رئيس التحرير: عادل صبري 07:26 مساءً | السبت 20 أكتوبر 2018 م | 09 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 28° صافية صافية

السياسة الخارجية التركية بعد أردوغان.. من القومية إلى التبعية

السياسة الخارجية التركية بعد أردوغان.. من القومية إلى التبعية

ملفات

تغيير القيادة التركية لن يغير فحوى السياسة الخارجية التركية لكنه سيغير نكهتها

السياسة الخارجية التركية بعد أردوغان.. من القومية إلى التبعية

حامد محمود 02 يونيو 2015 13:09

يعتبر خبراء أن تركيا اليوم تعد مثالا للدولة التي أعادت تشكيل سياستها الخارجية بنجاح في أعقاب انتهاء الحرب الباردة، حيث نجحت في إعادة رسـم إسـتراتيجيتها لمرحلة ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي باتجاه مغادرة الأطراف الباردة التي تكرس تبعيتها والعمل على الاستقرار في مركز الأحداث مستندة إلى نظرية "العمق الإستراتيجي" التي صممها ونفذها وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو رئيس الوزراء الحالي.

النموذج التركي في إنتاج عمقه الإستراتيجي حرص على الموازنة بين أبعاد ثلاثة ارتآها ساسة العدالة والتنمية مفتاحا يبني ويمنع الاحتواء والإفشال، هذه الأبعاد الثلاثة هي: المصالح الوطنية الظرفية، والطموحات الإقليمية المستقبلية ومردوداتها الداعمة لتركيا كثقافة واقتصاد، وأخيرا تقدير الساسة الأتراك لمساحة دور تركيا في النظام الدولي عبر الدبلوماسية الإقليمية الفعالة التي كان على رأس أولوياتها تصفير المشكلات المتعلقة بسياسة تركيا الخارجية.


الربيع العربي المباغت

كان الربيع العربي مباغتا لتركيا، ولم يكن موقف تركيا من التحولات الإقليمية مبدئيا، وكان على تركيا أن تبني تقديرا للموقف يراعي أولويات رؤيتها لسياستها الخارجية، ويعكس مرونة هذه الرؤية. وكان من أبرز تحديات هذه المرحلة مواجهة احتمال انهيار "محور تصفير مشكلات السياسة الخارجية التركية"، حيث ارتبط بهذا المحور ضرورة اتخاذ موقف من أنظمة لطالما تعاملت تركيا معها باعتبارها ثابت إقليمي لا يشكل تحديا.

اختلفت استجابات تركيا لظواهر الربيع العربي. فبينما تركت مسافة بينها وبين اليمن، حاولت فعل نفس المسلك مع ليبيا بسبب علاقتها الوطيدة مع نظام القذافي؛ إلا أنها رضخت للضغوط الإقليمية والدولية بضرورة التفاعل الإيجابي، في الوقت الذي كان موقفها فيه من تونس موقف المراقب الحذر، بينما تطور موقفها من مصر وسوريا نوعيا. فما بين سوريا وتركيا ملفات مشتركة كثيرة؛ أبرزها الملف الكردي الذي كانت تداعياته تمثل تحديا حقيقيا قد يؤثر على روح إدماج أكراد تركيا في المجتمع السياسي التركي.

أضافت تركيا أيضا في إطار تفاعلها مع الربيع العربي بعدا آخر لمكونات صورتها القومية، ألا وهو ملمح الدولة الإقليمية المسلمة التي تمكنت من بناء نموذج ديمقراطي ناجح مشفوع بأداء اقتصادي استثنائي يمكنها من أن تكون نموذجا تنمويا سياسيا واقتصاديا وثقافيا يحتذى. كما استثمرت تركيا الموروث السني الذي يجمعها بأبرز القوى الصاعدة في دول الربيع لكي تطرح نفسها كنموذج إقليمي يتيح لدورها القيادي في المنطقة أن يتمدد في سياق تعاوني لا صراعي.

وكانت الحالة المصرية أبرز نماذج الديلوماسية التركية، حيث اتسم موقفها من مصر بالانتقال من المراقبة إلى المطالبة برحيل نظام مبارك، ثم ترحيبها بوصول جماعة الإخوان المسلمين للحكم في مصر، حيث وطدت معها الصلات والروابط السياسية والاقتصادية عبر أدوات عديدة كان أبرزها تقديم تركيا حزمة من المساعدات لمصر في أكتوبر 2012 بلغت 2 مليار دولار، فضلا عن مليار دولار منحة لا ترد، ومليارا أخرى في صورة قرض، ويضاف لما سبق نشاط دبلوماسي أفضى لتنسيق المواقف إزاء الملفات الإقليمية البارزة وعلي رأسها الأزمة السورية.


30 يونيو والسياسة الإقليمية التركية

تحول تأييد تركيا للتطور السياسي الديمقراطي في مصر إلى خط إستراتيجي. فقد استجابت السياسة الخارجية التركية لتطورات ما بعد 30 يونيو 2013 بصورة تبلورت في مسارين؛ أولهما التحفظ على دعم شرعية سلطة الثالث من يوليو، ودعم جماعة الإخوان المسلمين التي أجهضت المؤسسة العسكرية فرصتها في تقديم نموذجها السياسي، وهو الدعم الذي بلغ استضافة تركيا القيادات التي تطاردها الدولة المصرية الراهنة. هذه السياسة بمساريها أدت لتدهور علاقة تركيا بالسلطة المصرية الراهنة في مسارات مختلفة، منها المجال العسكري عبر إلغاء المناورات المشتركة، والاقتصادي عبر إلغاء مصر لاتفاقية الرورو، والدبلوماسي كذلك حيث لا علاقات دبلوماسية الآن بين البلدين.

كما أن الموقف من مصر أدى لتفاقم موقف حكومة طبرق في ليبيا من السياسة الخارجية التركية، مستثمرة علاقات ليبيا بحكومة طرابلس، حيث عملت حكومة طبرق على طرد كل الشركات التركية من الأرض التي تسيطر عليها.

الموقف التركي من الحالة السورية بدا إيجابيا أكثر، حيث شهد درجة تنسيق إقليمية عالية مع دول الخليج العربي، وبخاصة السعودية، فضلا عن تنسيق دولي أوسع بالتعاون مع الولايات المتحدة. حيث واصلت أنقرة - في ضوء هذه التفاهمات الإقليمية والدولية - سياسة دعم المعارضة السورية المسلحة، وكان أبرز تجليات هذه السياسة إعلان وزير الخارجية التركي مولود أوغلو عن اتفاق مبدئي مع واشنطن لتقديم دعم جوي لقوة من المعارضة السورية تتلقى تدريبا أمريكيا تركيا على أراضي بلاده، ويهدف البرنامج الأمريكي - التركي لتدريب قوات المعارضة السورية المعتدلة وإعداد 15 ألف مقاتل سوري. وإذ شهد الطرفان اتفاقا على المبدأ، فقد اختلفا في الغايات والمصالح، حيث تصر واشنطن على أن تقتصر مهمة هؤلاء المقاتلين على محاربة داعش، بينما ترعى أنقرة خيار إشراكهم في القتال ضد قوات الحكومة السورية.

ولم يقتصر التفاهم التركي - السعودي - القطري على الهدف من التفاعل على الصعيد السوري، بل امتد ليشهد توافقا كذلك فيما يتعلق باليمن. فقد أعلنت تركيا علي لسان رئيسها رجب طيب أردوغان تأييدها عملية "عاصفة الحزم" التي يشنها تحالف عربي إسلامي بقيادة السعودية، معلنا استعداده الدائم لتقديم دعم لوجستي واستخباراتي لهذا التحالف. ولا يخفى ما في هذا الدعم التركي من رغبة في التصدي للتمدد الإيراني في المنطقة، وتقديم دعم ومساندة غير مباشرة لحزب التجمع اليمني للإصلاح (إخوان اليمن).

السياسة الخارجية التركية محور من محاور إنجاز الترتيبات الإقليمية المستقبلية. وبينما يرى مراقبون أن تغيير القيادة السياسية التركية سيغير خريطة المواقف التركية، إلا أن أنماط التحالفات الأساسية لتركيا اليوم هي نفسها الأنماط التي يعول عليها منافسو العدالة والتنمية. وبرغم أن دراسة "محمد هشام" الواعدة عن "تحولات السياسة الخارجية التركية إزاء دول الربيع العربي" ترى أن تغير القيادة السياسية التركية سيعني تحولا دراماتيكيا في السياسة الخارجية التركية، إلا أن تقديري أن تغيير القيادة السياسية التركية لن يعني سوى استبدال قيادة لها رؤية قومية تركية بقيادة أخرى ستلعب نفس الأدوار الإقليمية بمنطق تبعية. فالأحزاب المتنافسة مع العدالة والتنمية لا تزال تعول على الانسحاب من الشرق الأوسط والبقاء في كنف الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، وهو ما يعني أن التابع التركي الجديد سيكون أداة من ادوات تنفيذ سياسة هذين الكيانين. لكن التنفيذ بدون عثمانية جديدة لن يعني سوى تبعية سياسية.


اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان