رئيس التحرير: عادل صبري 03:38 صباحاً | الأحد 16 ديسمبر 2018 م | 07 ربيع الثاني 1440 هـ | الـقـاهـره 22° غائم جزئياً غائم جزئياً

كلمة الصين في الأمم المتحدة.. دور سياسي يعادل القوة الاقتصادية

كلمة الصين في الأمم المتحدة.. دور سياسي يعادل القوة الاقتصادية

ملفات

د. نادية حلمي: محاضر وباحث زائر بمركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة لوند بالسويد

كلمة الصين في الأمم المتحدة.. دور سياسي يعادل القوة الاقتصادية

د. نادية حلمي 30 سبتمبر 2015 20:39

أثارت مشاركة الرئيس الصيني "شي جين بينج" في خطابه الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة اهتمام المجتمع الدولي في توقيت يعد الاقتصاد الصيني فيه محط انظار العالم تمهيدا لإنقاذ أو مآلا لأزمة عالمية.


كانت هذه المرة الأولى التي يخاطب فيها "شي" الذي أصبح رئيساً للصين في عام 2013 - الجمعية العامة، وكانت علاقة الصين مع الأمم المتحدة تقليدية بشكل كبير، على الرغم من مكانتها باعتبارها عضواً دائماً في مجلس الأمن منذ عام 1971. وخلال ذلك الوقت استخدمت الصين قدرتها على الاعتراض في تسع مناسبات فقط، مقارنة مع 24 من المملكة المتحدة و78 من الولايات المتحدة في نفس الفترة.

في السنوات الـ20 الماضية، صوتت "بكين" لعمليات حفظ السلام في العالم، وساهمت في عمليات السلام والتنمية في أفريقيا والشرق الأوسط.

وفي الأسبوع الثاني من شهر سبتمبر، نشرت وزارة الخارجية الصينية على موقعها لائحة من التعديلات التي تراها مهمة لتعديل سير وطريقة عمل الأمم المتحدة في المستقبل، مما أعطى مؤشرات واضحة حول رغبة الصين في لعب دور أكبر على الساحة العالمية.

وتضمنت هذه اللائحة 12 قضية تعبر عن رؤية الصين لأولويات الأمم المتحدة، من بينها: منع الحرب، المساواة بين الجنسين، مكافحة الإرهاب، وغيرها. ومع ذلك، كان المعنى الضمني لهذه اللائحة يتمثل في الإعلان عن سعي الصين لتقديم رؤية لإعادة صياغة وتشكيل منظمة الأمم المتحدة وأدوارها وفقاً لمعايير وضوابط جديدة، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى الاعتراف بدور أكبر للصين كقوة عالمية صاعدة.

وجه الرئيس الصيني "شي جين بينج"، في خطابه الأول أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة رسالة تتضمن بعض الضمانات التي تودي بالصين للعب دور أكبر على المسرح الدولي كقوة عالمية مسؤولة. و- أبرز هذه النقاط ما يلي:

1- تحدث الرئيس الصيني عن دور الصين في "حفظ السلام"؛ فضلاً عن دوره ممثلاً في الحزب الشيوعي الحاكم فيما يعرف بـ"الحرب العالمية ضد الفاشية" (الحرب العالمية الثانية).

2- كما حث الرئيس الصيني "شي جين بينج" على النقاش بشكل أعمق حول بناء علاقات طويلة الأمد بشأن: قضايا الوحدة الدولية، وحل القضايا الاقتصادية العالمية. وأكد التزام الصين بجعل العالم مكاناً أكثر أمناً، وكونها شريكاً قوياً داخل الأمم المتحدة، مؤكداً في الوقت نفسه رسالته الإجمالية من أجل بناء شراكات دولية لحل المشكلات العالمية.

3- تحدث شي جين بينج كذلك عن "العولمة الاقتصادية" في عصر المعلومات، وتعزيز دور القوى الاجتماعية المنتجة؛ من أجل تحقيق النهوض الاقتصادي في إطار التحديات الجديدة التي يجب أن نواجهها بشكل مباشر.

4- كما أكد الرئيس الصيني على أهمية التنمية والسلام والمساواة والعدالة والديمقراطية والحرية، والقيم المشتركة للبشرية، والأهداف السامية للأمم المتحدة، ولكن هذه الأهداف لا تزال بعيدة المنال، وعلينا أن نسعى لتلبيتها على حد قوله.

5- وقال "شي" أيضاً إن الصين تكرس جهودا ليست بالقليلة لإيجاد حل للمشكلات البيئية، ومكافحة تداعياتها على سلامة كوكب الأرض، منوها كذلك لالتزامه بجعل القارة الافريقية أكثر ازدهاراً.

6- ومن جهة أخرى، أعلن الزعيم الصيني عن دعمه إنشاء صندوق جديد للمساعدات للعسكرية للاتحاد الأفريقي على مدى السنوات الخمس المقبلة، وصندوق آخر لمساعدة المشاريع الإنمائية للأمم المتحدة في جميع أنحاء العالم. وأكد مشاركة الصين في إنشاء قوة حفظ سلام دائمة من 8000 جندي، من دون أن يوضح أماكن تمركز هذه القوة، ولكن الرسالة التي حرص على إرسالها مرفقة بوجود هذه القوة تمثلت في إنشاء شراكة دولية قوية خالية من المظالم الماضية.

7- أكد كذلك "شي" على تجديد التزام الصين بمبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وببناء نوع جديد من العلاقات الدولية تتميز بالتعاون المربح بين الجانبين، الهادف لخلق مستقبل مشترك للبشرية، بحسب قوله. ورأى أن تحقيق ذلك الهدف يستدعي بناء شراكات دولية تقوم على المساواة، والمشاركة البناءة في التشاور المتبادل وإبداء التفهم المتبادل".

8- دعا "شي" أيضا لتسريع الإصلاحات في مجلس الأمن الدولي من خلال توسيع عدد أعضائه الدائمين، كما أكد على الجهود العالمية للدفاع عن السلطة العالمية ودور الأمم المتحدة.

9- وقال الرئيس الصيني إنه بمناسبة الذكرى الـ70 لتأسيس الأمم المتحدة، ينبغي للمجتمع الدولي أن يعيد تأكيد الالتزام بالتعددية، والدفاع عن مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، وحماية سلطة ودور الأمم المتحدة، وذلك في لقائه مع الأمين العام للأمم المتحدة "بان كي مون" على هامش مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة.

10- ومن جهة أخرى، أكد "شي" أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ينبغي عليها أن تنفذ بجدية القرارات ذات الصلة الصادرة عن مجلس الأمن، وكذلك الإستراتيجيات العالمية لمكافحة الإرهاب التي وافقت عليها الجمعية العامة، وذلك لمكافحة الإرهاب في جهود منسقة.

11- وأبلغ الرئيس الصيني الأمم المتحدة أن كل النساء الصينيات أمامهن فرصة للتفوق، مروجاً لسجل حكومته بشأن حقوق المرأة، في الوقت الذي هاجمت فيه الولايات المتحدة بكين ودولاً أخرى لسجنها نساء بسبب آرائهن.

واشتركت الصين و"بان كي مون" الأمين العام للأمم المتحدة في استضافة اجتماع للأمم المتحدة لزعماء العالم بشأن المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة، مما لفت نظر بعض الدبلوماسيين الغربيين والمدافعين عن حقوق الانسان داخل الصين وخارجها.


الملاحظات العامة على خطاب الرئيس الصيني "شي جين بينج"

1- جاء خطاب "شي جين بينج" للجمعية العامة بعد يوم واحد فقط من وعده بأن الصين "تؤكد من جديد التزامها بتحقيق المساواة بين الجنسين وتنمية المرأة" كجزء من كلمته في جلسة الأمم المتحدة المكرسة لأهداف التنمية.

2- تأتي رحلة الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة في وقت بالغ الخطورة، حيث يتطلع إلى تعزيز قبضته على القيادة في الصين قبل مؤتمر الحزب الشيوعي في عام 2017، ويعد ذلك وقتاً عصيباً للرئيس الصيني، الذي يتعامل حالياً مع حالة عدم الاستقرار جنبا إلى جنب مع أزمة الاقتصاد.

3- في تقرير مفصل لها نقلته "وكالة أنباء شينخوا" الرسمية الصينية تعقيباً على الدعوات من بعض الدول، وعلى رأسها الهند واليابان وألمانيا بشأن توسيع دائرة العضوية في مجلس الأمن، أشارت الوكالة الصينية إلى أنه لم يكن هناك ما يشير إلى دعوات من الهند وعدة دول أخرى لتوسيع عدد أعضاء الدول الأعضاء في مجلس الأمن الدولي، كما لم تعقب تلك الدول التي تمتلك حق النقض (الفيتو) ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن، وهي الولايات المتحدة وبريطانيا وروسيا وفرنسا والصين.

4- قبل ساعات من اجتماع الرئيس الصيني في الأمم المتحدة مع رئيس الوزراء الهندي "ناريندرا مودي"، جنباً إلى جنب مع المستشارة الألمانية "أنجيلا ميركل"، عقد رئيس الوزراء الياباني "شينزو آبي" والرئيس البرازيلي "ديلما روسيف" قادة قمة مجموعة الاقتصاديات الكبري G4، ما يمثل إشارة للأمم المتحدة لأهمية إدراج هذه الدول كأعضاء دائمين في مجلس الأمن الدولي.

5- ظلت الصين "رسمياً" متناقضة الموقف حيال طلب الهند إدراجها في مصاف العضوية الدائمة بمجلس الأمن الدولي، قائلة "إنها تقدر رغبة نيودلهي للعب دور أكبر في الأمم المتحدة". وفي مقال نشر مؤخراً في صحيفة "جلوبال تايمز" الصينية بالإنجليزية والتي تديرها الدولة، تحدثت الافتتاحية عن خطأ الهند بمواءمة اليابان وألمانيا والبرازيل في مطالب إدراجهم في عضوية مجلس الأمن الدولي.

وأكدت صحيفة "جلوبال تايمز" الصينية أن أكبر خطأ للهند هو أن تتحالف مع اليابان وألمانيا والبرازيل في مطالبها بعضوية مجلس الأمن الدائمة، حيث إن هذه البلدان الثلاث تعد من القوى المعارضة للتعددية في المنطقة، ولفتت الصحيفة إلى أن مساعي اليابان للحصول على عضوية دائمة ستلاقي معارضة قوية بالتأكيد من الصين وكوريا الجنوبية".


ردود الأفعال الدولية حول خطاب الرئيس الصيني "شي جين بينج"

1- تجاهل الرئيس الصيني بشكل ملحوظ مناقشة الاتهامات الموجهة للصين من قبل بعض الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة بشأن قضية الهجمات الإلكترونية، والتجسس، وسيادة الصين على بحر الصين الجنوبي، وهي من المواضيع "الأكثر حساسية"، والتي نوقشت بالفعل بشكل ثنائي خلال اجتماع الرئيس شي مع الرئيس الأمريكي باراك أوباما في البيت الأبيض.

2- وفي الوقت ذاته، توالت ردود الأفعال الدولية حول حديث "شي جين بينج" عن المرأة، حيث انتقدت "هيلاري كلينتون" كلماته حول حقوق المرأة والتنمية والمساواة بقولها: إن "الصين لا تملك أكبر سجل في الدفاع عن حقوق المرأة، بل إن ملف الصين في اضطهاد النساء شائك ومعقد للغاية".

ووفقاً لتغريدة المرشحة الديمقراطية للرئاسة "هيلاري كلينتون" بأن هذا الملف "ملف وقح"، متساءلة: كيف سمحت الأمم المتحدة للرئيس الصيني "شي" بقيادة اجتماع حول المرأة، نظراً لسجل الصين السيئ في مجال حقوق المرأة على حد تعبيرها.

وقالت "هيلاري كلينتون" المرشحة المحتملة في انتخابات الرئاسة الأمريكية عن الحزب الديمقراطي على موقع التدوين المصغر تويتر: "شي يستضيف اجتماعاً في الأمم المتحدة عن حقوق النساء في الوقت الذي يضطهد فيه المدافعات عن حقوق المرأة؟ أنه لأمر مخز". وقالت سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة "سامانثا باور" في بيان لها موجهة حديثها للرئيس الصيني: "إذا أردت تمكين النساء فيجب ألا تسجنهن بسبب آرائهن أو معتقداتهن".

وتعرضت الصين من قبل لانتقادات على الصعيد الدولي لاعتقالها خمس نساء، وضعن في الحجز في مطلع أسبوع الثامن من مارس 2015، وهو اليوم الموافق لـ"اليوم العالمي للمرأة"، وذلك بعد اعتزامهن تنظيم مظاهرة ضد التحرش الجنسي في المواصلات العامة. وعلى الرغم من أنه جرى إطلاق سراحهن بعد ذلك بشهر، إلا أنهن يقلن إن وضعهن كمشتبه بهن جنائياً حال دون عودتهن كناشطات، كما لفتن إلى أن اعتقالهن كان له أثر سلبي على جماعات حقوق النساء. وهو الأمر الذي رد عليه المسؤولون الصينيون بأن إنجازات البلاد فيما يتعلق بقضايا المرأة واضحة، وأن السلطات تعاملت مع قضية الناشطات الخمس وفقاً للقانون.

3- كان رد فعل المجتمع الدولي إيجابياً إزاء حديث "شي جين بينج" في كلمته أمام الجمعية، والتي قال فيها "إن مستقبل العالم يجب أن ترسمه جميع البلدان، ولا يجب أن يفرض القوي رأيه على الضعيف". وعزز ذلك الموقف قرار "جين بينج" بإنشاء "صندوق للسلام والأمن" بقيمة مليار دولار.

4- رحب المجتمع الدولي بلفتة الرئيس الصيني "شي جين بينج" بإهدائه "زون السلام" إلى الأمم المتحدة. وألقى الرئيس "شي" كلمة خلال مراسم الإهداء، أشار فيها إلى أن "الحكومة الصينية قررت إهداء "زون السلام" - وهو إناء برونزي على الطراز الصيني القديم - إلى الأمم المتحدة، بمناسبة الذكرى الـ70 لتأسيسها، ما يعكس اهتمام الصين وتأييدها للمنظمة الدولية". وألقى "بان كي مون" الأمين العام للأمم المتحدة كلمة شكر فيها الرئيس الصيني على هدية حكومته، مؤكداً أن "زون السلام" يمثل إحدى القيم المشتركة بين الصين والأمم المتحدة وعلاقات التعاون الوثيقة بين الجانبين.

5- رحب عدد كبير من الدول، وبخاصة النامية، بدعوة الرئيس الصيني "شي جين بينج" لإصلاح هيكل الأمم المتحدة، وهو الأمر الذي أشار إليه الرئيس الصيني بقوله إن الإصلاح "لا يعني تفكيك النظام القائم وإقامة آخر يحل مكانه، ولكن يهدف إلى تحسين نظام الحوكمة العالمية بشكل ابتكاري".

وبشكل عام، فإن مشاركة الصين الآن في اجتماعات الأمم المتحدة تأتي لمحاولة إظهار دورها عالمياً، تماما كخوض الرئيس المصري "عبد الفتاح السيسي" معركة في المنظمة لتثبيت دور مصر عالمياً كمتحدث باسم منطقة الشرق اﻷوسط وإفريقيا.

وهنا تأتي أهمية العلاقات بين مصر والصين لدعم ملف مصر في الأمم المتحدة، وبخاصة بعد الزيارتين المتتاليتين التي قام بها الرئيس "السيسي" للصين من أجل انتزاع عضوية مصر في مجلس اﻷمن الدولي. لكن التحدي القائم إلى حين إجراء الانتخابات الأممية منتصف أكتوبر القادم مستمر لحيازة المقعد بأكبر عدد ممكن من الأصوات، ولن يتم ذلك إلا بمساعدة الصين، حيث إن ترشيح مصر لعضوية مجلس الأمن كان وما زال على قائمة الموضوعات التي تثار في الاجتماعات التي يحضرها الرئيس السيسي في إطار استقطاب التأييد الدولي لمطلبها، وبخاصة تأييد الدول العظمى وعلى رأسها "الصين".


اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان