رئيس التحرير: عادل صبري 10:56 صباحاً | الأحد 24 يونيو 2018 م | 10 شوال 1439 هـ | الـقـاهـره 38° غائم جزئياً غائم جزئياً

د.رفيق حبيب يكتب: جمهورية الخوف

د.رفيق حبيب يكتب: جمهورية الخوف

ملفات

د.رفيق حبيب

د.رفيق حبيب يكتب: جمهورية الخوف

21 يوليو 2013 18:28

على ظهر الدبابة، يقف البعض فرحا، متصورا أنه حقق انتصارا على القوى الإسلامية، وأنه بهذا أصبح يمثل التيار الذي سيحكم مصر، بعد الانقلاب العسكري. وكأنه يمكن أن يأتي رئيس منتخب على ظهر دبابة !

 

يتصور البعض أن الحشود التي خرجت في 21 يونيو، هي التي غيرت الوضع السياسي، وأصبحت تمثل تيارا أنتصر على تيار آخر، وأصبح مؤهلا لحكم مصر، بسبب قدرته على الحشد. وبعيدا عن جدل أعداد الحشود، فإن من أنتصر في هذه المعركة، ليس تيارا، ولا حشودا، بل أنتصر السلاح على إرادة الشعب وعلى الديمقراطية، وأنتصر النظام السابق على الثورة، وانتصرت ثورة مصنعة على الثورة الحقيقية، مرحليا. فهل يمكن للسلاح أن يهزم ثورة شعبية؟ نعم، في حالة واحدة، إذا عمت حالة الغفلة على أغلبية المجتمع، فسلموا حريتهم لحكم عسكري، وبعد ذلك يكتشفون الحقيقة، بعد أن يكون الحكم العسكري، قد سيطر على مجمل الأوضاع، وأغلق كل سبل التغيير، وأعاد دولة الاستبداد مرة أخرى، ويصبح من الصعب على الشعب أن يسترد حريته مرة أخرى

.

مجزرة الحرس الجمهورى

لذا يصبح من المهم معرفة مخططات الانقلاب العسكري، والسيناريوهات التي يريد تنفيذها على الأرض، حتى لا تضيع الفرصة، وتنتكس الثورة، ويصبح استعادة الثورة أمرا صعبا، قد يستغرق سنوات، أو حتى أجيال.

 

الخطة الأصلية: الدولة البوليسية

 

المخطط الرئيس للانقلاب العسكري، والذي يراهن قادة الانقلاب على نجاحه، ويعطوا له الأولوية، هو إعادة بناء الدولة البوليسية، بشكل كامل. ولأن الانقلاب العسكري، هو عودة للوراء، ومحاولة لإعادة إنتاج الماضي، لذا فإن مخطط الانقلاب العسكري الرئيس، يهدف إلى استعادة دولة المخابرات، من زمن جمال عبد الناصر. ولا نقول استعادة دولة جمال عبد الناصر، ولكن فقط استعادة جانب واحد منها، وهو دولة المخابرات، حيث تسيطر أجهزة الأمن والمخابرات والجيش، على مختلف مناحي الحياة، وتمنع ممارسة الحريات السياسية بشكل كامل.

 

وأول ملامح الدولة البوليسية، تمثل في غلق القنوات الفضائية المناهضة للانقلاب العسكري، أما بقية القنوات المؤيدة للانقلاب العسكري، فهي تدار أساسا من أجهزة الأمن والمخابرات، سواءً قبل الانقلاب أو بعده، ولن يسمح لها بالخروج عن السياسات الأمنية الموضوعة لها، لتصبح مجرد أجهزة توجيه معنوي؛ وأي وسيلة إعلامية سوف تخرج عن النطاق المسموح لها به، سوف تواجه الإغلاق. ومع مرور الوقت، سوف تضييق مساحة الحرية أكثر فأكثر، حتى نصل لسيطرة كاملة على كل وسائل الإعلام، تحت قيادة أمنية مخابراتية مباشرة.

 

ومنذ اللحظة الأولى، بدأت سياسة الاعتقال، تحت مظلة الإجراءات القانونية، والتي تسمح بتوسيع دائرة الاعتقال إلى حدود غير مسبوقة. ومن خلال سيطرة الحاكم العسكري، على كل أجزاء الدولة العميقة، بعد الانقلاب العسكري، أصبح الجناح القضائي للدولة العميقة، في موقف يسمح له باتخاذ إجراءات خارج إطار القانون، وتحت غطاء قانوني شكلي. وقد تأكد ذلك من اللحظة الأولى، حيث بدأت التحقيقات في دعاوى ضد الرئيس محمد مرسي، وقيادات جماعة الإخوان المسلمين، وقيادات إسلامية أخرى، في محاولة لحصار كل القوى المعارضة للانقلاب، وفتح السجون مرة أخرى، للمئات بل وللألاف.

 

وهذه السياسة، ستمكن الحاكم العسكري، من الزج بالألاف إلى السجون، لسنوات طويلة، تحت ستار إجراءات قانونية، تبدأ سريعا حتى الحكم بالإدانة والسجن، ثم تتعرقل إجراءات النقض بعد ذلك، حتى يتحقق هدف تلك السياسة، وهو الزج بكل معارض للانقلاب العسكري، إلى السجن.

 

وكلما تحقق نجاح لتلك السياسة القمعية، تنتقل إلى مرحلة أخرى من القمع، فندخل في مرحلة سياسة الحظر، فيتم حظر الجماعات والأحزاب المعارضة للانقلاب العسكري، وهو ما قد ينتج عنه في النهاية، حظر النشاط الحزبي، والعودة إلى نظام الحزب الواحد. وهو ما يعيد دولة المخابرات مرة أخرى، وتعود معها سياسة التقارير، ونشر شبكة المرشدين، وتتحول مصر فعليا، إلى الحكم المستبد الشامل، تحت قيادة عسكرية مباشرة.

 

وكل سياسات الانقلاب العسكري، منذ يومه الأول، تشير إلى أنه يجرب هذا السيناريو، ويحاول تحقيقه بالفعل، من خلال عملية واسعة لترهيب المجتمع وتخويفه، حتى يصبح مجتمع الخوف، المسلوب الإرادة، والذي يمكن أن يغفل عما يحدث، حتى تكتمل أركان دولة الاستبداد البوليسية، قبل أن يفيق المجتمع من غفلته، ويخرج من حالة الخوف التي تحاصره. وعندما يفيق المجتمع بعد الغفلة، سيجد أن الدولة البوليسية التي قامت، وساعد بعض المجتمع على قيامها، لا يمكن مواجهتها، إلا بنضال يستمر سنوات أو أجيال.

 

ويعتمد الانقلاب العسكري، على تخويف المجتمع، ووضعه تحت مخاوف متعددة. فيخاف البعض من القوى الإسلامية، ويخاف البعض الآخر من جماعة الإخوان المسلمين تحديدا، ويخاف البعض الآخر من موجة عنف إرهابية. ومن ليس لديه هذه المخاوف، يحاصر بالترهيب والتخويف من الاعتقال والمنع والمصادرة والتعذيب والقتل، وغيرها. حتى تبقى كل الأطراف، تحت طائلة الخوف، من أيد الانقلاب، ومن عارض الانقلاب. وبقدر نجاح قادة الانقلاب، في نشر حالة من الخوف، بقدر ما يدخل المجتمع في غفلة، تمكن قادة الانقلاب من بناء دولة بوليسية عنيفة، لا يمكن للمجتمع مواجهتها بسهولة، إذا خرج من حالة الخوف .

وقد أدى الانقلاب العسكري، إلى حالة نزاع أهلي عميقة، فككت المجتمع، وجعلت القوات المسلحة مع طرف ضد آخر، مما يشيع حالة من الخوف، بسبب احتمال انزلاق المجتمع في نزاع أهلي طويل وعنيف، وهو ما يؤدي عمليا لنشر حالة من الخوف، تمكن قادة الانقلاب من السيطرة على المجتمع؛ وكأن الحكم العسكري، هو الذي سيمنع الانزلاق في نزاع أهلي عنيف، رغم أنه المتسبب فيه.

 

هوية الدولة البوليسية

 

سوف تعتمد مخططات الدولة البوليسية على تغذية الشعور القومي العنصري، إلى أقصى حد ممكن، لنشر حالة من التعصب القومي، التي تفصل مصر عن أي رابط عربي أو إسلامي، وحتى يتم تغذية المجتمع المصري بحالة من التعصب، تمكن قادة الانقلاب، من السيطرة على المجتمع، ودفعه لحالة من التطرف القومي، التي يمكن استخدامها لتمرير مخطط الدولة البوليسية، تحت شعارات حماية الهوية القومية المصرية، من الأخطار التي تتعرض لها، في شكل هو أقرب للدول الفاشية.

 

مخطط القمع

 

لذا، فإن قادة الانقلاب، لديهم هدف مركزي، يراد تحقيقه، وهو فض اعتصامات ومظاهرات أنصار الشرعية، المعارضون للانقلاب العسكري. وبعد فض اعتصاماتهم، سوف تبدأ سياسة أمنية غليظة تجاههم، للتخلص من قياداتهم، والزج بهم إلى غياهب السجون، ثم محاكمة الرئيس محمد مرسي، والحكم عليه بعقوبة، تبقيه في السجن لسنوات طويلة.

 

وإذا نجحت الخطوات الأولى، للقمع البوليسي، سوف تبدأ مباشرة مرحلة حظر القوى والجماعات الإسلامية، وتقنين تجريم العمل السياسي الإسلامي. ثم بعد ذلك، تبدأ مرحلة السيطرة على كل القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني الأخرى، والذي ستكون السيطرة عليها أمرا سهلا. وبعد ذلك، يفتح الباب أمام قوانين تقنن الاستبداد، وتسمح بالسيطرة على كل أدوات المجتمع، وبصورة أشد قمعية من مرحلة النظام السابق. لأن بعد الثورة، وبعد الحراك الكبير في الشارع، يصبح من الصعب السيطرة على المجتمع، بدون سياسات قمعية شاملة، تغلق الباب أمام أي مجال للحركة والحراك السياسي، حتى يتم السيطرة على المجتمع بالكامل، وحتى يدفع المجتمع إلى حالة من السلبية الكاملة

.

وكل الانقلابات العسكرية، تتخلص أولا من خصومها، ثم بعد ذلك تتخلص من القوى السياسية التي أيدتها، حتى لا تظن أنها سوف تكون شريكة في الحكم، فلا يبقى في النهاية، إلا النظام السابق، والدولة العميقة، التي خططت ونفذت الانقلاب، حتى تحكم منفردة. وحتى يتحقق هذا المخطط، ستعود عمليات التزوير الواسعة لكل الانتخابات والاستفتاءات، وينتهي عهد الحرية بالكامل، وتنتهي أيضا عملية التداول السلمي للسلطة، والاحتكام لصناديق الاقتراع، بعد أن يكون الاحتكام للشارع، أصبح أصلا مستحيلا.

مجزرة الحرس الجمهورى

وفي هذا المخطط، سوف يتم السيطرة بالكامل على كل مؤسسات الدولة، خاصة المؤسسة القضائية، والتي لن تكون إلا ذراعا للحكم العسكري، بلا أي استقلال، مما يجعلها تحت وطأة التدخل المباشر والدائم للحاكم العسكري، في كل القضايا السياسية.

 

الموقف الخارجي

 

هذا المخطط سيجد تأييدا من دول إقليمية عربية، كما يجد تأييدا خجولا من الدول الغربية، خاصة أمريكا، وسوف يجد هذا المخطط تأييدا واسعا من الاحتلال الإسرائيلي. ولكن الغرب خاصة، سوف يخشى من فشل هذا المخطط، كما أنه الآن يخشى من فشل الانقلاب العسكري، ولا يريد أن يكون طرفا فيه، حتى لا يتحمل تبعات فشله، رغم أن الانقلاب تم بموافقة أمريكية ضمنية. مما يعني أن الحليف الغربي، سوف يترك الحاكم العسكري، يجرب هذا المخطط، دون أن يعلن تأييده له، حتى إذا فشل تبرأ منه.

 

الخطة البديلة: الدولة العلمانية العسكرية

 

إذا لم يتمكن الحاكم العسكري، من إنجاح مخطط استعادة دولة المخابرات من الزمن الناصري، فإن مخطط الانقلاب، سوف يتجه للبديل الثاني، وهو بناء دولة علمانية عسكرية، على نموذج الدولة التركية، التي أقامها مصطفى كمال أتاتورك، والتي استطاع حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، تفكيكها. ولأن الانقلاب العسكري، هو عودة للماضي، لذا فإن كل بدائله، تأتي من الماضي أيضا. وهو بهذا المعنى، فعل ضد حركة التاريخ، ولكنه يستخدم قوة السلاح، ليفرض أوضاعا، تجاوزها التاريخ.

 

والمقصود بالدولة العلمانية العسكرية، هي دولة تفرض فيها العلمانية بحكم نص دستوري غير قابل للتعديل أو التغيير، ثم يفرض فيها دور للقوات المسلحة، لحماية علمانية الدولة، بنص دستوري أيضا، غير قابل للتعديل أو التغيير. ويتحقق هذا، من خلال نص يجعل مواثيق حقوق الإنسان الدولية، وهي مواثيق علمانية في قيمها، هي المرجعية العليا للنظام السياسي، والتي تعلوا على مرجعية الشريعة الإسلامية، مما يجعل الشريعة الإسلامية محكومة بمواثيق حقوق الإنسان الغربية العلمانية. مما يعني، أن المرجعية الإسلامية، تصبح مجرد نص بلا مضمون.

 

وحتى يمكن فرض علمانية، وجعلها مقدسة وغير قابلة للتعديل أو التغيير، وأيضا جعل العلمانية أعلى من الشريعة الإسلامية، يصبح من الضروري، حماية تلك العلمانية المفروضة، من الإرادة الشعبية الحرة، وذلك من خلال نص دستوري، يعطي للقوات المسلحة دورا في حماية الشرعية السياسية والدستورية، أي تصبح القوات المسلحة بسلاحها، هي التي تحمي العلمانية المفروضة على المجتمع.

 

وهو ما يتيح للقوات المسلحة، عزل أي رئيس يأتي من التيار الإسلامي، وأيضا حل أي برلمان، تكون فيه أغلبية من القوى الإسلامية، كما كان يحدث في تركيا. وبهذا تصبح الانقلابات العسكرية، مشهدا متكررا، يفشل النظام السياسي، ويفرغ العملية السياسية من مضمونها، ويجعل الديمقراطية بلا معنى، ويعيد مصر إلى الوراء.

 

وعندما يفرض نظام علماني عسكري على المجتمع، يصبح المجتمع أمام نظام سياسي، ليس له أي أفق، ولا يسمح فيه بأي تغيير أو إصلاح. مما يعني أن طبقة حكم سوف تحتكر الحكم، وهي تلك الطبقة المتحالفة مع العسكر، والتي تأتمر بأوامر العسكر، وهي ليست إلا الطبقة العلمانية وطبقة النظام السابق، التي تحالفت مع العسكر، وأيدت وشاركت في الانقلاب العسكري. أما القوى أو الأطراف، التي شاركت في تأييد الانقلاب العسكري، وهي لا تدعم العلمانية، فسوف تكتشف أنها استغلت واستخدمت من أجل علمنة الدولة. والكتل التي أيدت الانقلاب العسكري، وظنت أنه سوف يؤدي إلى تحول ديمقراطي مرة أخرى، سوف تكتشف أنها خدعت، وساهمت في إقامة دولة عسكرية، لا معنى للديمقراطية فيها. ولن يبقى مؤيدا للانقلاب العسكري، إلا الكتل التي تؤيد بالفعل الدولة العلمانية العسكرية.

قومية خالصة

 

وفي هذا المخطط، سيتم أيضا تغذية النزعة القومية العرقية، إلى أبعد حد. فالعلمانية تستند أساسا على نزعة قومية عرقية، ولا تقوم بغيرها. كما أن فرض علمانية الدولة، تحتاج لتفكيك الروابط العربية والإسلامية، وهو ما يحتاج لنشر نزعة قومية متعصبة ومتطرفة، ونشر حالة من التقوقع القومي العرقي، حتى تتفكك أي روابط أخرى، وتفرض هوية على المجتمع، يغرق فيها، ولا يستطيع الخروج منها.

 

وإذا أفاق المجتمع بعد ذلك، يكون الوقت قد فات، واستقرت دولة علمانية عسكرية، مفروضة على المجتمع، وتحتاج لنضال سياسي لسنوات أو عقود.

 

مخطط العلمنة

 

مشكلة مخطط الدولة العلمانية العسكرية، هو أنه يعتمد أساسا على إبقاء حرية الانتخاب والاستفتاء، وحرية تشكيل الأحزاب، ولكن داخل إطار دستوري، يفرض العلمانية على الجميع. مما يعني، أن مخطط الدولة العلمانية العسكرية، يعتمد أساسا على استفتاء عامة الناس على تعديلات دستورية، تقنن المرجعية العلمانية، وتسمح بدور سياسي للجيش، وأيضا تقنن وضعا يجعل كل من الجيش والقضاء، دولة فوق الدولة. مما يجعل أي سلطة منتخبة، تقع تحت السيطرة المباشرة لمؤسسة الجيش والقضاء، وتحصن تلك المؤسسات من أي دور للسلطة التشريعية أو التنفيذية. بحيث يكون للجيش والقضاء، السلطة الكاملة على التشريعات الخاصة بهما، مما يجعلهما مؤسسات فوق المساءلة والمحاسبة المدنية، من السلطة المنتخبة.

 

ولكن حتى يتم ذلك، سيكون على قادة الانقلاب العسكري، إجراء استفتاء حر ونزيه، حتى يتم عسكرة وعلمنة الدولة، بإرادة شعبية. وهو ما يستلزم الاستمرار في سياسة الترهيب والتخويف، حتى يقع المجتمع في حالة خوف، تسلب منه إرادته، بصورة تمكن قادة الانقلاب من فرض التعديلات التي يريدونها، والحصول على موافقة الأغلبية عليها.

 

أما إذا طرحت تعديلات دستورية، تقنن العلمنة والعسكرة، وتم تزوير الاستفتاء، فبهذا نعود للمخطط الأول، وهو مخطط الدولة البوليسية. وإذا استطاع قادة الانقلاب، استلاب الوعي الجمعي، وتمرير تعديلات دستورية، تقنن عسكرة وعلمنة الدولة، فهذا يحقق لهم هيمنة عسكرية على الدولة والنظام السياسي والمجتمع، ولكن بإرادة شعبية، دخلت واقعيا في حالة تغييب وعي كامل. وفي هذه الحالة، فإن أي إفاقة مجتمعية، لن تؤدي إلى خروج سريع من هذا الفخ، إلا بعد نضال سلمي، يستمر سنوات أو عقود.

 

وإذا كان مخطط الدولة العلمانية العسكرية، أقل بوليسية، من مخطط الدولة البوليسية، إلا أنه يعيد مصر بعد الثورة، إلى مرحلة ما قبل الثورة، ويعيدها عمليا إلى مرحلة استبداد مقنع. فالفرق بين الدولة البوليسية والدولة العلمانية العسكرية، هو أن الأولى دولة استبداد كامل، والثانية دولة استبداد مقنع.

 

الوضع الخارجي

 

ليس من الصعب توقع موقف أمريكا من هذا المخطط، فهو بالنسبة لها أفضل سيناريو، خاصة وهي تريد أن تعيد تركيا لما كانت عليه، قبل حكم حزب العدالة والتنمية. أما الدول العربية التي ساندت الانقلاب العسكري، فهي أيضا سوف ترحب بهذا السيناريو، والذي يخلصها من تأثيرات الربيع العربي، وتأثيرات التحول الديمقراطي، وأيضا تأثيرات نجاح نموذج إسلامي ديمقراطي، يهز أركان نموذجها الإسلامي غير الديمقراطي.

 

الخطة البديلة الثانية: دولة علمانية قضائية

 

إذا وجد قادة الانقلاب أن وجود دور سياسي للقوات المسلحة في الدستور، يمثل تهديدا صريحا لبنية القوات المسلحة، كمؤسسة محترفة؛ فقد يلجأ الحاكم العسكري إلى صيغة أخرى، حيث يقدم تعديلات دستورية، تفرض علمنة الدولة، وتجعل المؤسسة القضائية ممثلة في المحكمة الدستورية العليا، هي حامية الشرعية الدستورية، ويحصن تلك المحكمة، بل ويحصن أيضا المؤسسة القضائية، ويجعلها دولة فوق الدولة، حتى تكون هي السلطة العليا، على كل سلطة منتخبة. وبهذا، يبقى الجيش كسلطة واقعية وفعلية، ولكن تحت غطاء المحكمة الدستورية العليا، مما يعني أن المحكمة الدستورية العليا، يمكن أن تحكم بعدم شرعية أي رئيس منتخب، أو برلمان منتخب، لخروجه على علمانية الدولة، ويقوم الجيش بتنفيذ حكم المحكمة بالقوة المسلحة، ويسقط أي سلطة منتخبة، تخرج عن إطار العلمانية التي فرضت دستوريا.

 

وفي هذه الحالة أيضا، يحتاج قادة الانقلاب، إلى استلاب وعي وإرادة أغلبية داخل المجتمع، حتى يمكن تمرير التعديلات الدستورية، التي تفرض العلمانية، وتحصن القضاء، وتجعل المحكمة الدستورية، هي السلطة العليا في البلاد، ويبقى الجيش هو السلطة الواقعية، ولكن من خلف ستار قضائي. وإذا لم يستطع قادة الانقلاب، تضليل الوعي العام، حتى يوافق على هذه التعديلات الدستورية غير الديمقراطية، فسوف يندفع قادة الانقلاب إلى تزوير الاستفتاء، وهو ما يعيدنا مرة أخرى، إلى نموذج الدولة البوليسية، أي الخطة الأصلية.

 

الخطة الاحتيايية: دولة عسكرية بغطاء إسلامي

 

إذا واجه قادة الانقلاب صعوبة من تمرير المخطط الأول، وتم إعاقة بناء الدولة البوليسية، ثم واجه قادة الانقلاب رفضا شعبيا لعلمنة الدولة، وظهر أنه لا يمكن فرض العلمانية في الدستور، فسوف يتجه قادة الانقلاب إلى السيناريو أو المخطط الاحتياطي. حيث يتم استعادة نموذج دولة باكستان، باعتباره المخرج من حالة الفشل التي قد تصيب المخطط الأول والثاني بشقيه. وفي هذه الحالة، سوف يعمل قادة الانقلاب، على تمرير تعديلات دستورية، لا تفرض علمنة للدولة، بل تحتفظ بالهوية الإسلامية الموجودة في الدستور الشرعي، ثم تضيف دور سياسي للقوات المسلحة، بحيث يسمح لها بالتدخل لحماية الشرعية الدستورية.

 

وفي هذه الحالة، سوف تقدم القوات المسلحة نفسها، على أنها حامية للأمن القومي، من خطر الجماعات المتطرفة. وتشن حربا على القوى الإسلامية، تحت غطاء الحرب على الإرهاب، وتقدم مبررات أمنية، بغطاء إسلامي رسمي، لتمرير حربها على القوى الإسلامية، وعلى جمهور التيار الإسلامي أيضا. وبهذا تتمكن قيادات القوات المسلحة، والتي تتبنى نظرية للأمن القومي، تقوم على علمنة الدولة، وعلى أساس القومية العرقية المصرية، المنفصلة بالكامل عن الهوية العربية أو الإسلامية؛ تتمكن من الوقوف عمليا ضد المرجعية الإسلامية، ولكن بغطاء من هوية إسلامية رسمية، مفرغة من المضمون. فقادة الانقلاب قد يدفعوا في مرحلة من المراحل، إلى التنازل عن علمنة الدولة في الدستور، والحفاظ على عسكرة الدولة فقط، وتمرير مواد الهوية الإسلامية في الدستور، حتى يوافق أغلب الناس على عسكرة الدولة، مما يدفعهم في النهاية، إلى بناء نموذج حكم الجنرال المسلم، كما حدث في باكستان، حيث تصبح السلطة الفعلية للقوات المسلحة.

 

وتصبح الدولة عمليا، تتبع سياسات علمانية موالية للغرب، خاصة أمريكا، وإن ظل لها هوية إسلامية رسمية معلنة، ولكن بلا مضمون أو تأثير فعلي. وهذا المخطط يحتاج لسيطرة عسكرية، على المؤسسة القضائية وعلى الأزهر، حتى يحتفظ العسكر بأذرع تمكنهم من فرض هوية إسلامية رسمية، مفرغة من أي مضمون، في مواجهة أي هوية أو مرجعية إسلامية فعلية. وهو ما يجعل الأزهر، هو سلاح المؤسسة العسكرية، ضد القوى الإسلامية، حتى تتمكن من توفير غطاء إسلامي لها، رغم إتباعها لسياسات علمانية.

 

وفي هذه الحالة، يمكن أن تستمر الانتخابات والاستفتاءات، ويستمر عمل الأحزاب السياسية، ولكن النظام السياسي سوف يعتمد أساسا على الدور العسكري المباشر، مما يجعل كل العملية الديمقراطية، مجرد شكل بلا أي مضمون.

 

هوية العسكرة بغطاء إسلامي

 

في هذا المخطط، سوف يعتمد العسكر على زرع هوية إسلامية مصرية قومية عرقية في وقت واحد، أي هوية مصرية إسلامية، لا ترتبط بأي إطار عربي أو إسلامي، بل ترتبط فقط بقومية إسلامية مصرية، مما يعني ضمنا، فرض حالة إسلامية شكلية، تجعل النزعة الإسلامية، ليست مشروعا حضاريا، ولا مرجعية حضارية، بل تجعلها الجزء البارز من هوية قومية عرقية مصرية، تقوم أيضا على التعصب القومي. وتصبح الهوية الإسلامية من الملامح البارزة للعرق القومي المصري.

 

وهذه الهوية في كل الأحوال، ليست الهوية الإسلامية، لأن الهوية الإسلامية ليست هوية قومية عرقية. فالهوية الإسلامية تقوم أساسا على مرجعية حضارية، وليست هوية عرقية.

 

الموقف الخارجي

 

يمكن أن تقبل الدول العربية المساندة للانقلاب هذا التصور، ولكن الدول الغربية سوف تتحفظ عليه، إلا إذا أصبح الحل الوحيد. ولأن الكل غامر بالدخول في نفق الانقلاب العسكري المظلم، لذا فإن الأوضاع سوف تفرض على حلفاء الانقلاب، القبول بما يمكن تحقيقه، حتى وإن لم يكن أفضل سيناريو أريد تحقيقه من الانقلاب العسكري. خاصة وأن الغرب وأمريكا، يفضلون أساسا نموذج الدولة العلمانية العسكرية، أما الدول العربية المساندة للانقلاب ومعها قادة الانقلاب، فيفضلون الدولة البوليسية، مما يعني أن أحدا من شركاء الانقلاب لا يريد نموذج الدولة العسكرية بغطاء إسلامي، وأنه لن يحدث إلا إذا أصبح هو المخرج الوحيد، لإنجاح الانقلاب العسكري.

 

مخطط العسكرة

 

إذا وجد رفض شعبي لعلمنة الدولة، فهذا سوف يدفع لعسكرة الدولة، من دون علمنتها، وإن كانت النتيجة واحدة في النهاية. وإذا وجد رفض شعبي لعملية العسكرة، فإن الحل سيكون بمزيد من أسلمة الدستور، من أجل عسكرة الدستور. وفي هذه الحالة، يحتاج قادة الانقلاب إلى إجراء استفتاء نزيه، حتى يكسبوا ما خططوا له، شرعية شعبية. أما إذا تم تزوير الاستفتاء، فإننا بذلك نعود إلى مخطط الدولة البوليسية، والتي لا يهم فيها أي دستور أو قانون، حيث يصبح الدستور، مجرد حبر على ورق.

 

وإذا استطاع قادة الانقلاب تمرير تعديلات دستورية، تؤدي إلى عسكرة الدولة، والإبقاء علىالهوية الإسلامية، سوف نصل أيضا إلى ديمقراطية شكلية، حيث يحكم العسكر عمليا، لا السلطة المنتخبة

 

صورة أخرى من مجزرة الحرس الجمهورى.

 

وهو ما يحتاج أيضا إلى جعل المؤسسة العسكرية، ومعها المؤسسة القضائية، كدولة فوق الدولة، حتى يتم تقنين الاستبداد السياسي، وحصر العملية الديمقراطية، والانتخابات والاستفتاء، في مجرد ممارسة شكلية، لا تغير من الأوضاع السياسية، بل ولا تؤثر عليها أصلا. وفي كل الأحوال، فإن الاستبداد أيا كان نوعه أو درجته، هو استبداد بلا مشروع، ولا يحقق التنمية أو التقدم، ولا يعترف بالحرية أو الحقوق، ولا يعرف الديمقراطية. فالاستبداد يحمل أساسا هوية معادية لهوية المجتمع، ومختلفة عنها، لذا ففي كل الأحوال، يكون الاستبداد في مجتمع له هوية إسلامية، علمانيا.

 

وفي هذا المخطط أيضا، توجد خطة احتياطية بديلة، تتمثل في دولة قضائية بغطاء إسلامي، حيث تكون المحكمة الدستورية العليا، هي الحامية للشرعية الدستورية، ويمكن أن تنزع الشرعية عن أي سلطة منتخبة، بحكم تنفذه القوات المسلحة، حتى تبقى القوات المسلحة هي الحاكم الفعلي، ولكن من وراء ستار قضائي.

 

الخطة المزعومة: إصلاح مسار المرحلة الانتقالية

 

يروج قادة الانقلاب لمقولات زائفة، حيث يحاولون تبرير الانقلاب، بحدوث رفض شعبي لما تحقق في المرحلة الانتقالية، لذا وبناء على الرغبة الشعبية، يتم إعادة إنتاج المرحلة الانتقالية من جديد.

 

وإذا صدق هذا، فمعناه أن لا تتم أي محاولة لعسكرة الدولة أو علمنة الدولة، ولا تتم أي إجراءات استبدادية، تعيد الدولة القمعية مرة أخرى، وهو ما لم يحدث منذ اللحظة الأولى، حيث ظهر الوجه القمعي للانقلاب العسكري. وإذا كان قادة الانقلاب يبررون الإجراءات القمعية، بأنها مجرد إجراءات احترازي مؤقتة، فمعنى هذا، أنه يفترض أن تنتهي سريعا.

 

ولكن إذا كان الانقلاب لا يهدف لأي مخطط من المخططات السابقة، وسوف يعيد المرحلة الانتقالية فقط، محافظا على الدستور الديمقراطي، ومحافظا على الهوية الإسلامية، والتي لم يخرج ضدها من تظاهر في 21 يونيو، غير قلة منحازة للعلمانية؛ فإن هذا يعني أن الانقلاب العسكري، أستهدف ضرب شعبية القوى الإسلامية، حتى تعاد المرحلة الانتقالية، ويكون الحضور الإسلامي فيها ضعيفا.

 

ورغم أن ضرب شعبية القوى الإسلامية، تم بتخطيط مسبق، إلا أن فكرة تحجيم شعبية القوى الإسلامية، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، ثم إعادة المرحلة الانتقالية بديمقراطية كاملة، لا يمكن أن تكون سببا في انقلاب عسكري.

 

ومخطط العرقلة والإفشال، والتي نفذته الدولة العميقة، كان كافيا للحد من شعبية جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة، في انتخابات مجلس النواب، التي كان من المفترض أن تجرى بعد شهور. كما إن انخفاض شعبية أي فصيل، إذا حدثت، لا يمكن أن تستمر دائما، حيث يمكن لأي فصيل استعادة شعبيته مرة أخرى. كما أن عدم عسكرة أو علمنة الدولة في الدستور، تعني أن جوهر الدستور سيظل كما هو، مما يعني أنه لا مبرر للانقلاب العسكري أيضا.

 

يضاف لهذا، أن الانقلاب العسكري في حد ذاته، وما حدث قبله من تخطيط لعمليات العرقلة والإفشال، وحملات التشويه والاشاعات والحرب النفسية الإعلامية، هي أسباب كافية، تكشف مخطط الانقلاب، وتفشل أهدافه، إذا كانت تلك الأهداف، هي فقط تحجيم القوى الإسلامية، والتي يمكن أن تسترد شعبيتها، إذا كانت فقدتها أصلا، بمجرد انكشاف الانقلاب أمام أغلب الناس. وبهذا يكون الانقلاب العسكري، ليس وسيلة عملية، لتحجيم شعبية القوى الإسلامية.

 

ولا يمكن أن يحدث انقلاب عسكري، ثم يبقى الدستور كما هو، وتعود القوى الإسلامية، لتحقق الأغلبية البرلمانية، ثم يأتي رئيس منتخب من القوى الإسلامية؛ فإذا حدث هذا، يكون الانقلاب قد فشل،  بعد أن ثبت أنه مجرد محاولة فاشلة، للتأثير على الحياة السياسية. وفي كل الأحوال، لا يمكن أن يقوم أحد بانقلاب عسكري، على تحول ديمقراطي، حتى يحقق التحول الديمقراطي مرة أخرى.

 

كما أن القوى الإقليمية والدولية، التي ساندت الانقلاب، لا يمكن أن يكون هدفها، مجرد إعادة مراحل التحول الديمقراطي مرة أخرى، حتى تبنى ديمقراطية صحيحة. لأن أي ديمقراطية صحيحة تقوم، تعني أن الثورة انتصرت، وأن الإرادة الشعبية الحرة انتصرت أيضا. ولا يمكن أن يكون هدف الانقلاب العسكري، على الإرادة الشعبية الحرة، هو انتصار لها.

 

لذا لا يوجد أي مبرر، لاعتبار الانقلاب العسكري، مجرد محاولة لإعادة خطوات المرحلة الانتقالية، وإجراء عملية تحول ديمقراطي حقيقي. فمجرد الانقلاب على الشرعية المنتخبة، والرئيس المنتخب، والدستور الذي أقر بإرادة شعبية، يعد انقلابا على الإرادة الشعبية، مما يعني أنه يهدف أولا وأخيرا، لتقييد الإرادة الشعبية، بأي صورة من الصور.

 

وكل القطاعات أو الكتل، التي تعتقد أن الانقلاب العسكري، يهدف فقط إلى إعادة إنتاج المرحلة الانتقالية من جديد، بكل حرية ونزاهة وشفافية، غافلة وتم تضليلها، وسوف تكتشف الحقيقة؛ أما الفئات التي أيدت الانقلاب العسكري، وهي تعرف أنه يهدف لعسكرة وعلمنة الدولة، فهي شريك أصيل في الانقلاب على الديمقراطية، وثورة يناير.

 

خلاصة مخططات العسكر

 

ما بين الدولة البوليسية المستبدة، والتي لا تعرف الانتخابات النزيهة، وبين الدولة المستبدة، والتي تعرف الديمقراطية المقيدة، والانتخابات الشكلية، تقع كل مخططات الانقلاب العسكري. فهو في النهاية انقلاب، يهدف إلى تحقيق عسكرة وعلمنة الدولة، إما في دولة بوليسية بالكامل، أو دولة تتبنى الديمقراطية الشكلية والمرجعية العلمانية، أو دولة تتبنى الديمقراطية الشكلية والمرجعية العلمانية، ولكن بغطاء إسلامي.

 

حسابات الانقلاب

 

متى ينجح الانقلاب ومتى يفشل؟ تلك هي المسألة. فلا يمكن لانقلاب عسكري أن ينجح، إذا واجهته إرادة شعبية قوية، ووعي عام قوي. ولكن الانقلاب ينجح، إذا غاب الوعي، واستلبت الإرادة الشعبية، وسقط أغلب الناس في غفلة، تسلمهم لحكم عسكري، يكسر إرادتهم الحرة. وفي كل مرحلة من مراحل الانقلاب العسكري، بخططه المختلفة، سوف يواجه تحديا من الإرادة الشعبية الحرة الواعية، والتي تنتفض من أجل حماية حق المجتمع في الحرية، وفي تقرير مصيره. وكلما خرج أنصار الشرعية والديمقراطية وثورة يناير، من أجل حماية الثورة والتحرر المجتمعي والسياسي الكامل، دافعوا عن كل المجتمع، وكل مصر، حتى من أيد الانقلاب، عدا من أيد الانقلاب مستهدفا إقامة حكم عسكري.

 

وكل من يقبل بخيارات الإرادة الشعبية الحرة، ليس أمامه من طريق لاستعادتها، سوى الدفاع عن الشرعية والديمقراطية وثورة يناير، وكل من يريد سحق الإرادة الشعبية الحرة، ليس أمامه من طريق إلا تأييد الاستبداد.

 

احتمالات الانقلاب

 

إذا قامت دولة بوليسية، يكون الانقلاب قد حقق أهدافه كاملة. وإذا قام نظام سياسي قائم على العسكرة والعلمنة أو العلمنة فقط، وباستفتاء حر نزيه، يكون الانقلاب قد حقق هدفا مهما له، وأنه استلب إرادة الأغلبية، وجعلها تسلم حريتها بنفسها للحكم العسكري، وجعلها تختار مرجعية علمانية لا تعبر عن التيار السائد في المجتمع. وإذا قام نظام سياسي، يقوم على العسكرة بدون العلمنة، يكون الانقلاب قد حقق هدفه جزئيا، وسلب إرادة أغلبية في مجتمع، وجعلها تسلم نفسها لحكم عسكري، وإن كان لم يحقق علمنة الدولة ظاهريا، وسوف يحققها من خلال الممارسة، في ظل حكم عسكري، يعرقل الهوية الإسلامية أساسا، ويجعل وجودها شكليا، سواء تحقق الحكم العسكري مباشرة، أو من خلال مظلة قضائية.

 

أما إذا تمت مرحلة انتقالية جديدة، واستفتاء نزيه، وأيضا انتخابات نزيهة وحرة، ولم تتم عسكرة وعلمنة الدستور، وظل دستورا لنظام ديمقراطي، بمرجعية إسلامية، يكون الانقلاب قد فشل عمليا، ولم يحقق أي هدف من أهدافه. مما يعني أن قيادة الانقلاب العسكري، اضطرت في النهاية للاستسلام للإرادة الشعبية الحرة، ولم تستطع استلاب إرادة المجتمع. مما يعني، أنه قادة الانقلاب لن يطبقوا الخطة المزعومة والمعلنة منهم، بإعادة المرحلة الانتقالية، بإجراءات نزيهة وشفافة، إلا مضطرين ومجبرين، أمام ضغط شعبي واسع ومستمر، ويكون الانقلاب العسكري، قد فشل في تحقيق أي هدف من أهدافه. أما إذا تم وقف خطة الانقلاب بالكامل، والعودة لمسار الشرعية والديمقراطية، بعودة الدستور الذي استفتى عليه الشعب، والرئيس المنتخب، يكون الانقلاب قد فشل في مهده، ومنع من تحقيق أي من مخططاته.

 

الخلاصة: مسار مخططات الانقلاب

 

مع حالة التدافع المستمرة بين الانقلاب، وحركة الاحتجاج على الانقلاب، تتحدد مسارات مخططات الانقلاب. فقادة الانقلاب، يجربون مخططهم تدريجيا، بدءا من مخطط الدولة البوليسية، حتى المخططات البديلة. وفي كل مرحلة، بل في كل يوم، يحدث تحول جديد، يؤدي إلى تعديل مخططات قادة الانقلاب. فالاحتجاج الحاشد لأنصار الشرعية، أي أنصار ثورة 35 يناير، يؤدي عمليا إلى إفشال مخططات الانقلاب تدريجيا.

 

ولأن الانقلاب العسكري، يمثل خروجا على الدستور والقانون، وتبعه سياسة قمعية دامية، أسقطت عشرات ومئات الشهداء، لذا فإن تحصين الانقلاب لا يتحقق إلا بدولة بوليسية قمعية. لذا نجد قادة الانقلاب، يحاولون أولا، فرض هيمنة بوليسية قمعية شاملة، حتى إذا فشلوا في تحقيقها، وتأكدوا أن عودة الدولة البوليسية غير ممكن، سوف يتجهون إلى مخطط علمنة وعسكرة الدولة، وبقدر ما يحدث من ردود فعل شعبية، وبقدر حجم الاحتجاج في الشارع، سوف يحدد قادة الانقلاب وجهتهم. حيث تبدأ مرحلة اختبار حقيقية للشعب وإرادته ووعيه، حتى يعرف قادة الانقلاب، ما يمكن تمريره بموافقة شعبية، فهل يمكن تمرير العسكرة والعلمنة معا، أم العلمنة فقط، أم العسكرة فقط.

 

وبقدر ممانعة الوعي العام، تجاه هذه المخططات، بقدر ما تفشل إجراءات وخطط الانقلاب العسكري. ولكن كل فشل يلحق بالانقلاب العسكري ومخططاته، سوف يعيد قادة الانقلاب إلى المخطط الأصلي، وهو مخطط الدولة البوليسية. فكلما تأكد قادة الانقلاب، أنه يصعب تمرير العلمنة أو العسكرة أو كلاهما معا، في استفتاء نزيه وحر، عادوا مرة أخرى، إلى محاولة فرض سياسة قمعية بوليسية، تمكنهم من تزوير الاستفتاء على التعديلات الدستورية، وكل انتخابات تأتي بعده.

 

بهذا يتحدد مسار الانقلاب وخططه، من خلال التدافع بين الانقلاب العسكري من ناحية، والإرادة الشعبية الحرة الرافضة له. وتلك الإرادة الشعبية هي الوحيدة القادرة على إفشال الانقلاب، كما أن نجاح الانقلاب العسكري، لن يتحقق، إلا في حالتين، الأولى إذا استسلم السواد الأعظم للدولة البوليسية القمعية، والثانية إذا استلبت إرادة السواد الأعظم ووعيهم، ووافقوا في استفتاء نزيه وحر، على عسكرة أو علمنة الدولة، أو كلاهما معا

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان