رئيس التحرير: عادل صبري 07:14 صباحاً | الجمعة 20 يوليو 2018 م | 07 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

فقراء غزة يحلمون بالسكن "الآدمي"

فقراء غزة يحلمون بالسكن "الآدمي"

الأناضول 29 أغسطس 2013 10:01

"أكره الشتاء، وأدعو من الله ألا يأتي لأننا لا نستطيع النوم ولا حتى الجلوس"، تلك العبارة ما تنطق به شفتي الغزّي أحمد أبو عمرة كلما شارف لهيب الصيف على الرحيل واقترب الشتاء أكثر، فلن تمنع قطعتي "الزينكو" (الصفيح) التالفة والمثقبة التي تغطي نصف ما يسمى بسقف منزله، أطفاله الصغار من زخّات المطر المتسربة إليهم.

 

فأكبر أحلام تلك العائلة، هو بيت صغير تبتعد فيه عنهم قطرات المطر شتاءً، ويتركهم فيه لهيب الصيف المضاعف عندهم.

 

حال عائلة أبو عمرة التي تسكن دير البلح، وسط مدينة غزة البائسة، كحال آلاف البيوت الغزّية التي تعيش في أشباه بيوت لا تصلح للعيش الآدمي وتعاني فيها الاكتظاظ والحرارة المرتفعة ولا تقيهم برد الشتاء.

 

وتسبب الفقر والبطالة والحصار الذي تعاني منه غزة في وقوف هؤلاء الآلف عاجزين أمام توفير مسكن آمن لأبنائهم.

 

كاميرا "الأناضول" رصدت معاناة عائلة أبو عمرة ووجدت بزيارتها لهم الأمل في أن يتحسن حالهم للأفضل ولو بأقل القليل.

غرفة واحدة

هي غرفة واحدة تبلغ من المساحة ثلاثون مترًا مربعًا، تعتبر منزلاً لتلك العائلة التي تتكون من سبعة أفراد، أكبرهم في الحادية عشر من عمره ورب الأسرة عاطل عن العمل، ويعتمد على مساعدة وزارة الشؤون الاجتماعية التي تقدم له كل ثلاثة أشهر (1000 شيكل) ما يعادل (300 دولار).

 

وتفتقر تلك الغرفة لأدنى مقومات الحياة، فلا أرضية فيها ولا أثاث؛ وخزانة ملابس ساكنيها بلا أبواب والأرض هي أسرّتهم التي نشأوا عليها منذ قدومهم للحياة، وبابها مهترئ جدًا.

 

وأثناء تواجد فريق الأناضول هناك، سقط حلق الباب (الإطار) ليضعه أبو عمرة جانبًا ريثما نرحل ليعيد وضعه حتى يستر أفراد أسرته.

 

أما مطبخ تلك العائلة فقد خصص أبو عمرة زاوية الغرفة الأمامية له بجوار الباب، ووضع عددًا من الرفوف الخشبية، اصطفت عليها أواني المطبخ بطريقة غير منتظمة لضيقها، وأسفل تلك الرفوف وضع صندوق كرتوني بداخله عددٍ من أحذية قديمة هي أحذية لأفراد الأسرة.

 

منصب حديدي ثلاثي صغير (آلة يدوية لطهو الطعام على نار الحطب) وخشب وكرتون جمعه الأبناء من أمام المحال التجارية بدلا عن الحطب، هو موقد الأسرة الفقيرة التي تفتقد لوجود جهاز "بوتوجاز" في منزلها.

 

وكلما أشعلته الأم زاد المكان حرارة غير تلك التي يسببها السقف المتهرئ  والتي شعرنا بها عندما رغبت الأم في صنع كوب من الشاي لنا.

موقد حطب

وأمام الموقد الحطبي الصغير صبغت الحائط والتي خصصتها الأم لتكون مقابلة له دومًا باللون الأسود القاتم، حتى لا تتشح الجدران الباقية بالسواد، كما وتحولت أواني الطهي أيضًا إلى أوعية سوداء.

 

ويقول صاحب الغرفة:" حياتنا موت ..نحن كل ساعة نموت.. فقط أطالب بسكن جيد.. لا أريد أكثر من ذلك".

 

وفي زاوية أخرى أسدلت قطعة قماش من الأعلى لتمثّل السقف والباب معًا لمرحاض لا تتجاوز مساحته المتر ونصف المتر وله نصف حائط.

 

ولم يتوقف الحال أمام أبو عمرة فقط، فقد طال أيضًا منزل عائلته -منذ أكثر من عشرين عامًا- الملاصق له والمكون من غرفتين وحمام ومطبخ لا يصلح للعيش الآدمي، يضم أبيه "بكري" وأمه وثمانية أخوة أحدهم أصيب بتخلف عقلي خلال انتفاضة الأقصى الفلسطينية عام 2000م نتيجة استنشاقه لغاز مسيل للدموع ألقته قوات الاحتلال الإسرائيلي ويقف الأب حائرًا أمام تلبية احتياجاته الدوائية.

 

وتقدم "الوالد بكري" سابقًا بمناشدات لوكالة الغوث الدولية "أونروا" منذ عشر سنين لمنحه وأسرته شقق سكنية دون جدوى، وطالبهم بترميم منزله فأُخبر بأنه غير صالح للترميم ويحتاج إلى هدم كامل وإعادة بناء.

 

ولا يعمل الوالد "بكري" -الذي كان عاملًا في إسرائيل سابقًا- بسبب كبر سنه، ومنذ اندلاع انتفاضة الأقصى في عام 2000م منعت إسرائيل آلاف الغزّيين من العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948 التي كانت تشكل مصدر دخل لهم.

 

ويعاني 30% من سكان قطاع غزة الذي يصل تعداده إلى قرابة المليوني مواطن من البطالة، بحسب تقديرات غير رسمية.

 

وتحاصر إسرائيل منذ سبعة أعوام قطاع غزة إثر فوز حركة المقاومة الإسلامية "حماس" في الانتخابات البرلمانية.

 

ويعاني قطاع غزة من عجز في الوحدات السكنية يصل إلى حوالي 14 ألف وحدة سكنية سنويًا، كما يبين م. ناجي سرحان وكيل مساعد في وزارة الأشغال العامة والإسكان في حكومة غزة، مشيرًا إلى أن القطاع يحتاج إلى 70 ألف وحدة سكنية سنويًا.

 

ويقول سرحان:" نحاول حل الأزمة من خلال ثلاثة عشر مشروع إسكاني نفذت الوزارة عددًا منها في السنوات الماضية، و بسبب الأحداث المصرية وإغلاق المعابر وأنفاق التهريب تأثرت تلك المشاريع قيد التنفيذ".

هدم الأنفاق

وهدمت السلطات المصرية منذ أحداث الثلاثين من يونيو أنفاق التهريب المنتشرة على طول الحدود المصرية الفلسطينية، وتوقفت عن العمل بشكل كلي مؤخرًا.

 

ويقول مالكو أنفاق التهريب ل "الأناضول" إن بعض الأنفاق التي كانت تعمل بشكل محدود على توريد كميات قليلة من الوقود ومواد البناء والمواد الغذائية قد تعطلت عن العمل.

 

ويضيف سرحان:" من تلك المشاريع ما هو ممول خارجيًا كالمشروع مدينة الشيخ حمد بن خليفة، وتقديم قطع أراض للمواطنين والبناء لهم عليها، لافتًا إلى توقف هذه المشاريع عدا المشاريع الممولة خارجيًا والتي لم تتأثر".

 

ويمضي قائلاً :" في حال تنفيذ هذه المشاريع ستتوفر 26 ألف وحدة سكنية وسيوفر المشروع القطري 3 آلاف وحدة سكنية".

 

وكانت الحكومة القطرية قد قررت توجيه مساعدات مالية لإعادة إعمار غزة مايو الماضي، وتم توقيع بروتوكول ثلاثي بين قطر ومصر وغزة يتم بمقتضاه رصد نحو 500 مليون دولار لتمويل شراء مواد البناء من مصر لمشروعات إعادة الاعمار وفي مقدمتها قطاع الإسكان والبنية التحتية.

 

وتوقع سرحان تفاقم الوضع في السنوات القادمة لأن 295 كيلو مترا مربعا، المساحة الصالحة للسكن والزراعة في غزة، ولا تكفي للزيادة السكانية الكبيرة في القطاع.

 

ورغم قسوة الحياة التي تعيشها عائلة أبو عمرة إلا أن وجوه أبنائها رسمت ضحكات طفولية برئية  وبدأو باللعب كأنهم لا يعون قسوة الحياة من حولهم، ومازال حلم هؤلاء الأطفال ببيت يحمي طفولتهم.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان