رئيس التحرير: عادل صبري 07:05 مساءً | الأربعاء 12 ديسمبر 2018 م | 03 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

كيف يثق الإسلاميون في صندوق الانتخاب بعد مجازر السيسي؟

روبرت فيسك:

كيف يثق الإسلاميون في صندوق الانتخاب بعد مجازر السيسي؟

إعداد : حازم زكي 15 أغسطس 2013 11:12

انكسرت البوتقة المصرية، وذابت الوحدة وسط المجازر والمعارك العنيفة التي شنها الانقلابيون لقمع جماعة الإخوان المسلمين وتيار الإسلام السياسي..

استشهاد المئات وإصابة الآلاف لم يغير النتيجة التي باتت جلية، وهي أن ملايين المصريين باتوا على قناعة بانهيار المسار الديمقراطي وسط إطلاق النار الحي والوحشية التي تنتهجها حكومة الانقلاب ضد المدنيين العزل الذين يعبرون عن آرائهم.

والسؤال الذي يطرح نفسه حاليا: كيف يثق الإسلاميون وأنصارهم مرة أخرى في صندوق الانتخابات الذي داسه العسكر ببياداتهم؟

هذه هي القصة الحقيقية لحمام الدم الذي استيقظت عليه مصر أمس.. من يستغرب بعد ذلك أن يحمل أنصار جماعة الإخوان المسلمين الكلاشينكوف في شوارع القاهرة، أو أن يرفع أنصار الجيش ومؤيدو الحكومة – لاسيما في الأحياء الشعبية أو مناطق تمركز أبناء الطبقة المتوسطة في العاصمة – الأسلحة للرد على طلقات أنصار التيار الإسلامي.

يخطئ من يتصور أن هذه معركة بين جماعة الإخوان والجيش، بالرغم من أن المسؤولين الغربيين سيحاولون بالكذب والتضليل أن يقصروا هذه المشكلة في صراع جيش وإخوان..

بمجزرة رابعة العدوية والنهضة، خلق السيسي وأعوانه انقسامات عنيفة وعميقة داخل المجتمع المصري، ستستغرق سنوات للتغلب عليها.. بين اليساريين والعلمانيين.. بين المسيحيين والقرويين المسلمين.. بين الشعب والشرطة.. وبين الإخوان والجيش. ولعل هذا هو السبب الرئيسي في استقالة محمد البرادعي نائب الرئيس المؤقت للعلاقات الخارجية.

ويعد حرق عدد من الكنائس نتيجة حتمية لهذا المناخ المروع، الذي زاد الأمور تعقيدا.
إذا مزجنا ما يحدث حاليا بالتجارب التاريخية، سيتضح حجم الأزمة التي قد تقبل عليها مصر.. في الجزائر عام 1992، والقاهرة في انقلاب 2013- ومن يدري ربما يتكرر ذلك في تونس خلال الأسابيع أو الشهور المقبلة- تمت الإطاحة بالإسلاميين الذين وصلوا إلى السلطة عبر انتخابات حرة وديمقراطية.

من منا ينسى الحصار الوحشي الذي فرض على قطاع غزة، عندما صوت الفلسطينيون لصالح حماس في انتخابات ديمقراطية.. وبصرف النظر عن حجم الأخطاء التي ارتكبها الإخوان في مصر، فإن المحصلة النهائية هو أن الجيش أطاح برئيس منتخب ديمقراطيا.. إنه انقلاب عسكري، وكان السناتور الأمريكي جون ماكين محق في إطلاقه هذا الوصف على ما حدث في مصر.

حاول الإخوان- بطبيعة الحال- منذ فترة طويلة ألا يخرجوا من إطار الديمقراطية الذي رسمه الجيش، ليس لأنه نزيه أو مقبول أو عادل، ولكن لأن البديل هو عودتها مجددا إلى جماعة محظورة، وتعرضها لما كان يعرف أيام عبد الناصر بزوار الفجر، في إشارة إلى الاعتقالات الليلية، والتعذيب والشهادة.

كان هذا هو الدور التاريخي لجماعة الإخوان- في فترات التعاون المخزي مع المحتل البريطاني أو الأباطرة العسكريين-  خاصة أن العودة إلى الظلام قد تؤدي بهم إلى إحدى نتيجتين: الأولى أن تسقط في فخ العنف أو أن تنجح على المدى البعيد في خلق دكتاتورية إسلامية.

ذهب النقاد إلى آرائهم وتنظيراتهم المسمومة قبل أن توارى أول ضحية للعنف الثرى.. هل يمكن أن تتجنب مصر الانزلاق إلى الحرب الأهلية؟ هل يقضي الجيش "الوفي" على "الإرهابيين الإخوان"؟ وماذا عن أولئك الذين تظاهروا قبل الإطاحة بمرسي؟

توني بلير كان الوحيد الذي تحدث عن فوضى وشيكة داخل قاعدة تأييد الجنرال عبد الفتاح السيسي.. سيتم استغلال كل حادث في سيناء وكل سلاح في أيدي جماعة الإخوان لإقناع العالم بأن تنظيم الإخوان- بصرف النظر عن كونه غير مسلح لكنه يكتسبه قوته من تنظيمه القوي- هو الذراع اليمنى لتنظيم القاعدة في مصر.

 غير أن التاريخ قد يكون له كلمة أخرى.. سيكون بكل تأكيد من الصعب تفسير إلى أي مدى سيواصل آلاف- بل ملايين- المتعلمين والليبراليين  تقديم دعمهم الكامل للجنرال الذي ظل لفترة طويلة بعد الاطاحة بمبارك يبرر اختبارات كشف العذرية التي تورط فيها الجيش ضد المتظاهرات في ميدان التحرير.

سيخضع السيسي لكثير من الاختبارات خلال الأيام القليلة المقبلة. كان يشاع دائما أنه متعاطف مع الإخوان المسلمين، بالرغم من هذا التعاطف المزعوم أثير بسبب ارتداء زوجته النقاب. وعلاوة على ذلك فإنه يتعين  على كثير من مفكري الطبقة الوسطى الذين ألقوا بدعمهم خلف الجيش، أن يعطوا لضمائرهم أجازة للتكيف مع أحداث المستقبل.

هل كان البرادعي الخبير النووي الحاصل على جائزة نوبل للسلام والشخصية الشهيرة غربيا- والذي تختلف رؤيته الاجتماعية والتصالحية والداعية إلى التكامل مع إصرار الحكومة على فض الاعتصامات بالقوة- سيبقى في السلطة؟

والإجابة بالطبع لا.. كان لابد أن يرحل، لأنه لم يكن يبتغي هذه النتيجة من وراء مقامرته السياسية، عندما وافق الانقلاب العسكري.. فضلا عن أنه يتعين على الكتاب والفنانين الذين أصروا على اعتبار الانقلاب  موجة ثورية جديدة لثورة الخامس والعشرين من يناير- لاسيما بعد استقالة البرادعي- استخدام بعض المفردات والتعبيرات المنمقة للهروب من المسؤولية الأخلاقية عن هذه المجازر.

والأسلحة المعتادة التي تطرح نفسها في الأزمة المصرية هي هل يعني ما حدث أن صفحة الإسلام السياسي قد طويت؟ حتى هذه اللحظة أستطيع القول بأن الإخوان المسلمين ليس لديهم أي استعداد للدخول في تجربة ديمقراطية جديدة، وهذا هو الخطر الحالي الذي يواجه مصر.. فبدون الحرية، سيحل العنف بديلا..

ومن الأسئلة الأخرى: هل ستتحول مصر إلى سوريا جديدة؟ والإجابة هي أنه من غير المتوقع أن يحدث ذلك، فمصر ليست دولة طائفية – ولن يكون ذلك لأن المسيحيين لا يمثلون سوى 10 بالمائة من إجمالي عدد السكان- علاوة على أنها ليست دولة عنيفة بطبعها. لم تشهد مصر انتفاضات عنيفة مثل حدث في الجزائر ضد فرنسا أو سوريا أو حتى حركات مسلحة مثلما الوضع في لبنان وفلسطين ضد الاحتلال البريطاني والفرنسي.

صحيح أن البعض لقي حتفه اليوم وهذا طبيعي بعد أي ثورة، ولكن الذي انهار اليوم هو مصر الأم الأبدية للعالم العربي، والنموذج الوطني، والصورة التاريخية لهذا البلد الذي يعتبر أن كل مواطنيه هم أبناؤه.. ضحايا الإخوان المسلمين بجانب ضحايا الشرطة ومؤيدي السيسي والحكومة، هم أيضا أبناء مصر .. لكن لا أحد يقول ذلك.. لقد أصبحوا "إرهابيين" وأعداء الشعب.. هذا هو الإرث الجديد لمصر.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان