رئيس التحرير: عادل صبري 12:18 مساءً | الاثنين 15 أكتوبر 2018 م | 04 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

إسرائيل تدرس الصين.. قراءة في السباق نحو مراكز التأثير العالمية

إسرائيل تدرس الصين.. قراءة في السباق نحو مراكز التأثير العالمية

ملفات

د. نادية حلمي: محاضر وباحث زائر بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند بالسويد

دراسة ترصد مستقبل الدراسات الصينية في الجامعات "الإسرائيلية"..

إسرائيل تدرس الصين.. قراءة في السباق نحو مراكز التأثير العالمية

د. نادية حلمي 29 أكتوبر 2015 15:08

شهد الربع الأخير من القرن الماضي انفجاراً حقيقياً في الميدان الأكاديمي للدراسات اليهودية في الصين. وخلال ذلك الوقت، عززت إسرائيل مكانتها باعتبارها "مركزاً عالمياً" في مجال "الدراسات اليهودية" حول العالم، وذلك من خلال إعطاء خبراتها للجانب الصيني في هذا المجال.

نتج عن هذه الجهود تزايد عدد العلماء والباحثين الصينيين المتخصصين في الشئون العبرية، والموالين لإسرائيل ولسياساتها في المنطقة، وهو الأمر الذي تناولته كاتبة الدراسة في كتابات سابقة حول خطورة هذا الأمر في ظل استمرار الغياب العربي في هذا الصدد.

وفي هذا الإطار، استغلت المنظمات اليهودية والصهيونية غياب البعد العربي داخل الصين كي تلعب دوراً أكب؛ر سعياً لعلاقة أقوى مع الجانب الصيني.

ولعل النقطة الأكثر أهمية – والتي تؤكد عليها كاتبة الدراسة – هي دور العلماء والأكاديميين الصينيين الملحوظ والنشط فيما يتعلق بالعلاقات الصينية الإسرائيلية. والمفاجأة التي ستطرحها الكاتبة، والتي لاحظتها بالفعل من خلال دراساتها المتعمقة في هذا المجال، تتمثل في تلبس بعض العلماء والباحثين الصينيين بتلقي التمويل والموارد اللازمة للتدريب والدعاية للصهيونية من عدد من الأحزاب الموالية للحركة الصهيونية وعدد من الأحزاب الإسرائيلية، ما نتج عنه تزايد في عدد الأكاديميين الصينيين الموالين للسياسات الإسرائيلية، ودعم وجودها في الصين، وطرح وجهات نظر موالية لإسرائيل في وسائل الإعلام الصينية، وظهر ذلك أيضاً جلياً من خلال تناولهم للصراع العربي الإسرائيلي.


دور المنظمات الموالية لإسرائيل والأحزاب الإسرائيلية في تجنيد الباحثين والأكاديميين الصينيين

في دراسة مسحية غاية في الأهمية للدكتور "يي يي تشن" Yiyi Chen مدير معهد اللغة العبرية والدراسات اليهودية في "جامعة بكين" بالصين، يؤكد تشن على المشاعر المهيمنة داخل المؤسسة الأكاديمية الصينية نحو السياسات الإسرائيلية.

هذا الأمر نتيجة طبيعية وفقاً لكلام الدكتور "يي يي تشن" بسبب "استمالة" عدد كبير من الباحثين الصينيين من قبل المنظمات الموالية لإسرائيل. وتلعب الجهات المانحة والمنظمات المؤيدة لإسرائيل دوراً كبيراً في هذا السياق لحشد أكبر عدد ممكن من الأقلام والعقول الصينية نحو إسرائيل وسياساتها، مما يفسر الاتجاه الذي اتخذته بعض المؤسسات والمراكز في الصين، بل والأوساط الأكاديمية الصينية من توجه مكثف نحو إسرائيل في الفترة الأخيرة.

ويؤكد الدكتور "تشن" أن ثمة حملة نشطة تكثفت في السنوات القليلة الماضية من قبل المؤسسات الإسرائيلية تستهدف قطاعاً كبيراً من الأجيال الأكبر سناً في الصين - ولكن على نحو متزايد الأصغر سناً - لإعادة إنتاج وتعزيز الروايات المؤيدة لإسرائيل داخل الجامعات ومراكز الفكر الصينية.



تاريخ الدراسات الإسرائيلية والكتابات المثيرة حول "الموساد" الإسرائيلي داخل الصين

بدأ الاهتمام بالدراسات الإسرائيلية في الصين منذ أوائل عام 1980، عندما ظهرت عدداً من الكتب الصينية تناولت موضوعات متعلقة باليهودية في الصين، وقد طبعت من 200 إلى 300 كتاب حول (التاريخ - الثقافة - الدراسات) اليهودية في الصين، والنقطة التي توقفت عندها الكاتبة هي تنامي شعبية هذه الدراسات اليهودية داخل الصين.

العلماء الصينيون يعتبرون هذه الأرقام مرتفعة نسبياً بالمقارنة مع الاهتمام الذي يوليه الأكاديميون الصينيون عموما للثقافات الأخرى.


ولعل النقلة الأهم في تاريخ الدراسات اليهودية في الصين هي فترة "ما بعد الثورة الثقافية" حيث دأب عدد من العلماء الصينيين على ترجمة الكتب اليهودية وبعض الروايات الإسرائيلية والتاريخ اليهودي.

ولحق ذلك التوجع نمطا من التطورات تمثلت في استمرار وتزايد الترجمات الصينيية الجديدة، وفي وقتنا الحالي، لبعض الموضوعات الجديدة التي تهم الجانب الصيني مثل: دراسة بنية إسرائيل السياسية والعلاقات الخارجية الإسرائيلية، والأداء الاقتصادي والزراعي الإسرائيلي.


والأكثر إثارة ما نلمسه من تزايد حجم الاهتمام والاثارة الصينية حول موضوع "الاستخبارات" الإسرائيلية ونجاحها وتفوقها، والميل لدراسة إنجازات جهاز "الموساد"، حتى إن المتابع سيجد في الصين أكثر من عشرة كتب حول الموساد الإسرائيلي ونجاحاته وبطولاته وأنشطته، ما بين مؤلف ومترجم للصينية، وظهر ذلك جلياً من خلال تعطش عدد كبير من القراء الصينيين من جميع المستويات الثقافية والاجتماعية والفكرية للعثور على مثل هذه الكتابات الخاصة بالموساد الإسرائيلي، ومحاولة العثور عليها، والمطالبة بطباعة نسخ جديدة منها، بسبب نفاذ الكميات السابقة المطروحة منها بسرعة كبيرة.

وعلى الجانب الآخر، فإن الكتابات الصينية عن الثقافة اليهودية والدين اليهودي كانت أقل إثارة وجذباً لجمهور القراء الصيني مقارنة بمثل هذه الكتابات المخابراتية، خاصة مع عدم وجود خبرة دينية على الإطلاق لدى الشعب الصيني كما هو متعارف عليه، حيث لا يشغل الدين حيزاً كبيراً في الفكر الصيني.

وتشمل أهم المنشورات والكتب الصينية عن اليهودية عدد من المؤلفات، مثل:

التاريخ اليهودي من إبراهيم إلى دولة إسرائيل From Abraham to the State of Israel

أو تناولت فترات محددة، مثل المملكة اليهودية القديمة The ancient Jewish kingdom

تحديث اليهودية في القرن الثامن عشر The modernization of Judaism in the eighteenth century

دراسات عن المحرقة، ومطاردة المجرمين النازيين The Shoah, and the hunt for Nazi criminals

ولادة ونمو إسرائيل والصراع العربي الإسرائيلي The birth and growth of Israel, the Arab-Israeli conflict

الفلسفة اليهودية والأدب والدين اليهودي Jewish philosophy, Literature and religion

وفي السنوات التي تلت بدء العلاقات الرسمية والدبلوماسية بين الصين وإسرائيل وافتتاح السفارة الإسرائيلية في بكين عام 1992، شهدت هذه الفترة عدداً متزايداً من ترجمات النصوص الفلسفية والدينية اليهودية من العصور القديمة والحديثة، مثل:

دليل الحائر لــ "موسى بن ميمون" Guide of the Perplexed

النصوص الربانية والتلمودية من أقوال الآباء Rabbinic and Talmudic texts Sayings of the Fathers

ترجمة كتاب من العبرية للصينية لــ "ديريخ أيرتز سوتا" Derekh Eretz Suta، مع وجود فصل كامل ملحق بالكتاب عن السلام (Perekh ha-Shalom)، وهو الكتاب الذي نشر في عام 2003.

وبشكل عام، ترى الكاتبة أن هناك تحولاً في الكتابات والترجمات الصينية من العبرية من مجرد مقدمات وتعريفات باليهودية إلى أعمال أكثر تخصصية ودقة.


مستقبل الدراسات الصينية داخل الجامعات ومراكز الفكر الإسرائيلية

في السنوات العشر الماضية، كان هناك زيادة كبيرة في عدد الإسرائيليين الذين يدرسون اللغة الصينية في الجامعة العبرية بإسرائيل. ويعد قسم "دراسات شرق آسيا" ثاني أكبر قسم في كليات الجامعة العبرية في مجال العلوم الإنسانية. حيث يدرس به كل سنة أكثر من 100 طالب وطالبة، مما يفسر تزايد الدراسات الصينية في الآونة الأخيرة وارتفاع حصيلتها في مكتبة الجامعة العبرية بإسرائيل.

تعتقد كاتبة الدراسة أن جزءاً كبيراً من تزايد الاهتمام بالدراسات الصينية في إسرائيل مرجعه الدور الاقتصادي الكبير للصين في العالم.

وينقسم الاهتمام الإسرائيلي بالشأن الصيني لعدة مجالات وفروع، مثل: الاهتمام بالتاريخ والثقافة الصينية، أو التركيز أكثر على الدراسات الأكاديمية الصينية ومحاولة نقلها وترجمتها لإسرائيل.


التعرف على مستقبل الدراسات الصينية داخل إسرائيل يجعلنا نفكر في نظام التعليم الإسرائيلي في مجمله، خاصة مع الاعتراف بوجود تغيرات في نظام التعليم العالي الإسرائيلي والمدارس الثانوية بما يتيح دراسة أكثر من فرع أو مجال بحثي في الوقت ذاته، ووجود عدد من المراكز التي تقدم دورات لتعليم اللغة الصينية فى المدارس الثانوية الإسرائيلية وبعض اللمحات حول التاريخ الصيني والآسيوي. ولعل هذا هو التغيير الكبير الذي شهدته إسرائيل منذ أكثر من عشر سنوات فيما يتعلق بالاهتمام بالدراسات الصينية داخل البلاد. وفي هذا السياق ستتناول الكاتبة الجوانب الآتية للتعرف أكثر على العلاقات الأكاديمية والثقافية بين الصين وإسرائيل. ويمكن رصد ملامح هذه العلاقة في الآتي:

1- التبادل الطلابي الصيني الإسرائيلي: تزايد الاهتمام الإسرائيلي بإعداد جيل مهتم بالصين، وتعريفه بالمعلومات الأساسية عن التاريخ والجغرافيا الصينيين. ومن هنا، فإن الخبراء الإسرائيليون قدموا المشورة لحكومتهم بضرورة الاهتمام بالتبادل الثقافي الإسرائيلي مع الصين في سن مبكرة جداً. والتحدي الرئيسي هنا أن اللغة الصينية ليست جزءاً من البرنامج الرسمي في المدارس الإسرائيلية، ولكن هناك بعض الجهود الجادة من الجانب الإسرائيلي في الوقت الحالي لنشر اللغة الصينية داخل المدارس الإسرائيلية في المستقبل.

2- برامج تعلم الصينية والفرص المتاحة في الجامعات الإسرائيلية: هناك عدد من البرامج والفرص المتاحة لتعلم الصينية للطلاب الإسرائيليين في الجامعات الإسرائيلية، بحيث يستطيع أي طالب إسرائيلي الحصول على فرصة جيدة للدراسة في الصين لمدة عام أو أكثر. وهناك جهود وبرامج تنسيق مشتركة بين الحكومتين الصينية والإسرائيلية في هذا الاطار، من خلال جهود وزراتي التعليم العالي في البلدين. وهناك برنامج لتبادل الطلاب الإسرائيلين يتم تمويل جزء منها من قبل الحكومة الإسرائيلية والجزء الآخر تساهم به الحكومة الصينية.

3- الاتجاه المتنامي في أعداد الطلبة الإسرائيليين لاختيار دراسة اللغة الصينية: في السنوات العشر الماضية، كان هناك زيادة كبيرة في عدد الإسرائيليين الذين يدرسون اللغة الصينية في "الجامعة العبرية"، وتحديداً في قسم "دراسات شرق آسيا"، والتي تعد ثاني أكبر قسم في كليات الجامعة في العلوم الإنسانية، حيث طورت معاهد البحوث الإسرائيلية والكيانات الأكاديمية العبرية سياسة متعددة الأبعاد، بما في ذلك الجامعات ومعاهد البحوث والمؤسسات المختلفة ووسائل الإعلام؛ لتشجيع أكبر عدد ممكن من الطلبة والباحثين الإسرائيليين لتعلم الصينية، نظراً لأهميتها في خدمة الأمن القومي الإسرائيلي والاقتصاد العبري.

4- تزايد اهتمام الطلاب الإسرائيليين بالثقافة الصينية والشعب الصيني: يعد هذا الاهتمام الإسرائيلي جزءا من التعليم الرسمي الحكومي في البلاد، جنباً إلى تلك الأنشطة اللامنهجية، مثل: المحاضرات والفعاليات الثقافية والمعارض، مع ملاحظة أن معظم تلك الفعاليات تتم معظمها في "الجامعة العبرية" بإسرائيل التي تستقطب أكبر عدد ممكن من الشباب الإسرائيلي المهتم بالتاريخ والثقافة الصينية. وكما ذكرت الكاتبة سابقاً فأن "مركز فريبيرج لدراسات شرق آسيا" "Frieberg Center for East Asian Studies" داخل الجامعة العبرية بإسرائيل، يمكن الجانب الإسرائيلي من القيام بأنشطة من هذا القبيل في تشجيع الاهتمام بالثقافة الصينية داخل ساحة الجامعة.

5- تحديات تدريس الدراسات الصينية في إسرائيل: في الماضي، كان هنالك قسم واحد فقط لدراسات شرق آسيا في إسرائيل، وكان يوجد بالأساس في "الجامعة العبرية" كما ذكرنا سابقاً. ولكن في السنوات الأخيرة، افتتحت أقسام جديدة في "جامعة تل أبيب" و "جامعة حيفا"، وهناك برامج أخرى، وبالتالي، تزايد عدد البرامج التي يتم من خلالها تدريس اللغة الصينية والثقافة والتاريخ الصيني في إسرائيل. ويمكن هنا للكاتبة تتبع عدد من التحديات التي تقابل الجانب الإسرائيلي في مجال الدراسات الصينية، يمكن تلخيصها كالآتي:

أ) يكمن التحدي الكبير للجانب الإسرائيلي فيما يخص الدراسات الصينية هو عدم وجود عدد كاف من الخبراء والأساتذة المعنيين بالدراسات الصينية في مختلف المواد والمناهج الدراسية. فعلى سبيل المثال، إسرائيل لديها عدد قليل جداً من الخبراء الإسرائيليين في الشؤون الخارجية والسياسة الصينية والاقتصاد الصيني.

ب) حتى هذه اللحظة، ليس هناك أى خبير إسرائيلي في "الفن" الصيني، وتاريخ المخطوطات والفنون الشعبية في الصين. ولكن هناك بعض الخطط "الجارية" من الجانب الإسرائيلي لفتح المزيد من الوظائف في الدراسات الصينية في كل مؤسساتها، على أن يكون هناك تنسيق أفضل بين مختلف إدارات وبرامج وأقسام دراسات شرق آسيا فى الجامعات الإسرائيلية المختلفة وفقاً لتعبيرات الخبراء الإسرائيليين.

ج) كما تعانى إسرائيل من قلة عدد الخبراء الإسرائيليين في الشؤون الصينية مقارنة مع غيرها من مجالات الدراسة في إسرائيل كالدراسات الأوروبية، على سبيل المثال، إسرائيل لديها الكثير من الأقسام والبرامج لتدريس الثقافة الأوروبية، والفن، واللغات. ولكن في إسرائيل، تتركز الدراسات الصينية وشرق آسيا فقط في عدد قليل من الجامعات.

د) ويبقي التحدي الأكبر لدي إسرائيل في تطوير برامج متقدمة أكثر للباحثين الإسرائيليين الراغبين في استكمال دراساتهم العليا نحو الماجستير والدكتوراه في الدراسات الصينية المختلفة داخل الجامعات الإسرائيلية نفسها دون الحاجة للذهاب للخارج لدراسة مثل هذه النوعية من الدراسات.

ومن المجالات الأخرى التي يلزم الكثير من التحسن فيها في إسرائيل هي مجال البنية التحتية لــ "دراسات شرق آسيا"، بمعني أن إسرائيل في حاجة إلى مرافق عديدة في هذا الإطار، مثل المكتبات البحثية الحديثة، وتوافر المواد الأولية والثانوية مثل معامل اللغة والصوتيات لتعلم الصينية، فضلاً عن الوصول إلى قواعد البيانات المختلفة لدول شرق آسيا ومنها الصين.

والملاحظة الجديرة بالذكر أن إسرائيل تسعى في الوقت الحالي إلى إنشاء مكتبة مهنية في لغات شرق آسيا ومنها الصينية. وتؤمن الدولة العبرية بأن الاستثمار في مثل هذه المرافق ينبغي أن يأتي من الدولة والجامعات والجهات المانحة الخاصة جميعا، نظراً لأهمية الصين بالنسبة لإسرائيل في الوقت الحالي، خاصة في النواحي الاقتصادية والتجارية المختلفة.


6- نتائج الاستثمار في الدراسات الصينية في إسرائيل: هناك بعض الطلاب الإسرائيليين الذين تخرجوا بالفعل من برامج دراسات شرق آسيا أو برامج أخرى في إسرائيل، والتي تم دمجها في مؤسسات مختلفة في إسرائيل، مثل وزارة الشؤون الخارجية والوزارات الأخرى والقطاع الاقتصادي والثقافي.

ويمكن مقارنة ذلك التطور بما سبقه منذ أكثر من عشر سنوات، حيث يمكننا الآن أن رؤية موقف إسرائيلي أكثر مهنية في التعامل مع الصعود الصيني في أجزاء مختلفة من المجتمع الإسرائيلي، وهذا أمر مشجع للغاية من قبل الحكومة الإسرائيلية.

7- التوقعات المستقبلية للدراسات الصينية في إسرائيل بعد 10 سنوات من الآن: أجمع الخبراء الإسرائيليون في الشئون الصينية – ومن خلال متابعتي لأنشطتهم وأحاديثهم وتحليلاتهم - بأنه بعد عدة سنوات من الآن، فإن واقع الدراسات الصينية سينمو ويزدهر بشدة في إسرائيل. وستصبح هذه النوعية من الدراسات الصينية جزءاً هاماً من التعليم الإسرائيلي داخل الجامعات والمدارس الثانوية، بل وستعمم هذه الخدمات المتعلقة بدراسة الصين كي تشمل المجتمع الإسرائيلي بأسره.


- الوسائل والآليات الإسرائيلية لجذب الأكاديميين الصينيين نحو إسرائيل

هناك عدد من الشراكات في المجال الأكاديمي بين الصين وإسرائيل. ويلعب الجانب الإسرائيلي دوراً كبيراً في محاولة التقارب مع الصين خاصة على الجانب الأكاديمي. ويلعب "المجلس الإسرائيلي للتعليم العالي" "Israel’s Council of Higher Education" دوراً خطيراً في جذب عدد كبير من الدارسين الصينيين نحو إسرائيل، من خلال إعطاء منح دراسية لدرجتي الماجستير والدكتوراه وعمل دراسات مرحلة ما بعد الدكتوراه.

ونتج عن تلك السياسات الإسرائيلية للتعاون الأكاديمي مع الجانب الصيني، موافقة كلاً من "جامعة تل أبيب" في إسرائيل "Tel Aviv University"و "جامعة شينخوا" "Tsinghua University" في بكين، على استثمار 300 مليون دولار لإنشاء "مركز أبحاث شين" "Xin Research Center" لدعم التعاون الأكاديمي الصيني - الإسرائيلي، وعلى الأخص في مجال التكنولوجيا الحيوية، والطاقة الشمسية والمياه والتكنولوجيات البيئية.

في عام 2013، تعاون معهد التخنيون الإسرائيلي للتكنولوجيا Technion-Israel Institute of Technology مع جامعة شانتو Shantou University، في مقاطعة "قوانغدونغ" "Guangdong" جنوب الصين، لبناء فرع آخر لمعهد التخنيون الإسرائيلي للتكنولوجيا داخل الحرم الجامعي لجامعة شانتو الصينية.

وإجمالاً، ستحاول الكاتبة إلقاء الضوء على عدد من الطرق والوسائل التي تتبعها إسرائيل لجذب و "تجنيد" – وهو التعبير الأكثر راحة في الاستخدام عند الباحثة – الأكاديميين والباحثين الصينين إلى إسرائيل، كالآتي:

توفير الدعم للعلماء والطلاب الصينيين، فضلاً عن الندوات الأكاديمية المشتركة بما يمكن أن تؤدي إلى فهم أفضل للأحداث الجارية في المنطقة من وجهة نظر إسرائيلية.

= مساعدة عدد من الطلاب والعلماء الصينيين للوصول إلى مستوى متقدم في اللغة العبرية من خلال تقديم منح دراسية في اللغة العبرية والدراسات اليهودية داخل الجامعات الإسرائيلية. باعتبارهم نواة للجيل القادم من العلماء المهتمين بالشأن الإسرائيلي واليهودي في الصين.

تنظيم مسابقة دورية للطلاب الصينيين في إقليم "كايفنغ" الصيني لأفضل مقال عن التاريخ والثقافة اليهودية، وتعميم مثل هذه المسابقات على مستوى بعض الجامعات والمعاهد التعليمية الأخرى في الصين لتشجيع الاهتمام بالدراسات اليهودية والإسرائيلية داخل المجتمع الصيني.

وفي ربيع عام 2004، اقترحت مؤسسة صينية استضافة معرض عن الثقافة اليهودية والتاريخ اليهودي، وهو التقليد الذي جذب عدداً كبيراً من الجامعات الصينية لاتباعه وبات يجذب أعداداً كبيراً من الشباب الصيني وبتشجيع من الجانب الإسرائيلي. وتم عمل إحدى تلك المعارض عن الثقافة اليهودية في إحدى المتاحف الوطنية المهمة في بكين، مما لفت إليها أنظار العالم باعتبارها حدثاً هاماً، يحتمل أن يحمل تأثيراً أكبر لجذب فئات أخرى من المجتمع الصيني لمثل هذه الفعاليات اليهودية تحت رعاية إسرائيلية.

ولعل التحول الجديد في هذا الصدد، هو أن وسائل الإعلام الصينية المحلية والوطنية، وخاصة التلفزيون المركزي الصيني CCTV باتت تلقي الضوء على مثل هذه الفعاليات والمعارض اليهودية في الصين، مما مثل نقلة كبيرة في الفكر والوعي الصيني مقارنة بالفترات السابقة حيث كانت وسائل الإعلام الصينية في كثير من الأحيان تتجاهل تغطية أخبار مثل هذه المعارض اليهودية والفعاليات المرتبطة بها.

والتحول الأخطر في هذا السياق هو تنظيم عدد من الأكاديميين الصينيين المهتمين بالدراسات اليهودية في مدينتي بكين وشنغهاي عدة ندوات تعريفية في جامعاتهم وبين أوساط الشباب الصيني للتذكير وللاعتراف بحقيقة أن العديد من اليهود لجأوا إلى الصين قبل وخلال الحرب العالمية الثانية. بل ولتوجيه الشكر لعدد كبير من الشخصيات والمنظمات اليهودية على "مبادراتهم" و "إسهاماتهم" الخيرية في الصين من خلال التبرعات اليهودية في مدن هونج كونج وشنغهاي، وفي بعض المناطق الريفية من مقاطعة قوانغدونغ Guangdong لبناء والمساهمة في بناء وترميم عدد من المرافق الأخرى لمساعدة الأطفال الصينين المحليين الفقراء في تلك المقاطعات الفقيرة من أجل الحصول على التعليم، والغذاء، والرعاية الطبية اللازمة. وهنا يؤكد هؤلاء الأكاديميون الصينيون أن مثل هذه الندوات للتعريف بأنشطة وإسهامات اليهود كانت "طوعاً" من خلال الجانب الصيني، حيث أن بعض المساهمين اليهود لا يرغبون في التباهي علناً بإسهاماتهم الخيرية في تلك المقاطعات الصينية الفقيرة ​​ويفضلون البقاء بعيداً عن الأضواء.

ولعل التطور الأخطر، هو ارتفاع وتزايد عدد الطلبة الإسرائيليين الدارسين للصينية داخل الجامعات الإسرائيلية، في عام 2004، تم تسجيل الارتفاع الملحوظ في أعداد الطلبة الإسرائيليين إلى أكثر من 600 طالب إسرائيلي من الذين يدرسون اللغة الصينية أو التاريخ الصيني في جامعات القدس وتل أبيب وحيفا، وهو عدد هائل بالنظر إلى حجم إسرائيل كدولة صغيرة.

وقد انعكس اهتمام الجمهور العام في الصين بالجانب الإسرائيلي، من خلال النجاح الكبير لمعرض الفن الصيني في متحف إسرائيل في عام 2001، كواحد من أكبر المعارض الفنية الصينية في تاريخ إسرائيل.

يسعى الجانب الإسرائيلي لتشجيع المزيد من الترجمات من الكتب الصينية إلى العبرية، فضلاً عن المحاضرات العامة والمعارض والمهرجانات السينمائية لزيادة الوعي بأهمية الدراسات الإسرائيلية والعبرية داخل المجتمع الصيني.

وأخيراً، هنا يبرز دور الدوائر التلفزيونية المغلقة المتمثلة في التليفزيون المركزى الصيني CCTVفي دعم التعاون الأكاديمي بين الصين والأكاديميات الإسرائيلية، من خلال عرض الكثير من الأفلام الوثائقية حول تاريخ اليهود خاصة هؤلاء اللاجئين اليهود إلى الصين خلال فترة الحرب العالمية الثانية هرباً من جرائم النازية وإسهاماتهم في بناء وتطوير المجتمع الصيني سياسياً واجتماعياً وفكرياً خلال فترة تواجدهم وبقائهم في الصين.

ووفقاً للعرض السابق، تري كاتبة الدراسة بعض التأثيرات السلبية لتزايد نطاق الدراسات الصينية داخل الجامعات ومراكز الفكر الإسرائيلية على الأمن القومي العربي، على النحو التالي:

1) ترى الكاتبة أن تزايد ظاهرة تنامي الدراسات الصينية داخل إسرائيل ستخلق جيلاً جديداً من الخبراء وشباب الأكاديميين الإسرائيليين المعنيين بالشؤون الصينية ولها علاقات وثيقة مع الجانب الصيني، وبالتالي خلق موجة من الدفاع عن السياسات الإسرائيلية داخل الصين تجاه العالم العربي والقضية الفلسطينية.

2) كما ترى الكاتبة أن هناك خطوة أخرى جديرة بالدراسة والاهتمام داخل المجتمع الصيني وهي تزايد موجة التسامح الآخذة في الاتساع عن اليهودية، التي اتبعت في أعقاب افتتاح برامج الدراسات اليهودية داخل الجامعات ومراكز الفكر الصينية. وهو الأمر الذي ظهر جلياً لدى الباحثة من إجماع الطلاب والأكاديميين ومديري الجامعات الصينية بل ومسئولي الحكومة المركزية الرسمية في بكين بشأن اهتمامهم البالغ باليهودية داخل الصين. وذلك قد يؤثر على الدول العربية في المستقبل من خلال تبني كل هؤلاء الخبراء الصينيين وجهة النظر تجاه العديد من القضايا الإسرائيلية في المنطقة مما يؤثر على الأمن القومي العربي في مجمله من خلال تبني وجهة النظر الإسرائيلية في جوانب مختلفة ضد العالم العربي.

3) وفي رأي الباحثة، فأن الاهتمام الصيني بالدراسات اليهودية والإسرائيلية هو نتيجة طبيعية لجذب الشخصية "اليهودية" لطبيعة الشخصية الصينية والمجتمع الصيني الذي يبحث دوماً عن "رمز" ناجح كي يتبعه، فاليهودي وفقاً للثقافة الصينية هو كل من هو ذكي، وثري وناجح.

كما أن وجود عدد كبير من المشاهير اليهود على نطاق واسع حول العالم لهو أمر أكثر "إثارة" وجذبا لدى الجانب الصيني مثل: "مارك زوكربيرج" مؤسس موقع "الفيس بوك" الشهير والمتزوج من فتاة صينية خريجة كلية الطب من أمريكا، و "روكفلر"، وهي إحدى العائلات ذات النفوذ والقوة المسيطرة على الاقتصاد الأمريكى منذ القرن التاسع عشر حتى الآن. وغيرهم كثيرون من الشخصيات اليهودية الناجحة الأكثر جذباً للصينيين وعلى الأخص الشباب الصيني المغرم بمثل هذه الشخصيات اليهودية الناجحة ومحاولة التعرف عليها وتقليدها.

ونتيجة لذلك سيكون هناك جذب أكثر لجيل الشباب الصيني الجديد للمسائل اليهودية والإسرائيلية بدلاً من القضايا العربية، وتختتم الباحثة تحليلها بأنها لعبة مستقبلية تدار بحنكة ومهارة شديدين من قبل الجانب الصهيوني ضد العالم العربي وسياساته.


اقرأ أيضا..

دعم الأكاديميين.. المفتاح "الإسرائيلي" لتطويع الصين

الأكاديميون الصينيون والربيع العربي.. تخوفات من عولمة إخوانية

ماذا تريد الصين من" السيسي" رجل المخابرات؟

كلمة الصين في الأمم المتحدة.. دور سياسي يعادل القوة الاقتصادية

نادية حلمي بندوة تقاليد الزواج في الصين

لماذا لا تتعاون الصين وإسرائيل ومصر معاً في مكافحة الارهاب؟

===

د. نادية حلمي: محاضر وباحث زائر بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند بالسويد، ومدرس العلوم السياسية بكلية الدراسات الاقتصادية والعلوم السياسية بجامعة بني سويف، خبيرة في الشئون السياسية الصينية، ومدير وحدة دراسات جنوب وشرق آسيا.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان