رئيس التحرير: عادل صبري 02:09 صباحاً | الجمعة 22 يونيو 2018 م | 08 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 43° صافية صافية

أخرجوا السوريين من قريتكم

أخرجوا السوريين من قريتكم

ملفات

ضحايا الحرب في سوريا لا يجدون مأوى في الدول العربية

أخرجوا السوريين من قريتكم

أسامة عبد الرحيم 12 سبتمبر 2013 13:54

"أعتذر عن نظرتي المثالية الحالمة تجاه العروبة والدين والدم ، على الرغم أنني ما زلت أتمسك بها حتى وأنا أغادر هذا البلد"، هكذا قال "أبو حامد" أحد السوريين الذين نزحوا إلي مصر وهو يقطع الخطوات التي تفصله عن سلم الطائرة المغادرة إلى تركيا.

 
500 ألف لاجئ سوري أو يزيدون نزحوا على مدار شهور مريرة من وجه الرصاص والكيماوي الأسدي، الذي لم يترك بيتاً في أنحاء سوريا إلا وأقام فيه مأتما، لكنهم حينما قدموا على بلاد العرب مهاجرين سمعوا مالم يتوقعوه من الأنصار "أيها السوريون...أخرجوا اخرجوا من أرضنا...أخرجوا من شوارعنا اخرجوا من بيوتنا من مساجدنا من صوامعنا...أخرجوا من أرضنا من أرصفتنا من كل ذرة في الوطن"..!
 
حضر هؤلاء إلى القاهرة يلملمون حطام مستقبل متشظى بين الشتات والوطن، يقول أبو حامد -وهو اسم مستعار اختاره- "أتمسك بحلمي ورؤيتي للأفضل. أتمسك بكل مشاعر الحب والرحمة والإنسانية، لكنني أعتذر أنني لم أجد شيئاً من هذا عند بعض المصريين الذين عاملونا بجفاء".
 
ليس أبو حامد وحده من يشعر بغصة في حلقه بعد تبدد وهم الأخوة والعروبة على أنقاض الانقلاب الدموي الذي يخيم على القاهرة، منذ ما يزيد عن شهرين ، فقد نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية شهادات عن وضع السوريين في القاهرة وسوء المعاملة التي زادت عدوانيتها بعد انقلاب العسكر في الثالث من يوليو هذا العام.
 
أوضاع نفسية صعبة:
 
بعض ما ورد في التقرير يكشف عن أوضاع نفسية واجتماعية صعبة تواجه السوريين على يد النظام الجديد في القاهرة، والذي يؤيد سياسة بشار الأسد وحربه الدموية التي يخوضها ضد الشعب في سوريا، ملامح تلك الأوضاع  يرويها بعضها الشاب محمد أبا زيد- 28 عاماً- لاجئ من درعا، أصيب بالرعب وهو يرى مصريين يوزعون منشورات في الشوارع عليها "أخي المصري، أختي المصرية، حارب الاحتلال السوري لبلدك، ودافع عن فرصك في العمل"..!
 
المنشورات نسبت في حينها إلى جبهة الإنقاذ التي تضم أحزاباً ليبرالية الأصل أنها تنادي بالحرية والمساواة واحترام حقوق الإنسان، في الوقت الذي كانت فيه جماعة الإخوان المسلمين وذراعها السياسي حزب الحرية والعدالة وبقية الطيف الإسلامي يرحب علناً باللاجئين السوريين، ويدعم بقائهم في القاهرة متمتعين بكافة الحقوق والمزايا التي يتمتع بها باقي المصريين، مطبقين في ذلك أمراً سماوياً يقضي بأن المؤمنون أخوة كالجسد الواحد.
 
في غضون ذلك كثر الحديث في مصر حول ما اعتبره البعض "ظاهرة الزواج من اللاجئات السوريات"، وأخذ الحديث يسرى بين الناس كسريان النار في الهشيم، ليتداول الجميع أخبارا عن زيجات تتم بين مصريين وسوريات مقابل مبالغ ضئيلة جدا، الأمر الذي فتح الباب أمام نقاشات مجتمعية واسعة، وإن كانت كل هذه النقاشات لم تصل حتى الآن إلى رأي عام محدد بخصوص هذه الزيجات.
 
صراعات سياسية:
 
ولعبت الصراعات الشديدة بين التيارات السياسية التي تتنافس على السلطة في مصر بهذه القضية وأشعلتها كعود ثقاب، ودخل اللاجئون السوريون رقماً ضمن الحروب الإعلامية التي يشنها كل طرف ضد الآخر، وتم الزج بمسألة الزواج من السوريات، وضخمت الآلة الإعلامية الليبرالية المناوئة لحكم الإسلاميين القضية بصورة مبالغ فيها، وأقحم شيوخ المساجد في القضية لدرجة تصويرهم كسماسرة يسعون لإتمام هذه الزيجات.
 
واستمر الحال رغم أن مواطنين مصريين أكدوا لوسائل إعلام أنهم ذهبوا بالفعل لأحد المساجد الشهيرة بمدينة السادس من أكتوبر، والتي أشيع أنها تقوم بتزويج المصريين من السوريات، ولكنهم بدلا من أن يجدوا اللافتات التي سمعوا أنها تعرض "زوجات سوريات حسب الطلب" وجدوا لافتة معلقة على المسجد تقول: "ليس لنا علاقة بزواج السوريات ولا غيرهن"!
 
يقول أبو حامد "أعتذر لمن لا يمكنهم فهم ما عاناه السوريون تحت قمع النظام الأسدي وما يعانونه الآن في بلاد الشتات، أعتذر لأنني أحيانًا لا أستوعب كيف يمكن أن تُنتزع الرحمة من الإنسان؟! كيف يمكن أن يصبح أسوأ من الوحوش؟!".
 
أما نجل السيد أبو الخير، بحسب نيويورك تايمز ، فقد دخل في غيبوبة بعد تعرضه لأربعين طعنة، مئات السوريين يهربون الآن عبر القوارب إلى ايطاليا وغيرها،  آخرون حزموا أمتعتهم وانطلقوا إلى دول أخرى. كثيرون انسحبوا من الفضاء العام، لم يعودوا يجرؤون على المشي في شوارع القاهرة بعد الانقلاب.
 
حقد وغضب:
 
دارت آلة الإعلام الجبارة التي يملكها رجال أعمال وسياسيون تابعين لنظام الرئيس المخلوع مبارك ضد السوريين منذ أن وطأت أرجلهم ثرى القاهرة، ما بين هجوم وآخر تزداد نبرة الكراهية التي لا مبرر لها سوى أن الرئيس مرسي في حينها كان يتبنى قضيتهم، وأصبح السوريون على شفا معاناة كالتي كان يعانيها موسى -عليه السلام - وبني إسرائيل مع الفرعون.
 
بينما البعض يتحدث من برج عاجي ويطالب المعذبين والمصابين السوريين بالرحمة وعدم التعميم، وألا يتركوا أنفسهم نهبًا لمشاعر الكره والحقد والغضب، دون أن يفهموا ما حدث لهم من إخوة لهم في الوطن والدين والإنسانية..!
 
السوريون سواء في مصر أو غيرها يطالبون أخوتهم في العقيدة والعروبة والدم بالنزول من برجهم العاجي ليطلعوا من قرب على محنتهم، ويطالبون السلطة الجديدة في مصر والمتربصين بهم أن يتفهموا أن هؤلاء إخوة لهم وألا ذنب لهم، وأن يفكروا قبل تنفيذ الأوامر بانتهاك آدميتهم وحرماتهم دون إدراك منهم.
 
موقف الرئيس المعزول:
 
500 ألف سوري دخلوا مصر كان الرئيس الإسلامي "المعزول" د.محمد مرسي وفريقه قد رحبوا بهم، كان د.مرسي من المساندين إعلامياً للمعارضة السورية، بعد الانقلاب على حكم الرئيس مرسي واجه اللاجئون السورين عدواناً متصاعداً، قنوات تلفزيونية طالبت بطردهم، كم قال برلماني مصري"هؤلاء أناس يستحقون الإعدام"، شخصيات مرموقة من المؤيدة للانقلاب الذي قام به وزير الدفاع الجنرال عبد الفتاح السيسي اتجهت مؤخراً إلى كيل المديح والتقدير لجيش نظام الأسد، في عملية تهدف إلى تبرير الانتهاكات ضد السوريين في مصر وحملهم على الرحيل.
 
وفي هذا الصدد يقول مسئول مفوضية الأمم المتحدة للاجئين "منذ شهرين لم نسجل لاجئاً سورياً جديداً في مصر. لم يعودوا قادرين على دخولها"، بينما تحدث شاب سوري مقيم في القاهرة لصحيفة نيويورك تايمز "طعنوني بسبب لهجتي. قالوا إني أؤيد مرسي"، بينما تعافى آخر من طعنة بسبب طلبه من رجل أن يتوقف عن التدخين في الباص".!
 
ويؤكد جميع السوريون الذين التقت بهم الصحيفة الأمريكية " لهجتنا كافية لإشعال العدوان في كل مكان في مصر ضدنا"، أما من جهة الحديث عن تعرض سوريات للزواج الجبري في مصر، فواقع الأمر يتطلب الإشارة إلى عدة نقاط جوهرية يجب الانتباه إليها حتى لا تتوه الحقيقة وسط ما يتم تداوله ونشره من أخبار.
 
من جملة ذلك أن الأرقام التي تبني بعض الجهات موقفها استنادا إليها، هي أرقام غير موثقة ولا دليل على صدقها، ومن هذه الجهات المجلس القومي للمرأة الذي وجه رسالتين لكل من وزير الداخلية ووزير العدل للمطالبة بوقف زواج المصريين من السوريات، وذكر المجلس في رسالتيه أن هناك 12 ألف حالة زواج من هذا النوع حدثت خلال عام واحد، على الرغم من تأكيد مصادر عديدة أن معظم هذه الزيجات – بغض النظر عن عددها - تتم بعيدا عن التوثيق الرسمي، وبالتالي لا يوجد أي إحصاء حقيقي لها.
 
تشويه واستغلال:
 
ويؤكد إسلاميون مصريون أن جهات سياسية واستخبراتية "معروفة" سعت إلى تشويه اللاجئين السوريين والحط من قدرهم وكأنهم كان عليهم البقاء في ديارهم حتى يأتيهم الموت المحدق بهم، ويؤكد هؤلاء الإسلاميون أن جهات خليجية أخرى تقوم بتشويه صورة مصر والمصريين بغرض إجهاض الثورة ومساندة الانقلاب العسكري.
 
ويؤكد الإسلاميون أنهم وضعوا كل إمكانياتهم تحت إمرة أشقائهم السوريين، وأن أحداً لم يشر إلى أنه رغم الظروف الصعبة التي مرت بها مصر سياسيا واقتصاديا في العام الذي شهد حكم الرئيس المعزول د.محمد مرسي، قامت الحكومة الإسلامية في حينها بفتح جميع المدارس، وكذلك المستشفيات بالمجان ليتلقى المواطنون السوريون خدمات التعليم والعلاج مثلهم مثل أشقائهم المصريين.
 
ويرى البعض أنه من عجائب الأمور أن تجد في هذه الظروف الحالكة من يستغل مأساة أبناء جلدته ليبحث عن تكوين الثروات من أقواتهم، وهذا ما أثبته مواطنون سوريون اعترفوا بقيام بعض المسئولين عن التنسيقيات السورية في مصر بنهب أموالها والهرب بها إلى الخارج.
 
في الوقت الذي أكد طبيب سوري مقيم في مصر أن رجال الأعمال المصريين هم الأكثر تبرعا لهذه التنسيقيات، وهناك جهود شعبية كبيرة تبذل لإعانة الأشقاء السوريين بقدر المستطاع في ظروفهم الحالية التي نسأل الله ألا تدوم أطول من ذلك.
 
بعض اللاجئين السوريين يؤكدون أنهم تعرضوا للاستغلال من قبل رجال أعمال سوريون، افتتحوا مشاريع إغاثية وهمية مرتبطة بمشاريع أخرى إعلامية تمثلت في قنوات فضائية، تبث من القاهرة بلا تراخيص، وتستغل أوضاع اللاجئين السوريين بالعمل لديهم بأجور متدنية جداً، وبلا أي حقوق وظيفية وهو ما عرضهم للفصل من العمل مراراً وتكراراً.
 
مسئولية الانقلاب:
 
ولا ينكر المنصفين من كلا الجانبين سوري ومصري أن هناك حالات زواج حدثت بين مصريين وسوريات، بعضها تم بصورة طبيعية، وقام فيها الزوج المصري بتوفير كل مستلزمات المعيشة لزوجته كما يحدث حين يتزوج من مصرية تماما، وهذا باعتراف مواطنين سوريين، وبعضها الآخر كانت فيه شبهة استغلال للظروف القاسية التي يمر بها أهل الزوجة.
 
ويقول باحثون وحقوقيون أنه من الخطأ أن يتم تعميم هذه الحالات القليلة التي وقع فيها استغلال وتصويرها على أنها "ظاهرة"، وخاصة أن كل المجتمعات ومنها المجتمع المصري يشهد من وقت لآخر زيجات بين مواطنيه فيها شبهة استغلال ناتجة عن عدم التكافوء بين الطرفين، وخاصة حين يتعلق الأمر بفارق السن بين الزوجين.
 
وتظل سلامة اللاجئين السوريين إحدى المشكلات التي تعاني منها مصر بعد الانقلاب الدموي الذي تم في الثالث من يوليو هذا العام، وذلك في ظل عدم تجاوب السلطات الانقلابية مع ما يجري على الأرض تجاه السوريين بالصورة الواجبة.
 
وفي شأن ما يتعرض له السوريون من مضايقات بلغت حد الاعتداء البدني لم نسمع حتى الآن تصريحا رسميا من سلطات الانقلاب يوقف هذا الاعتداء الذي تجرمه القوانين والأعراف الدولية، وبالتالي يظل مصير من تبقى من اللاجئين السوريين في القاهرة مجهولاً وغامضا، وهو ما يحمل سلطات الانقلاب المسؤولية عن كل سوري حتى يقرر المغادرة.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان