رئيس التحرير: عادل صبري 10:05 صباحاً | الأحد 21 أكتوبر 2018 م | 10 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

إطلالة على أوضاع المصريين في الصين

إطلالة على أوضاع المصريين في الصين

ملفات

د. نادية حلمي.. محاضر وباحث زائر بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند بالسويد

إطلالة على أوضاع المصريين في الصين

د. نادية حلمي 19 يناير 2016 18:29

وقع الاختيار على عام 2016 ليكون موعدا لبدء فعاليات العام الثقافى بين مصر والصين"، كفعالية ثقافية كبرى تضم العديد من الأنشطة، ويأتي هذا الحدث المهم تأكيداً على قوة العلاقات بين البلدين في كافة المجالات، وخاصة العلاقات الثقافية بين الشعبين المصري والصيني. في الوقت ذاته، تشهد العلاقات المصرية – الصينية انطلاقة قوية مع زيارة رئيس الصين «شي جين بينج» للقاهرة خلال الفترة من 20 إلى 22 يناير 2015، وهي أول زيارة رسمية لرئيس صيني منذ 12 عاماً، وتتزامن مع الاحتفالات بذكرى مرور 60 عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.


وبمناسبة العام الثقافي المصري الصيني، فإنه من المقرر أن يكون هناك أكثر من أربعين فعالية على مدى عام 2016، سيتم عقدها على التوازى في مصر والصين، وهذا العدد قابل للزيادة بناء على التنسيق بين وزارتي الثقافة بكلا البلدين.

وفي نفس الوقت، فإن الاحتفال بعام 2016 كعام للثقاقة بين مصر والصين، سيتم الإعداد له بأنشطة ثنائية كثيرة على المستويين الشعبي والرسمي، حيث نشهد إقامة فعاليات للعام الثقافي في الكثير من المدن والمحافظات المصرية والصينية بهدف زيادة التفاهم والتقارب بين ثقافتي وتقاليد البلدين والشعبين.

وبمناسبة الاحتفال بعام الثقافة المصرية – الصينية فإن الكاتبة عكفت على دراسة هذا الجزء الخفي من أحوال المصريين في الصين، ونظرتهم ورؤيتهم للوطن الأم، وأهم المشاكل والمحطات التي يلتفون حولها، خاصة مع استحداث وزارة جديدة مستقلة بتوجيهات من الرئيس «السيسي» للهجرة وشئون المصريين في الخارج، حيث وجدت الكاتبة أنها الكتابات المتابعة لأحوال المصريين في الصين قليلة جدا. ولعل حاجز اللغة الصينية يقف دوماً عائقاً في القيام بأية أنشطة فعالة تخص ارتباطاتنا مع الجانب الصيني. والمقال محاولة متواضعة لالقاء الضوء حول معاناتهم وأحلامهم وطموحاتهم. 


وجهات نظر المصريين في الصين

العلاقة بين مصر والصين تتميز بخصوصية ثلاثية الأبعاد. ويمكن إيجاز هذه الأبعاد فيما يلي:

البعد الأول يتمثل في أن كلاً منهما دولة ذات حضارة قديمة، ومن ثم فإن التعامل بينهما ليس عاديا، وإنما هو تفاعل بين أقدم حضارتين كبيرتين في العالم، يجسدان أساس الحضارة الإنسانية كلها.

أما البعد الثاني فهو أن مصر كانت أول دولة في المنطقة العربية، بل في الشرق الأوسط وأفريقيا، تعترف بالصين، وكان ذلك في 30 مايو 1956. ما فتح الباب أمام توالي اعترافات الدول بها، وإقامة جسور التعاون. ولم يكن هذا الاعتراف بالصين مجرد بدء علاقة مع دولة، ولكنه كان حدثاً عالمياً هاماً يكسر الحصار الدولي الحاد الذي كان مفروضاً علي بكين.

والبعد الثالث فهو أنه علي مدى هذه العلاقات عبر 45 عاماً - بل وعلي مديى التاريخ قبل ذلك- لم تحدث صدامات بين البلدين وإنما علي العكس أثمر تعاونهما تأثيرات إيجابية إقليمياً ودولياً.

وفى الوقت الحالى، يمكن ملاحظة أن الأسواق والمراكز التجارية والمحال المصرية صغيرها وكبيرها تزخر بمختلف أنواع السلع والمنتجات الصينية، التي يحتاج إليها المصريون وتناسب أذواقهم وكذلك قدرتهم الشرائية. فلا تكاد تجد بيتاً أو أياً من منافذ البيع في مصر يخلو من هذه المنتجات التي أبدعتها أيدى ذلك العملاق الآسيوى الصاعد.

وإذا كنا نتناول هذه العلاقات الآن – من مختلف الأبعاد، فإن الهدف هو تنميتها وترقيتها عن طريق الثقافة بمعناها الشامل، أي المعرفة التي هي الطريق الأقصر والأوضح لتقوية وتطوير العلاقات السياسية والاقتصادية، وفي شتي المجالات.

وفى مقابلات شيقة أجراها مراسل وكالة أنباء (شينخوا) الصينية في القاهرة حملت عنوان "كيف تصبح حياة أسرتك في حالة عدم وجود البضائع الصينية في مصر؟"، تباينت الإجابات وكان اتجاهها العام ما ذكرته ربة منزل مصرية بقولها: "أعتقد أن نفقات معيشتنا ستزداد كثيرا، ولابد أن ندفع المزيد من الأموال لشراء الحاجات اليومية". وهذا ما يدلل على أن المنتجات الصينية لقيت رواجاً كبيراً في الأسواق المصرية، وأصبحت جزءاً لا غنى عنه في الحياة اليومية للمصريين في الآونة الاخيرة بفضل جودتها وانخفاض أسعارها.


الجالية المصرية في الصين

يزداد عدد المصريين والعرب في بكين بشكل ملحوظ مقارنة بالسنوات الماضية. وهناك توجه صيني بالانفتاح على العرب ومصر وعلى منطقة الشرق الأوسط، وهناك عدد من الطلاب الجامعيين المصريين والعرب الذين يدرسون في الصين، وخصوصاً في بكين. وتقدر الإحصائيات الصينية أن أعداد المصريين المتواجدين في الصين يبلغ نحو 4 آلاف مصري، مع التأكيد على أن المصريين في الصين يمارسون كل الأعمال الصينية.

ولعل أهم ما يلفت نظر الزائر المصري أو العربي إلى العاصمة الصينية بكين هو منطقة "شارع العرب"، والتى يسعى كل زائر أو مقيم مصري أو عربي خاصة في بكين إلى زيارتها باستمرار لأنها تعيد للأذهان العلاقة بين المواطن العربي ووطنه، حيث توصف المنطقة التي يوجد فيها عدد من المطاعم العربية والشرقية في بكين بــ"شارع العرب". أسماء المطاعم في هذا الشارع مستقاة من الثقافة العربية مثل "مطعم ألف ليلة وليلة"، "معطم السفير الفلسطيني"، "مطعم الأكلات العربية الشعبية"، "مطعم الحلال"، "مطعم العرب". حين تمشي في هذا الشارع ستلفت انتباهك اللغة العربية الصادرة من بعض الأشخاص - سواء عرب أو صينيون يتحدثون العربية - حول بعض الطاولات المصفوفة خارج المطاعم، وستشعر بنوع من الألفة، وتتخيّل أنك تمشي في إحدى العواصم العربية. 

ويمكن القول أن تاريخ الهجرة المصرية إلى الصين بدأت منذ الثمانينيات، في عهد الرئيس الصيني الأسبق «دينج شياو بينج» واتباعه سياسة «الإصلاح والانفتاح» الصيني على بلدان العالم لجذب الاستثمارات الأجنبية إلى الصين. وما زالت هجرة وإقامة عدد من المصريين إلى الصين مقتصرة على عدد من الافراد حتى يومنا هذا، لكن الجدير ذكره في هذا الصدد، أن الصين تستقبل تجاراً ورجال أعمال مصريين يسافرون إليها للتجارة بشكل مؤقت، على مدار السنة. هذا، ويستقر عدد كبير من التجار المصريين في منطقة «كوانزو» الصينية حيث يتواجد بها وحدها ما بين 4 إلى 5 آلاف رجل أعمال عربي. 

ويرى بعض المحللين والخبراء الصينيين أن تاريخ الهجرات والإقامة المصرية إلى الصين بدأت منذ زمن طويل عندما اتجه أجدادنا نحو دول شرق آسيا مثل ماليزيا وإندونيسيا والصين والهند للتجارة وكسب العيش، وكان من نتائج هذه الهجرة هو المساهمة في انتشار الإسلام بشكل كبير في هذه البلدان؛ بفضل ما يتمتع به المهاجرون المصريون من حسن الخلق والأمانة وحسن الجوار مع أهل هذه البلدان، وكانت هذه الهجرة أول من فتح الطريق إلى هذه البلدان وسميت بــ«طريق الحرير»، أو طريق «تجارة الحرير»، وهو نفسه الطريق الذي عمل الرئيس المصري «السيسي» على إحيائه خلال لقائه مع نظيره الصيني «شي جين بينج» في العاصمة الصينية بكين في ديسمبر 2014، لما له من أهمية جيوسياسية كبرى.

أما الهجرة الحالية للصين من قبل رجال الأعمال المصريين الذين افتتح عدداً منهم بعض المكاتب والشركات التجارية والاستثمارية في الصين فقد بدأت منذ العام 1997، بعد الانهيار المفاجئ في الأسواق المجاورة كأندونيسيا وماليزيا وتايلاند، وفي أعقاب الانفتاح التجاري الصيني على العالم، وهو ما دفع بالكثير من التجار ورجال الأعمال المصريين للقدوم إلى هذا البلد وتأسيس مكاتب تجارية لتسهيل عمل التجار المصريين القادمين إلى الصين لغرض التجارة وشراء البضائع.


أنشطة وروابط الجالية المصرية في الصين وإسهاماتهم في خدمة الوطن

تطورت العلاقات المصرية - الصينية بصورة ملحوظة في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وذلك بفضل التعاون الوثيق بين الرابطة المصرية العربية الصينية للصداقة والتعاون والجمعية الصينية للتعاون مع شعوب العالم، ومن ضمنها الجمعية العربية - الصينية، وهي تظهر تطور العلاقات بين مصر والصين على مختلف الأصعدة الاقتصادية والسياسية والثقافية والأكاديمية والتربوية وغيرها. وفي السنوات العشر المنصرمة تزايد عدد التجار المصريين الوافدين إلى الصين بصورة كبيرة حتى بلغ عددهم قرابة خمس آلاف تاجر.

وأغلب التجار المصريين يقصدون الصين مرة أو مرتين في السنة، وغالبا ًما يذهبون إلى «كوانزو» أو «أيووا» أو «شنغهاي» العاصمة الاقتصادية لهذا البلد، كما يسافرون للمشاركة في موسم المعرض الصيني الدولي الذي يقام في آواخر كل سنة، حيث أشارت بعض الإحصاءات إلى أن عدد المصريين الذين يزورون المعرض يتعدى 2000 تاجر مصري سنوياً. وفي هذا الخصوص، قالت الأمينة العامة لجمعية الصداقة للشعب الصيني مع شعوب العالم "لين يي" "إن هناك مئات الآلاف من التجار المصريين والعرب يزورون الصين كل عام".

وعليه، يتوزع الاستيراد من الصين بين الشركات والأفراد، ويكاد لا يخلو قطاع في مصر من مالكي خطوط إنتاج أو استيراد وتصدير مع المدن الصينية من «كوانزو» إلى «أيووا» و«شنغهاي»، وغيرها من المدن الصناعية الصينية. حتى الأطباء المصريين باتوا يقصدون الصين لشراء لوازمهم ومعداتهم. وحول العلاقات المصرية - الصينية، ترى الكاتبة أن هناك عدداً من الروابط المصرية قد ساعدت في دعم المصري الصيني المشترك، نذكر منها على سبيل المثال:

1- مجلس الأعمال المصري - الصيني: الذي يعتبر من أهم المجالس التي تعمل في هذا الصدد، والذي ظهرت الرغبة الملحة في إعلانه وتدشينه خلال زيارة الرئيس «السيسي» للصين في ديسمبر 2015، والإعلان خلال الزيارة عن توقيع ما يعرف بـ"اتفاقية الشراكة الإستراتيجية" بين مصر والصين. ويسعى المجلس في الفترة القادمة لتدشين وافتتاح عدة مكاتب له في عدة مدن صينية في كلّ من «كوانزو» و««هونج كونج»» وفي «أيووا». ويأمل المجلس في تقديم المساعدة للعديد من الشركات ورجال الأعمال المصريين، ومدّ العون لكلّ من يرغب بفتح آفاق جديدة في الصين في مختلف المجالات، وتربطه علاقة قوية بالحكومة الصينية.

2- الرابطة المصرية الصينية للصداقة والتعاون التي انبثقت عنها "جمعية الصداقة المصرية - الصينية: والتي تقوم بعدة أنشطة على المستويين الأكاديمي والسياحي، منها إعداد الملتقى الأكاديمي المصري - الصيني والملتقى السياحي المصري - الصيني. وتهدف إلى تعزيز التعاون والتبادل في مختلف القطاعات خاصة الثقافية من أجل تحقيق تنمية الفكر والمعرفة لدي شعبي البلدين ببعضهما البعض.

3- ويملك عدد من التجار ورجال الأعمال المصريين خاصة المقيمين في الصين عدة مكاتب ومحلات تجاريّة ونواد ومطاعم في عدة مدن صينية، لكن أكثر ما يركز رجال الأعمال المصريين عليه من خلال لقاءاتي معهم هو افتتاح مكاتب تجارية معنية باستيراد البضائع من الصين، حيث أن المصريون، وكما هو معروف عنهم عموما، يعملون على شراء كل أنواع السلع الصينية من الأحذية والحقائب والملابس والمصابيح الكهربائية والأدوات المنزلية، وغيرها، وتتمركز هذه المكاتب الخاصة في مدن مثل «كوانزو»، و«هونج كونج» و«أيووا» وغيرها.

4- وعلى مستوى التبادل الأكاديمي والثقافي بين الشباب المصري والشباب الصيني، زاد عدد المنح الصينية المقدمة للباحثين والطلاب المصريين في كافة المجالات، ولم تعد تقتصر مثل السابق على دارسي اللغة فقط، وهذا يتضح من مشاركة وفود شبابية مصرية في عدة معارض وفعاليات صينية مثل المشاركة في ملتقى «شاندون» الثقافي الدولي في الصين، كذلك حرص «المركز الثقافي الصيني» بالقاهرة والمستشارة الثقافية الصينية بالقاهرة الدكتورة «تشين دونج» على اختيار أفضل العناصر المصرية الواعدة في مجال "الأغنية الصينية" و"اللغة الصينية" للسفر إلى الصين تشجيعاً من الجانب الصيني لنشر الثقافة الصينية بين جموع الشعب المصري خاصة من جيل الشباب.

5- وفي هذا السياق، يستفيد بعض الطلبة المصريين من المنح التعليمية التي تقدمها السفارة الصينية في القاهرة، وتحديداً مكتب «الملحقية التعليمية»، حيث يتابعون دراساتهم في الجامعات الصينية، في مختلف الاختصاصات أبرزها الهندسة، والعلوم الطبية والكيميائية، فضلاً عن دارسي اللغة الصينية خاصة في جامعات بكين و«جامعة بكين للغات والثقافة الأجنبية» و«جامعة داليان» وغيرها من الجامعات الصينية ذات السمعة الدولية الجيدة.

6- وعلى صعيد الاحتفال بالمناسبات الوطنية، يقيم سفير مصر الحالي لدى جمهورية الصين الشعبية، «مجدى عامر»، حفل استقبال سنوي بمناسبة ذكرى انتصارات «أكتوبر» و«ثورة 25 يناير»، وغيرها من المناسبات الهامة في التاريخ والذاكرة المصرية، حيث يشارك فيه عدد من أبناء الجالية المصرية المقيمين في العاصمة بكين، وسفراء عرب معتمدين في بكين، وحشد من رؤساء البعثات الأجنبية، ومسؤولين صينيين من وزارات الخارجية والتجارة والثقافة ومن إدارة العلاقات الدولية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، بالإضافة إلى مسؤولين من جمعية الصداقة الصينية - العربية.

ومن هنا، يتضح لنا زيادة عدد الروابط والفعاليات بين الجانبين المصري والصيني في الآونة الأخيرة، وهناك اهتمام ملحوظ بالصين في الآونة الأخيرة على مستوى زيادة عدد المواقع المصرية التي تهتم بالشأن الصيني، كذلك زيادة عدد الفعاليات والأنشطة الصينية في مصر خاصة تلك المتعلقة بالجوانب الثقافية وعرض المسلسل الصيني الشيق "أحلام سعيدة" على شاشة التليفزيون الحكومى المصري في خطوة رفيعة المستوى لدفع مستوى العلاقات الثقافية بين البلدين إلى أعلى المستويات لنشر الثقافة الصينية بين جموع الشعب المصري.


أهم مشكلات الجالية المصرية في الصين

عند توجهك بسؤال مع أياً من أبناء الجالية المصرية في الصين ستجد هناك عدداً من الصعوبات والمشكلات التي يواجهونها، نذكر منها على سبيل المثال:

1- عدم وجود قنصليات مصرية في عدد كبير من المدن الصينية المترامية الأطراف، خاصة في مدن الجنوب الصيني مثل "جوانزو" باعتبارها المدينة الأكثر شهرة ومقصداً لعدد كبير من التجار المصريين والعرب الذين يرغبون في التعاون تجارياً مع الصين، وهو الأمر الذي يضطر معه أبناء الجالية المصرية المقيمين في مدن صينية بعيدة للسفر إلى العاصمة بكين لإنهاء أية أوراق رسمية من السفارة هناك، لذا تبقى الحاجة ملحة لافتتاح عدداً من القنصليات المصرية في عدد من المدن الصينية خدمة وتيسيراً على أبناء الجاليات المصرية المقيمة هناك.

وهنا تؤيد الكاتبة فتح عدة قنصليات مصرية في عدة مدن صينية خاصة مع الانفتاح الكبير على العلاقات مع الصين، وعلى الأخص في مدنية «كوانزو». ففي هذه المدينة عدد لا يستهان به من المقيمين المصريين، إضافة إلى الزائرين لغرض التجارة أو السياحة أو العلاج وهذا يستلزم فتح قنصلية تهتم بشؤون كل هذا العدد من المصريين، فالسفارة تبعد عن «كوانزو» كثيرا، والوصول إليها يشكل عبئاً كبيراً على أي مقيم أو زائر لـ"كوانزو" التي تقع في أقصى الجنوب من بكين، والتي تقع في أقصى شمال البلاد. وبالتالي، فأن فتح قنصلية مصرية في هذه المدينة سيعني الكثير للمصريين المقيمين هناك، حيث تسهل حل مشاكل المغتربين المصريين، وستسهل إجراءات إصدار الجوازات، وخاصة إذا ما أدخل النظام الآلي في إصدارها على غرار بطاقة الرقم القومي في مصر، بحيث يمكن ملئ واستيفاء البيانات على الإنترنت، وتبقى فقط لحظة دفع المصاريف والتسلم توفيرا للوقت، وأعتقد أن الأسباب الحقيقية وراء عدم فتح القنصلية إلى الآن أسباب مالية، وفي انتظار تحقيق رغبة عدد كبير من التجار ورجال الأعمال المصريين من إصدار التوجيهات بتعيين ملحق تجاري مصري في "جوانزو" كمؤشر على الدراسة الجادة والموضوعية لفتح قنصلية مصرية هناك في المستقبل القريب. 

2- الصعوبة الثانية، هي عدم وجود مدارس ودور حضانة مصرية مصرية لأبناء الجاليات المصرية المقيمة في الصين على غرار المدارس الليبية والسعودية والباكستانية مثلاً في بكين. مع ملاحظة أن المدارس الدولية أسعارها مرتفعة للغاية في الصين، فمصاريف الدراسة للطفل الواحد تتراوح بين 15 و18 ألف دولار سنوياً، وهو مبلغ كبير لا يستطيع الكثيرون توفيره لإلحاق أبنائهم بها، بينما المدارس العربية قليلة وبعضها لا تعترف أساساً وزارة التعليم المصرية بشهاداتها. ويرى معظم المصريين المقيمون في الصين أن هناك حلين لا ثالث لهما لهذه الإشكالية أحلاهما مر. الأول: أن ندفع بأبنائنا إلى المدارس الصينية، وبالتالي؛ سيتعلمون ثقافة غير ثقافتنا المصرية العربية وسيتشبعون بتعاليم مغايرة لنا، والحل الثاني: أن نرسل أولادنا إلى أرض الوطن لتلقي تعليمهم وهنا تبدأ رحلة الشتات، الأب في واد والأبناء في واد آخر، ولكم أن تتصوروا حجم الفجوة بين أب يعيش في دولة بعيدة وأبناء يعيشون بعيداً عن والدهم.

وتلقي الكاتبة باللوم على الجانب العربي الرسمي حيال هذه المشكلة. فنظراً لتميز العلاقات العربية الصينية هناك أبواب كثيرة يمكن طرقها مع الجانب الرسمي الصيني، وكل ما يريده المصريون سعي مكثف من الجانب الرسمي العربي لفتح مدرسة عربية لأبناء الجالية العربية، خاصة في مدينة "كوانزو" ذات الكثافة العددية من المقيمين بين أبناء الجاليات المصرية والعربية من أجل التخفيف من معاناة المقيمين المصريين والعرب هناك.

3- الصعوبة الثالثة، هى حاجز اللغة الذي كان وما زال عائقاً بين البائع الصيني والتاجر العربي. حيث أنه مع تزايد عدد التجار المصريين والعرب الذين يأتون للتجارة والإقامة في الصين بسبب رخص أسعار المنتجات الصينية، تظهر مشكلة عائق اللغة الصينية وصعوبتها أمامهم، ولعل كثرة العرب في المدينة ربما يكون السبب الذي دفع عدد كبير من الصينيين أنفسهم لتعلم العربية للاستفادة من هذا الانتشار التجاري العربي هناك، بحيث أنه لم يقتصر أثر الوجود العربي على النواحي التجارية فقط، وإنما امتد إلى الحد الذي جعل تعلم اللغة العربية فيه أمراً من ضرورات العمل في عدد من المدن التجارية الصينية، وليس لدواعي الرفاهية.

4- الصعوبة الرابعة تتمثل في عدم وجود مكتب تمثيل تجاري رسمي مصري في معظم مدن الصين التجارية، وبخاصة مدنية «أيووا» الصينية التي تعد "أكبر سوبر ماركت في العالم" والتي تلقب أيضاً بسوق "العتبة" الصيني، وتقع على بعد ٣٠٠ كيلومتر من مدينة "شنغهاى" العاصمة الاقتصادية للصين، وتحديداً في مقاطعة "شينجيانج". ومما زاد من أهمية مدنية «أيووا» الصينية أنها سهلت عمل التجار ورجال الأعمال المصريين والعرب بشكل كبير، حيث أنهم في البداية كانوا يسافرون لأكثر من مدينة صينية لشراء البضاعة وتجميعها في مكان واحد لشحنها، أما اليوم فإن كل ما يمكن أن تتخيله له سوق خاصة به في مدنية «أيووا»، وهو ما وفر عليهم مشقة ومصاريف السفر.

وتعد مدينة «أيووا» الصينية هى نفسها المدينة التي كانت حتى ١٠ سنوات فقط مجرد قرية صغيرة في جنوب الصين، وكان أهم ما يميزها هو هجرة أبنائها للعمل في المدن المحيطة هرباً من الفقر، ولكن فجأة تحولت القرية الطاردة لأبنائها لواحدة من أكثر المدن الصينية جذباً للسكان من الصين وخارجها. ويطلق البعض عليها مدينة «أيووا» أيضاً بأنها تلك المدينة التي "اختزلت المعجزة الصينية" وعبرت عنها بوضوح. 


دور وزارة "الهجرة وشئون المغتربين المصريين في الخارج" لدعم الجالية المصرية في الصين

جاءت توجيهات الرئيس «السيسي» باستحداث وزارة جديدة منفصلة للهجرة وشؤون المصريين بالخارج، والتي كانت تعد في السابق أحد اختصاصات وزارة القوى العاملة والهجرة. وهو ما يدل على الأهمية التي يوليها الرئيس للمصريين المغتربين، للوقوف بجدية على أهم الصعوبات التي تقف أمام المغترب المصري، وتنعكس سلباً على حياته. وتتمثل احتياجات الجالية المصرية في الصين من "وزارة الهجرة وشئون المصريين في الخارج" في مصر، في النقاط التالية:

1- دعم المشروعات الضرورية التي تخدم فكرة التواصل مع الوطن الأم دينياً وثقافيا. ويتمثل هذا في بناء مدرستين ومسجدين لأبناء الجالية المصرية في مدينتي "كوانزو" و«أيووا»، حيث إن الحفاظ على الهوية الثقافية مطلب هذه الجالية الأساسي؛ لحاجتهم لوجود مدرسة تحتوي أبناء الجالية المصرية، وتضمن ولاءهم في المستقبل لوطنهم الأم دينياً وسلوكياً ومعرفياً وثقافياً وهوياً، وبذلك تضمن عدم وجود انفصام ثقافي للجيل القادم. فأبناء المغتربين المصريين أينما كانوا ونظراً لظروف آبائهم المادية الجيدة التي تمكنهم من الحصول على مستوى تعليمي واجتماعي وصحي جيد تجعل من فرصهم في المستقبل في تبوء مناصب رسمية وتجارية حساسة في بلدانهم أمراً سهل التحقيق، وبالتالي، فإن هؤلاء سيصبحون جزءاً من قادة الرأي، وجزءا من وجهاء البلد، وجزءاً من مسؤوليها، فكيف نرضى لأنفسنا أن يكون قادتنا وتجارنا ومن سيتحملون مسؤولية الوطن في المستقبل بلا هوية. إنها مسؤولية دينية وأخلاقية يقع على عاتق الجهات الرسمية المصرية عبء بحثها، وإيجاد الحلول الفعالة لها تيسيراً على أبنائنا المغتربين في الصين.

من هذا المنطلق تعد المدرسة هي الحاضن الضامن والحصن الفكري المنيع لأبناء المغتربين الذين يعيشون في بلدان غير اسلامية. فقضية الحفاظ على الهوية الدينية والثقافية الوطنية هي الشغل الشاغل لكل المصريين المغتربين والعاملين بالصين. وفي هذا الإطار، ترى الكاتبة أن مشروع المدرستين هو مشروع استثماري ناجح، وبالتالي فإن مردوده الاقتصادي سيغطي نفقاته وأكثر لو أحسن استثماره، كما أن مشروع المسجدين مشروع خيري سيوضع عليهما اسم مصر أمام المسلمين الزائرين للصين من جميع دول العالم. لذا يجب التفكير في طريقة جمع رأس المال المطلوب لهذين المشروعين اللذين سيتمتعان بأهمية إستراتيجية كبيرة تخدم المغترب والاقتصاد المصري ذاته.

2- التفاوض مع الجانب الصيني لتخصيص قطعة أرض كمقبرة أو معاملة المصريين مثل المسلمين الصينيين في حالة الوفاة مقابل دفع رسوم معينة يتم التفاوض بشأنها مع الجانب الصيني، وتتفق الكاتبة مع الحل الأخير باعتباره أسهل وأقرب الحلول للتحقيق، حيث تبرز أهمية هذا الموضوع في الأعباء الكبيرة التي تواجه أسرة المتوفي المصري، حيث أن استخراج تصريح دفن شخص بمقابر الصينيين المسلمين أمر في غاية التعقيد، كما أن تكاليف نقل الجثامين إلى الوطن مرتفعة جدا، ويزداد الموضوع تعقيداً عندما تكون أسرة المتوفي عاجزة عن دفع هذه التكاليف.

3- بما أن الصين تعتمد على الجهات الحكومية في الإشراف والتنظيم الكامل لكل الارتباطات المتعلقة بشؤون الأجانب، وعدم وجود أية طريقة للتعامل "غير الرسمي" مع منظمات المجتمع المدني كما هو موجود في أوروبا، فإنه ينبغي أن تتعامل الجالية المصرية مع الجانب الصيني وفقاً لهذه القاعدة. هذا بمعنى وجوب تعزيز قنوات الاتصال الرسمية بين مصر والحكومة الصينية، ولن يتحقق هذا إلا عن طريق منح رؤساء الجالية المصرية في مدينتي "كوانزو" و"إيوو" دوراً أكبر وصلاحيات أوسع، وإيجاد مقرات رسمية للجالية، ودعمها ماديا، بحيث يستطيع رئيس الجالية تحقيق التواصل الفعلي والمستمر مع الجانب الصيني عن طريق الزيارات المتواصلة للمؤسسات ذات العلاقة المباشرة بقطاعات المال والأعمال، وكذا المؤسسات التي يحتاجها المقيم بشكل مستمر؛ كإدارة الجوازات مثلا، وهذا يشكل مفتاح الدخول إلى قلوب الصينيين، ويجعل الطريق مفتوحاً لمنح المصريين امتيازات كبيرة، خاصة وأن مصر لها خصوصيات ثقافية وحضارية في علاقاتها مع الصين تنفرد بها عن بقية الدول العربية، وتتمثل هذه الخصوصيات في أن مصر هي أول دولة عربية تعترف بجمهورية الصين الشعبية، بالإضافة إلى وجود أكبر عدد من العرب المجيدين للغة الصينية بين المصريين، لذا فإن استغلال هذه المميزات لن يتأتى إلا بتعزيز التواجد الرسمي لمصر في المدن التجارية الصينية ذات الغالبية المصرية وهما مدينتا "كوانزو" و"إيووا".

4- من أجل المحافظة على بقاء الجالية المصرية قائدة ورائدة للجاليات العربية في الصين، ينبغي تقديم الدعم الرسمي، وتثبيت دعائمه، بحيث يبقى مثالاً يحتذى. وتحقيق مثل هذا الطموح لا شك سينعكس إيجاباً على كافة تفاعلات الحياة السياسية والاقتصادية بين حكومتي البلدين. لذا، ينبغي دعم التواصل بين وزارة الهجرة وشؤون المصريين بالخارج وأفراد الجالية المصرية في الصين، من خلال زيارة الوزيرة النشيطة "نبيلة مكرم عبد الشهيد"، ولقائها مع أبناء الجالية المصرية في الصين، حيث لاحظت الكاتبة على أداء سيادة الوزيرة الشابة، ألا وهو أن جل اهتمامها منصب فقط على أبنائنا في أوروبا دون آسيا والصين، فحتى لو كان عدد الجالية أقل في الصين، إلا أن لهم أهمية قصوى، خاصة أبناء هؤلاء المصريين من الجيل الثاني الذي سينشأ متعلماً ومجيداً للغة الصينية، وفي أمس الحاجة لمن يرعاه ويدعمه ويذكره دوماً بهويته المصرية. كما أن الخصوصية التي تتمتع بها العلاقات المصرية - الصينية على المستوى الرسمي وتطبيقاتها الفعلية على واقع العلاقة التجارية والعلمية بين البلدين تستلزم جهوداً أكبر من أجل دفع مسيرة العلاقات بين الجانبين.

من خلال العرض السابق، نخلص إلى أهمية الصين لمصر في الوقت الحاضر، وهذا يفسر سر الزيارتين التي قاما بهما الرئيس «السيسي» إلى الصين خلال فترة وجيزة، فضلاً عن زيارة الرئيس الصيني  «شي جين بينج» إلى مصر كأول زيارة لرئيس صيني لمصر منذ أكثر من 12 عاماً. لذا يأتى تدشين عام 2006 كعام للثقافة المصرية – الصينية كخطوة هامة في تعزيز التعاون بين الجانبين، والتعرف أكثر على الجانب الصيني ثقافياً ومعرفياً، حيث أنه يجب علينا جميعاً التعرف على جميع عادات الشعوب وخصوصاً شعوب آسيا وبالتحديد الصين، لأننا نجهلها ولا نعلم عنهم إلا القليل. 

وتعتقد الكاتبة أن بكين ليست عاصمة الصين فقط، وإنما عاصمة العالم الاقتصادي والعملي. لذا، تعد أهمية التعرف أكثر والتقارب مع الجانب الصيني في هذه المرحلة الحساسة من تاريخ البلاد أمراً غاية في الأهمية يستلزمه التعرف أكثر على مشاكل وأحلام وطموحات وهموم أبنائنا المصريين المغتربين في الخارج لاسيما في الصين باعتبارها النقطة الجوهرية والتخصص الدقيق محل اهتمام الكاتبة. وهنا يأتي دور وزارة الهجرة والمصريين في الخارج كي يمثل نقلة هامة وأداة تعريفية؛ لنقل وجهات نظر أبنائنا في الخارج لوطنهم الأم، والعمل على دراستها، وإيجاد الحلول العملية لها. وآثرت الكاتبة خلال هذه السطور وضع وجهة نظر بسيطة ومتواضعة تعرفنا على أحوال أبنائنا في الصين كخطوة هامة نحو استثمارهم في تحقيق مزيد من التقارب المصري – الصينى في المستقبل القريب.


اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان