكثافة فأخذ البعض يكتب وصيته أو يكلمه أهله والبعض الآخر يرسل رسائل أو إيميلات يستشفع فيها مضن يعرفهم، وقمتُ بإرسال بعض الرسائل لأصدقائي أن يسامحونني إن أسأت لهم يوماً، ثم وجدت والدي يهاتفنا أنا وأختي يخبرنا أنهم في مسيرة قادة تحاول أن تضغط على الجيش كي تستطيع الدخول ونقل الجرحى، فأخبرته أنهم لن يستطيعوا وأنهم يطلقون الرصاص الحيّ علينا فلا داعي لأن نموت جميعاً، وكان زميل لي أخبرني أنهم أقاموا نقطة إسعاف بالقرب من نادي السكة حتى نستطيع نقل الجرحى لهم فأخبرته أنهم يطلقون النار علينا فقال لي هل أتى كي أخرجك؟، سكتتُ كيف سيخرجني ومن معي؟ وأخبرته أن يدعوا لنا فليس بيديهم شيء غير ذلك.


**بكل الأدلة التي تملكونها من صور وتوثيقات هل تنوون اتخاذ أي إجراءات قانونية أو حقوقية؟
 لقد أعطيت شهادتي لمنظمة هيومن رايتس، لكن من الواضح أنه لم يحدث فارقاً لأن التقرير الرسمي صدر بـ 500 شهيد، فأصدرت المنظمة تقريرها بـ 300 شهيد، وقد ندمت كثيراً أنني أعطيتهم شهادتي.


**وعلى مستوى الفريق ماذا تنون أن تفعلوا؟
 ليس بيدي شيء ربما مدير المستشفى الذي يمتلك الأرقام والإحصاءات يكون أكثر إلماماً بالقضية، وإن قاموا بأي إجراء وأرادوا شهادتي فسأشارك بكل تأكيد، وإن كان بيدي أن أُدّول القضية وأفضحهم سأقوم بذلك، لكن أين أذهب وكيف أقوم بالإجراءات؟ لا أعرف !، ليس في يدي أكثر من أنني نشرت شاهدتي على الفيس بوك كما نشرت جميع الصور التي التقتها للمصابين، لا أعرف مَن تأثر بها أو تفاعل معها، إلا! أنني فُوجئت بأن هناك أُناس يقولون في برود لماذا كانوا هناك؟!، هل كل مَن يختلف معاك في الرأي سترضى أن يُقتل بهذه البشاعة؟!.

 قبل اقتحام المستشفى فوراً تم إلقاء قنبلة لا أعرف نوعها أحدثت رجة شديدة في المستشفى فأدركنا أنها النهاية، وتخيلنا أنه سيتم ضربنا ونحن داخل المستشفى، في هذه اللحظة دخل عدد من العساكر يرتدون ملابسهم السوداء وماسكات ما عدا واحد من بينهم كان ضابطاً دخل كالمنتصر لم يعنيه أن يُرى وجهه فقد انتهى الأمر وكان يحمل سلاحاً كبيراً ويعطي الأوامر للجنود، ثم صرخ: كله يقف مكانه، فكلنا بتلقائية ثبتنا، كنت في الصفوف الخلفية لطاقم الأطباء بالقرب من إحدى النوافذ التي تُطلّ على الجرحى بالخارج فأخبرتهم أن يأخذوا هاتفي النقاّل وعليه رقم أهلي وإن لم نخرج من هنا فأخبروهم بما حدث.

 ووجدت الأطباء يصرخون في الضابط ويخبروه أنهم لن يخرجوا ويتركوا الجرحى وراءهم، فردّ عليهم بمنتهى العنجهية والغرور إما ان تخرجوا أو ترقدوا بجانبهم، هناك مَن خرج بالفعل وهناك من ظل يحاول أن يخرج معه بعض الجرحى، وفكرت أننا إن خرجنا الآن سيتم اعتقالنا لم يكن خوفاً إنما حرصا على الرسالة والمهمة التي نقوم بها، والتي ستنتهي حال اعتقالنا، وفي هذه اللحظات كان الضابط قد انشغل بإخراج الأطباء من الباب الأمامي للمركز الطبي فتسللّت مع البعض إلى الباب الخلفي دون أن يشعر بنا، إلاّ أنه أحسّ بأن بعض الأفراد قد فلت من قبضته فجرى يبحث عنهم لكننا كنا قد خرجنا بالفعل باتجاه الخيام في الخارج ورأيت النار تلتهم كل شيء كأنه حريق القاهرة في فيلم "القاهرة 30" وفي خلفية هذا المشهد صوت طلقات الرصاص، ووجدت مجموعة المصابين الذين رأيتهم من النافذة وبدأت أسعفهم، وخرج عبدالله الشامي مراسل الجزيرة مع المجموعة التي خرجت من الباب الأمامي، عندما وصلت لمصابين وجدتهم في كل مكان وكان معهم نساء وأطفال على امتداد الخيام، وكذلك رقدوا في الممرات أسفل المركز.

 ظننتُ أنني أمتلك بعض الوقت قبل أن يقوم الضابط بإخراج الجميع، إلا أنني فُوجئت بالقوات التي اقتحمت المركز تنقض علينا من الباب الخلفي ويصرخون: ارفع إيدك فوق .. اللي في إيده حاجة دلوقتي يرميها .. وإلا...، والبنادق مُصوبة تجاهنا جميعاً.


**وأنتِ طبيبة بماذا تفسري حالة العنف التي كان بها الجنود؟
لم يكن عنفا إنما سادية، لأن لي صديق تم القبض عليه بالقرب من طيبة مول "المبنى التجاري"، ثم أُفرج عنه قالي لي، إنه شاهد بعينيه أحد الجنود رأى طفلاً مرعوباً ومنحنياً فأطلق عليه الرصاص، هذه سادية، هذا لم يأتي لفض اعتصام بل ليخبرنا "أنتم لن ترفعوا رؤسكم ثانيةً وأنا مَن سيخبركم متى ترفعونها، ومتى لا ترفعونها، أنا سأضع رؤسكم تحت قدمي وأقول لكم ما تقولون ومتى تقولونه"، أعتقد أنه لو جاءنا أشهر مخرجي هوليود ليصنع فيلماً عن رابعة بما حدث فعلاً سيصفه الناس بالمبالغة لهول ما حدث في الواقع !!.
سأقول لك إن هناك زملاء لنا أكملوا في المستشفى الميداني ولم يخرجوا، أعرف أنه منهم مَن استشهد على باب المستشفى.


**مضى تقريباً على مجزرة فضّ رابعة ما يقرب من شهر .. كيف حالك بعدما رأيتِ؟
إنني لا أستطيع النوم، في بادئ الأمر كنت أبكي كثيراً وأرددّ أنني قصرّت مع المصابين، لأنني بعدما خرجت وهم يصوبون علينا بنادقهم نظرت حولي ووجدت الجميع قد استسلم، والكل يريد أن يحمل جريحه ويركض به خارجاً وهناك جرحى لا يمكن حملها لإصاباتها العنيفة، إنني كل يوم ألوم نفسي هل من الممكن أن أظل لآخر لحظة لعل أحدهم سيستفيد؟ هل خنتُ جرحاي؟، لأنني تخيّلت ونحن نغادر المستشفى أنهم سيخرجون الجرحى بعدنا بسيارات نقل أو إسعاف أو سيارات المواطنين أنفسهم !، سألت الناس هل أطلقوا الرصاص عليهم ثم حرقوا المستشفى أم حرقوهم أحياء ؟!، كلما أغفو قليلاً أرى الناس وهي تصرخ أنقذيهم يا دكتورة، وأعود لأتساءل هل اختياري كان صحيحاً؟ هل المفاضلة في الموت كانت صحيحة؟، عندما أُصيبت أختي بالاختناق من الغاز في مدخل المستشفى، وكانوا يحملونها أمامي لم أستطع أن أذهب إليها لإسعافها أو أن أطمئن عليها !.
يومياً أفكرّ قبل أن أُغمض عينيّ أنه كان هناك أُناس في المركز الإعلامي وربما لم أخرج معهم مستسلمين وأكملت مع الجرحى؟ هل كنت من الممكن أن أصرّ على رأي أمام الضابط وأُخبره أنني لن أخرج قبل أن آخذ جرحاي معي؟، وأُخبر نفسي أنني تخاذلت .. ولماذ استسلمت؟ لماذا رفعت يدي مثلما رفع البقية؟ لماذ لم أقل للضابط أن الجرحى يجب أن يخرجوا قبلنا؟، لأنه بما أننا آلاف تخرج مستسلمة ومهزومة ربما كان كل واحد منا حمل جريحاً معه وكنا أنقذنا الكثير، نحن أجرمنا أيضاً وأخذنا هول الحدث وكل واحد منا بحث عن حياته هو !


**هل تتابعين حالات أو تزورينها من المصابين؟
ذهبنا بالفعل لمصابين في مستشفى الحسين وعين شمس نزورهم ونستعلم عن أخبارهم وبعد 4 أيام نجدهم قد فارقوا الحياة، وهناك مصابين في مستشفى التأمين الصحي كنا نزورهم أيضاً.


**ماذا كنتِ ترين فيهم وهم لديهم أيام معدودات ليفارقوا الحياة؟
ما رأيناهم وقضوا نحبهم بعدها بأيام قليلة كانوا في غيبوبة كاملة، أما الإصابات الأخرى فمستشفى التأمين كانت تقع تحت حراسة مشددة للغاية وكأن هؤلاء الجرحى سيهربون، كنا نراهم في معنويات عالية وترتفع أكثر عندما يعلمون باستمرار نزول المسيرات في الشوارع فيتأكد لديهم أن دماءهم وإخوانهم الشهداء لن تذهب هباءً وأنه مازال هناك أناس يطالبون بحقوقهم ورفع رؤوسهم عالياً.
لكن إحساسي الشخصي هو إحساس بالهزيمة وبالنصر في ذات الوقت، سعيدة إنني وقفت أمام ظالم وقلتُ له إنه ظالم لأنني كنتُ معتصمة ولستُ طبيبة فقط وأرى أن هذا أحد حقوقي وقد عشتُ في أمريكا فترة من الزمن وأعلم أن هذا حقي الرسمي والطبيعي وأنني أطالب به وأقف من أجله، إحساسي بالانتصار لأنني أراه غبياً قد فقد منطقه وظن أنه عندما يقتل الناس بهذه الوحشية، فلن يجد مَن يستطيع أن يخبره أو يحاسبه على أفعاله، لكنني أرى الآن أن هناك أُناسا بدأت تفهم أن الوضع لم يبت خاصا بالإخوان أو فصيل يطالب بمطالب بعينها، بل العنف سيكون على الجميع لا فرق، إنني أُشارك في مسيرات يومياً وأرى أنني لم أضرّ بأي أحد بل على العكس إنني أُطالب بحقي الذي سُرق مني.


**ماذا تفعلين كيّ تتجاوزي حالة الكابوس والمشاهد البشعة التي تراودك قبل نومك والتي تسبب لك ضغطاً هائلاً؟
إنني أُصلي وأبكي أثناء صلاتي وأدعو الله أن يسامحنى إن قصرّت في حق المصابين أو لم أؤد واجبي كما ينبغي، أو إن كان بإمكاني أن أقف لهم لأنهم كانوا عاجزين ومصابين، وأقول للجرحى الذين لم أستطع مساعدتهم أن يسامحونني والله لم يكن بيدي شيئاً.


لقد كتبت شهادتي باللغة العربية والإنجليزية، ربما أحدهم يشعر، ونشرت الصور ربما مَن فقد الإحساس أن يرى بنفسه، أقول لإحدى جاراتي التي وقفت تزغرد بعد مجزرة الفضّ لن أسامحك أبداً ولن أقول لك الله يسامحك، لأنني لا أستطيع بعد فعلتك هذه وأدعو لك أن يذيقك الله النار التي شعر بها أهالي الشهداء والجرحى، مما أصاب ذويهم، إنني لن أسامح أبداً فيما حدث وما رأيته، إنني لم يمت لي أخّ أو أخت أو عمّ أو خال ولا أستطيع المسامحة فكيف بمَن مات له أب أو ابن .. كيف يكون إحساسه؟!.


لقد حضرت جميع المذابح، وكنتُ بقلبها ولا أعرف كيف ظللتُ على قيد الحياة إلى الآن، ولم يصيبني ما أصاب الناس من حولي ربما لم يجد الله تعالى فيّ ما يستحق أن يختارني للشهادة في سبيله أو لم أكن على المستوى الإيماني الذي كان عليه باقي الشهداء حتى اصطفاه رب العالمين أو ربما تركني الله لمهمة ثانية.

شاهد الفيديو:

http://www.youtube.com/watch?v=1zlnG3cvBqA

http://www.youtube.com/watch?v=8vrsUiRtp90

http://www.youtube.com/watch?v=0i7vo34mZSE

http://www.youtube.com/watch?v=XolPn5RjDww

http://www.youtube.com/watch?v=A8iK69uCyZs

http://www.youtube.com/watch?v=sYNyFKdHgGA

http://www.youtube.com/watch?v=szZO44DLruY

http://www.youtube.com/watch?v=4Negb18Ao2k

http://www.youtube.com/watch?v=KpNrm_Vfths

http://www.youtube.com/watch?v=y3ghOR4GgrU

 

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان