رئيس التحرير: عادل صبري 06:28 صباحاً | الثلاثاء 17 يوليو 2018 م | 04 ذو القعدة 1439 هـ | الـقـاهـره 36° صافية صافية

الانقلاب العسكري انتكاسة أم نهاية؟

الانقلاب العسكري انتكاسة أم نهاية؟

ملفات

مظاهرات 30 يونيو خرجت بالتحرير بدعم الجيش

المجتمع بعد الربيع العربي

الانقلاب العسكري انتكاسة أم نهاية؟

بقلم: د . رفيق حبيب 15 يوليو 2013 13:35

وقع الانقلاب العسكري، لتحقق الثورة المضادة أول انتصار لها على الثورة المصرية، وتصبح الثورة المصرية، بل والربيع العربي كله في خطر. فالانقلاب العسكري، أعاد النظام السابق للحكم، بعد أن أسقطته ثورة يناير. فهل يعد هذا الانقلاب انتكاسة في مسيرة الثورة المصرية، أم نهاية لها؟

 


وهل هو انقلاب عسكري، أم ثورة جديدة؟ هو فعليا انقلاب عسكري بدعم من قطاع من المجتمع، أي أنه انقلاب حظي بدعم شعبي من قطاع من المجتمع. لذلك يصبح من المهم، تشريح مكونات الكتل الداعمة للانقلاب العسكري، وأسبابها.


المؤيدون للانقلاب

الشرائح التي خرجت في مظاهرات تطالب بانتخابات رئاسية قبل موعدها الدستوري، ثم أيدت الانقلاب العسكري، لا تتفق في الهدف، وبعضها لا يعرف أهداف الكتل الأخرى، التي شارك معها فيدعم الانقلاب العسكري.


والكتلة الأولى، والتي مثلت الواجهة السياسية للانقلاب، هي الكتل العلمانية، أو الكتل المؤيدة للحل العلماني، والرافضة للمشروع الإسلامي، والرافضة أيضا للهوية الإسلامية. وتلك الكتل لديها مشكلة مع أي ديمقراطية، تأتي بهوية إسلامية للدولة، وبالتالي لديها مشكلة أيضا مع الثورة، إذا نتج عنها نظام سياسي يقوم على المرجعية الإسلامية. لهذا، فإن هذه الكتل اندفعت لتأييد كل دعاوى الخروج عن المسار الديمقراطي، وفي النهاية أصبحت من أشد المؤيدين للانقلاب العسكري. ولكن هذه الكتل، هي الأصغر من حيث وزنها الجماهيري، بين الكتل التي خرجت داعمة للانقلاب على الديمقراطية.


الكتلة الثانية، هي المؤيدة للنظام السابق، والمعادية للتحول الديمقراطي، والمعادية أيضا للثورة.


وهي تمثل أنصار النظام السابق، بمختلف شبكاتهم، بدأ من شبكات الدولة العميقة، حتى شبكات رجال الأعمال، وحتى شبكات تنظيم البلطجية. وهذه الكتلة، كانت هي الكتلة الأكبر، وأيضا الكتلة الحاسمة، أي الكتلة التي استطاعت الحفاظ على حجم واضح من الحشد الجماهيري، وكانت الأكثر تنظيما، وربما يأتي بعدها من حيث التنظيم الكتلة المسيحية، والتي تمثل جزءا من الكتل الداعمة للحل العلماني. ويلاحظ أن الكتل أو الشبكات المؤيدة للنظام السابق، تتركز معركتها أساسا على خصومتها مع الثورة والتحول الديمقراطي، والعداء للقوى الإسلامية، ولكن أغلبية هذه الكتل، لها توجه إسلامي.


الكتلة الثالثة، وهي الكتل الغاضبة من تردي الأحوال المعيشية، والتي تم حشدها على أساس استغلال المشكلات الموجودة، والتي تسبب فيها النظام السابق، حتى تخرج من أجل التغيير. وهذه الكتل ليس لديها مشكلة مع الثورة، ولا مع التحول الديمقراطي، ولا مع الهوية الإسلامية، ومشكلتها الأساسية تنحصر في المشكلات الحياتية التي تعاني منها، وقد خرجت من أجل التغيير، ظنا منها أن تغيير الرئيس يحل تلك المشكلات سريعا بمجرد حدوث التغيير. ولهذا فهذه الكتل، هي التي خرجت من أجل أسباب مختلفة، وسرعان ما ستدرك أن خرجت مع أخرين، لهم أسباب أخرى، وأن خروجها سوف يساهم في نتائج لا توافق عليها.

 

الانقلاب المخطط

هل كان الانقلاب عفويا، ويمثل غضبة شعبية، من قطاع أو قطاعات في المجتمع؟ الواضح أنه كان انقلابا مخططا، استغرق تنفيذه والاعداد له فترة ليست بقليلة، كما أنه يمثل استمرارا لمخططات سابقة فشلت ولم تنجح. والمخطط الداخلي في كل الحالات، كان النظام السابق. فهل كان الانقلاب العسكري نتيجة الحشد في المظاهرات؟ من الواضح أيضا، أن قرار الانقلاب العسكري، كان قد أتخذ بالفعل، قبل المظاهرات، وبعد رفض الرئيس محمد مرسي الاستقالة من منصبه، أو البقاء والتنازل عن كل سلطاته لحكومة من المعارضة العلمانية.


والنظام السابق، هو الذي يملك القدرات والامكانيات التي تمكنه من التخطيط والتنفيذ، كما أن الدولة العميقة، أي شبكات النظام السابق المسيطرة على الدولة، خاصة أجهزتها المركزية في الشرطة والجيش والقضاء، وأجهزة الأمن والتحريات والرقابة، هي التي تستطيع توظيف كل أجهزة الدولة من أجل الانقلاب. وبدون دور النظام السابق، والدولة العميقة، ما حدث الانقلاب العسكري، وبدون دور النظام السابق أيضا، ما حدثت مظاهرات حاشدة.


وإذا كان النظام السابق، هو الذي خطط ونفذ، وبدون دوره ما كان الانقلاب يحدث، إذن فإن من يدير المشهد بعد الانقلاب هو النظام السابق نفسه، وهي المرة الأولى منذ الثورة، الذي يصبح فيها النظام السابق، هو السلطة الحاكمة بقوة الانقلاب العسكري، بعد أن ظل القوة المسيطرة على الدولة والتي تقاوم التغيير، وتعرقل مسيرة الديمقراطية؛ أي أن النظام السابق خرج من مربع القوى المعارضة للثورة، إلى القوى الحاكمة، بعد أن أجهض الثورة مرحليا، وأنجح الثورة المضادة، بدعم من قطاعات شعبية، بعضها يريد الحكم العسكري، إذا كان البديل الوحيد لحكم الإسلاميين، وبعضها لا يريد هذا الحكم، ولكنه لم يعرف أنه شارك في إعادة النظام السابق للحكم.


وقد قامت خطة الانقلاب على عدة محاور، منها:
عرقلة أي جهود من الرئيس والحكومة لحل المشكلات، لدرجة أن مخططات العرقلة لم تركز على الجهود قصيرة أو متوسطة الأجل، وركزت فقط على الجهود العاجلة، حتى تعمق الأزمات الموجودة، وتشيع حالة من اليأس والإحباط، وكان هدفها توفير قاعدة من الغضب الشعبي، اللازمة لتحقيق مخطط الانقلاب.


التركيز الواضح على أزمات السولار والبنزين والكهرباء، باعتبارها أزمات يمكن أن تشل العديد من جوانب الحياة، وتؤدي إلى نتائج سلبية متراكمة، خاصة وأن أزمات البنزين والسولار، تغلق الطرق. واستهدف من ذلك، عرقلة أي حل للمشكلة، ثم تعظيم هذه المشكلة تدريجيا، ولأن تعظيم المشكلة يمثل خطرا، لذا تم تعظيم مشكلة السولار والبنزين في الأيام السابقة لمظاهرات 21 يونيو، لتصل لذروتها قبل المظاهرات. ونظرا لخطورة هذه المشكلة، لأنها تقطع عمليا كل الطرق، لذلك تم حلها سريعا بعد خروج الناس للمظاهرات. ليظهر للجميع، حجم المشكلة الطبيعي، والحجم المفتعل. ويلاحظ أيضا، أن أنصار النظام السابق استخدموا هذه الأزمات مرارا بعد الثورة، وأثناء الانتخابات الرئاسية، أي أن أزمات الوقود أصبحت أداة النظام السابق، للتأثير على الرأي العام.


عملت آلة بث الاشاعات والتوجيه المعنوي، للتأثير على الرأي العام، بصورة واضحة منذ الثورة، ثم أصبحت آلة بث الاشاعات تعمل بكثافة في الانتخابات الرئاسية، وبعد فوز الرئيس محمد مرسي، بدأت آلة بث الاشاعات والتوجيه المعنوي، تعمل بكثافة غير مسبوقة، وأصبح لها دور مهم في توجيه الرأي العام، بل لا أبالغ إذا قلت، أن هذه الآلة وصلت لمرحلة السيطرة شبه الكاملة على الرأي العام، أو على الأقل أصبحت قادرة على بث حالة من التوتر في المجتمع، والسيطرة على الرأي العام، من خلال حالة التوتر التي تبثها فيه.

 

كان من أهم أدوات مخطط الانقلاب، هو شيطنة جماعة الإخوان المسلمين، من خلال تزييف صورتها بالكامل، ووضع صورة مختلقة لها، لا علاقة لها بالحقيقة، وإلصاق التهم لها، وبث الأكاذيب والاشاعات عليها. لدرجة جعلت الجماعة متهمة بالقتل، رغم أن القتيل منها. وأصبحت متهمة بكل اعتداء يقع عليها. والحقيقة أن التركيز على جماعة الإخوان المسلمين، بهذه الكيفية، له الأكثر تنظيما، لذا أصبحت محاولة تحجيم جماعة الإخوان المسلمين ضرورية، حتى يمكن التحول بعد ذلك إلى القوى الإسلامية الأخرى. فالهدف النهائي، للنظام السابق، هو تقليص دور الحركات الإسلامية، لأنه يعرف أنها الأكثر شعبية، وأنها المنافس الوحيد له.


قام الإعلام التابع للنظام السابق، والذي يعمل أساسا لخدمة الثورة المضادة، ومعه الإعلام العلماني، بحملات إعلامية لتزييف الوعي، بصورة غير مسبوقة. وأيضا قام بحملات إعلامية لبث الكراهية، وتحويل الخصومة السياسية إلى عداء وكراهية سياسية واجتماعية، بصورة أظن أن مصر لم تعرفها بهذا الشكل من قبل. وهي محاولة تهدف أساسا لتعميق حالة نزاع أهلي، تكون مبررا لعودة النظام السابق، وهو ما تحقق بالفعل، من خلال انقلاب عسكري، يبرر نفسه بحالة نزاع أهلي، يفترض أن الانقلاب العسكري، جاء كحل لهذه الحالة. وتم ذلك، من خلال بث الكراهية ضد الرموز والملامح الإسلامية، وإشعال معارك ومشاجرات، ونشر لاستخدام العنف بغطاء إعلامي يبرره، ويخفي من يقوم به، ونشر حالة من السباب والقذف، تخرج المجتمع عن تقاليده، وتدخله في حالة مشاحنات اجتماعية واسعة، حتى تتشكل حالة من النزاع الأهلي.


قامت وسائل إعلام بالسيطرة على الصورة، بشكل جعلها قادرة على تزييف الصورة بالقدر الضروري، وأيضا إخفاء أي جانب من الصورة لا تريده، مما جعلنا أمام واقع على الأرض، وواقع آخر على شاشات الفضائيات، واستطاعت وسائل الإعلام السيطرة على قطاعات من المجتمع، لتكون هي مصدر الصورة بالنسبة لها، وتوجهها كيفما شاءت. والحقيقة أن وسائل الإعلام، لا تضيف جديدا بالنسبة لمن يوافق على موقفها، وإن كانت تزيده حدة وتطرفا، ولكنها تحاول أن تجذب قطاعات أخرى، حتى تتمكن من توسيع دائرة الحشد ضد الرئيس، وهو ما استخدم كمبرر للانقلاب العسكري.

 

الدور الدولي والإقليمي

كنت من الذين يعتقدون أن حدوث انقلاب عسكري هو من الاحتمالات الضعيفة، لأني تصورت أن الإدارة الأمريكية يصعب أن توافق عليه، لأني توقعت أن الإدارة الأمريكية لا يمكن أن تكرر أخطائها بنفس الأسلوب، لتجني نفس النتائج التي تعاني منها، وتدخل نفسها في أزمات، تهدد مصالحها أكثر. وكان في تقديري إن الانقلاب العسكري، هو أضعف الاحتمالات، ولا يمكن تبريره، إلا إذا حدثت حرب أهلية، وهو احتمال ضعيف، نظرا لخطورة تدبير حرب أهلية. ولكن تقديري لم يكن دقيقا، حيث تم تبرير الانقلاب العسكري، بوجود مظاهرات رافضة للرئيس، وهو أمر لا يبرر الانقلاب العسكري، لأن وجود قطاع من المجتمع يعارض الرئيس، وقطاع يؤيده، لا يمثل حالة تسمح بالانقلاب العسكري.

 

ولكن الإدارة الأمريكية، وللدقة نقول المؤسسة الأمريكية، ليس لديها استراتيجية أخرى، لذلك فهي تستخدم نفس استراتيجيتها، وهي استراتيجية التدخل العنيف، إذا كانت السلطة السياسية في أي بلد، لا تمثل حليفا لها، وذلك من خلال الحروب الاستباقية، أو الانقلابات العسكرية، وقد كان، وقام انقلاب عسكري، بموافقة أمريكية، ودعم عربي خليجي.


ومن يظن أن ما حدث في مصر، كان من الممكن أن يحدث، بدون الدور الإقليمي العربي، والدور الخارجي الأمريكي، فهو مخطئ. فالانقلاب العسكري، كان قرارا أمريكيا خليجيا بامتياز، وبدون هذا القرار، ما حدث انقلاب عسكري.


ولهذا أسبابه، فدول عربية وخليجية، تقف موقفا سلبيا من الثورة والربيع العربي. وأكثر من هذا، هناك دول لا تريد نموذجا إسلاميا ديمقراطيا ناجحا، يسقط سندها الديني غير الديمقراطي، مثل السعودية.


كما أن هناك دولا عربية تخشى من المنافسة الاقتصادية مع مصر، خاصة مع تميز موقعها الجغرافي، مثل الامارات. وهناك دول تخشى من تمدد النموذج السياسي الإسلامي، والذي إن حقق نجاحا في مصر، كنموذج إسلامي ديمقراطي، سوف يكون له بريق جاذب في بقية الدول العربية والإسلامية. خاصة مع انتشار مدرسة الإخوان المسلمين، في أغلب الدول العربية والإسلامية. أما الإدارة الأمريكية، فهي لا تريد نظاما غير علماني، ولا تريد نظاما لا يقوم على الدولة  القومية، أي الدولة المستندة على القومية والعرق، وليس الدولة التي تستند على مرجعية حضارية دينية.

 

كما أن الإدارة الأمريكية، لا تريد نظاما يريد أن ينتج غذاءه ودواءه وسلاحه، ولا تريد نظاما يريد أن يساوي قوته العسكرية بالقوة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي، ويرى أن أي خلل في القوة العسكرية بين مصر والاحتلال الإسرائيلي، لن يحقق السلام في المنطقة، وأن السلام يتحقق بعد تحقق الردع بين القوة العسكرية لمصر والقوة العسكرية للاحتلال الإسرائيلي.


ولأن مصر بعد الثورة، لم تعد حليفا للولايات المتحدة الأمريكية، كما قال الرئيس الأمريكي، لذا أصبح من الضروري القيام بانقلاب عسكري، حتى يأتي حكم يكون حليفا لأمريكا. وليس صحيحا ما قاله البعض، أن الإدارة الأمريكية تدعم حكم الإخوان، فالحقيقة أن الإدارة الأمريكية، لا تملك إلا أن تدعم نتائج الانتخابات، ومن يختاره الناس للحكم، ولكنها في الوقت نفسه، تحاول ممارسة كافة أشكال الضغوط، حتى يكون من يصل للحكم حليفا لها؛ ولأن الرئيس محمد مرسي لا يقبل الضغوط أيا كانت، وكان واضحا وصريحا مع الإدارة الأمريكية، وأكد أن مصر بعد الثورة، دولة مستقلة ذات سيادة، ولن تخضع للإملاءات الخارجية، لذا انقلبت الإدارة الأمريكية على الديمقراطية، وأيدت الانقلاب العسكري.


لذا فالإدارة الأمريكية تحاول من خلال الانقلاب العسكري، بناء نظام سياسي علماني، وديمقراطية مقيدة، لا تسمح بالاختيارات الحرة للإرادة الشعبية، إذا كانت تلك الخيارات تريد نظاما سياسيا يقوم على المرجعية الإسلامية. وهو ما يناسب الدول الخليجية أيضا، والتي تريد مصر أن تكون ضمن الحلف الغربي في المنطقة، ولا تريد نموذجا ديمقراطيا ناجحا في مصر، كما لا تريد نظاما ديمقراطيا إسلاميا، يمثل منافسا له جاذبية اجتماعية وسياسية، مما يجعل له أثر على العديد من الدول العربية والإسلامية، ومنها الدول الخليجية.

معدات عسكرية لتأمين المنشآت أم تأمين النظام النظام الجديد

مشهد الانقلاب

جاء الانقلاب العسكري، بصورة تكشف الكثير من تفاصيله. فقد جاء في مشهد يجمع القيادات الدينية، والرمز العلماني الأبرز في مصر، الدكتور محمد البرادعي، ودخل حزب النور السلفي في تلك التركيبة، مدفوعا بأوضاع أو ضغوط إقليمية، مباشرة أو غير مباشرة، وأيضا مدفوعا باستراتيجية لا تناسب الموقف الذي شارك فيه. فقد تصور حزب النور السلفي، أنه قادر على الحفاظ على الحد الأدنى من مكتسبات القوى الإسلامية، حتى لا يضيعها الانقلاب العسكري، مادام وقف الانقلاب لم يعد ممكنا.

ولكنه واقعيا أكسب دعما لانقلاب يستهدف القوى الإسلامية أساسا، ويستهدفه أيضا. وما هي إلا ساعات قليلة، وبدأت حملة تستهدف القوى الإسلامية، والتي ظن أن مشاركته في الانقلاب تحميها، ثم حل مجلس الشورى، وقد كان من مطالب حزب النور عدم حله.


وبهذا جاء الانقلاب مؤيدا من الرموز الدينية، التي كانت خياراتها قريبة من خيارات النظام السابق، أو كانت جزءا منه، وجاء من القوى العلمانية المتحالفة مع النظام السابق، والتي شاركت في المخططات الانقلابية. ليصبح الانقلاب العسكري، هو واقعيا انقلاب النظام السابق على الثورة، والذي مكنه من السلطة كاملة، لأول مرة بعد الثورة. فأصبحت الثورة المضادة في الحكم، والثورة الأصلية في الشارع مرة أخرى.


ولم يأتي الانقلاب بأي غطاء يخفي حقيقته، فقد بدأ بغلق القنوات الفضائية، والسيطرة على الإعلام، وسلسلة من الاعتقالات والتهديد بالاعتقال، وبث الاشاعات والكراهية، وكأنه يدشن علنا، عودة الدولة البوليسية، برعاية القوى العلمانية ورموز دينية، ودعم خليجي وأمريكي.

 

وتلك البداية البوليسية، توضح أن الانقلاب العسكري، استهدف عودة سريعة وفاعلة للنظام السابق، حتى يعود مسيطرا على مجرى الأمور، وعلى كل السلطة. كما دشن الانقلاب العسكري، حملة تخويف أمنية واضحة وسريعة وفجة، تهدف أساسا، بث حالة من التخويف، تردع أنصار الرئيس والقوى الإسلامية، حتى يخرجها من الشارع سريعا، ثم يحكم القبضة الأمنية، ليس فقط على القوى الإسلامية، بل على الشارع كله، ويعيد البلاد إلى حالة ما قبل الثورة.

 

وفي لحظة إعلان الانقلاب، كانت الدولة العميقة الأمنية، قد سيطرت بالفعل على كل السلطة في مصر، فبعد الانقلاب على الرئيس، تم حل مجلس الشورى، وأصبحت مصر تحكم بسلطة عسكرية غير مباشرة، من خلال رئيس معين غير شرعي، وضعت في يده كل السلطات، ولكن يظل القرار في النهاية لدى قيادة القوات المسلحة، خاصة القائد العام لها.

 

القوات المسلحة

القوات المسلحة المصرية، من أكثر المؤسسات تماسكا في مصر، ولكن بداخلها مشكلة مركبة.


فهي أولا، تمثل جزءا من نظام يوليو، وهي ثانيا اسست على العداء للحركة الإسلامية، وهي أيضا تمثل جزءا من المجتمع، ولا يوجد عداء داخل بنيتها للهوية الإسلامية، ولا يمكن أن تسمح بضرب الهوية الإسلامية للمجتمع. ولكن في نفس الوقت، فإن مفهوم الأمن القومي للقوات المسلحة، قام على أساس أن علمانية الدولة، جزء من مقومات الأمن القومي المصري، وأن إسلامية الدولة، تهدد الأمن القومي، وتهدد الاستقرار الإقليمي، وتجعل مصر دولة مارقة حسب التعريفات الأمريكية. مما يجعل موقف القوات المسلحة من مسألة الهوية معقد، ويجعلها في موقف مربك، لأنها إذا ساهمت في علمنة الدولة، تصبح في موقف حرج اجتماعيا، وأيضا موقف حرج داخل القوات المسلحة نفسها. كما أنها لا تستطيع السماح بالاختيارات الحرة للإرادة الشعبية، إذا كانت هذه الاختيارات مع الهوية الإسلامية، لأنها أسست تصورها للأمن القومي على علمنة الدولة، كما أنها أقامت علاقتها الاستراتيجية مع أمريكا، على أساس مفاهيم محاربة الإرهاب، وعلمنة الدولة، والحفاظ على الطابع القومي العرقي للدولة، كهوية لها.

 

وعندما تدخل القوات المسلحة في هذا النزاع، تصبح واقعيا في أصعب مرحلة من تاريخ القوات المسلحة المصرية، حيث أصبحت جزءا من صراعات ونزاعات أهلية وسياسية، وجز ء من صراع إقليمي ودولي مع الثورة والربيع العربي، وهو ما يمثل لحظة فارقة وحرجة. ولا يوجد مخرج للقوات المسلحة المصرية، إلا بإعادة تعريفها للأمن القومي المصري، ولطبيعة الدولة المصرية، بصورة تخرج عن إطار ما هو مفروض غربيا وأمريكيا، وبتصور يتناسب مع المجتمع المصري، ويعبر عنه، ويتوافق مع تحرر الإرادة الشعبية لمصر بعد الثورة. وهي مسألة صعبة ومعقدة، بل وحرجة للغاية، خاصة مع الدعم الأمريكي العسكري للقوات المسلحة المصرية.

 

الانقلاب سياسيا

مبرر الانقلاب أن القوات المسلحة انحازت للشعب، ولكن الواقع أن القوات المسلحة انحازت لجزء من الشعب، ضد جزء آخر منه. أما في ثورة 35 يناير، فقد انحازت القوات المسلحة مع الشعب، ضد سلطة غير منتخبة، لم تأتي بإرادة شعبية. وفي انقلاب 2 يوليو، انحازت القوات المسلحة مع قطاع من المجتمع، ضد قطاع آخر منه، وضد رئيس منتخب، جاء بإرادة شعبية، وضد دستور أقر بإرادة شعبية حرة. لذلك ففي 35 يناير، انحازت القوات المسلحة للثورة الشعبية، وفي 2 يوليو، قامت القوات المسلحة بانقلاب عسكري.


ولا يوجد أخطر من أن تكون القوات المسلحة بجانب فصيل ضد آخر، وتنفذ إرادة قطاع من المجتمع، ضد إرادة قطاع آخر، فبذلك أصبحت القوات المسلحة في قلب صراع سياسي، تحول فعليا إلى نزاع أهلي.


والمتابع لوقائع الثورة المصرية، يجد أنه بعد الثورة ظهرت حالة الاحتقان المجتمعي، ومعها حالة من الصراع السياسي الشديد، ولكن تلك الحالة كان يتم تصريفها سياسيا في الانتخابات، رغم أن نتائج الانتخابات كانت تعجب المنتصر، ولا تعجب من لم يحقق نصرا، وهذا أمر طبيعي. ولكن تصريف حالة الاحتقان في عملية سياسية منظمة ولها قواعد، كان أنسب حل لتلك الحالة، حتى ينمو التوافق المجتمعي تدريجيا. ولكن ما حدث، أن مخططات الانقلاب اعتمدت أساسا على تعميق حالة الاحتقان، حتى تصل إلى حالة نزاع. وظلت حالة النزاع الأهلي، مخططة ومدبرة ومفترضة، حتى قام الانقلاب العسكري، ودخلت مصر عمليا وواقعيا وفعليا، في مرحلة النزاع الأهلي. فتدخل القوات المسلحة لصالح فريق ضد فريق آخر، هو سبب كافي اجتماعيا وتاريخيا، لبداية مرحلة نزاع أهلي، بعضه يكون عنيف، وبعضه يكون غير عنيف، ولكن كله في الواقع، يمثل خطرا على المجتمع المصري، ويدخله في مرحلة جديدة من تاريخ الثورة المصرية، ومن تاريخ المجتمع المصري.


فقد أراد تحالف الانقلابين، أن يحتكم للشارع ويفرض إرادته ومخططاته من خلال الشارع. وبهذا لجأ لتصريف حالة الاحتقان الاجتماعي والسياسي، وحالة الاختلاف والانقسام السياسي في الشارع، بدلا من تصريفها داخل العملية السياسية المنظمة، وهو ما يعرض العملية السياسية للخطر، وهو واقعيا يقوض الشرعية والديمقراطية والعملية السياسية برمتها. ولهذا وقبل الانقلاب بيوم، حذر الرئيس محمد مرسي من الانقلاب على الشرعية، وكرر كلمة شرعية عدة مرات، لأنه يدرك أنه إذا تم تقويض الشرعية الدستورية، فلن تكون هناك أي شرعية أخرى، وسوف تصبح السلطة بالغلبة في الشارع، وهو ما يعني الدخول العملي في مرحلة النزاع الأهلي.

 

ولكن تحالف الانقلابين، لم يدرك خطورة الانزلاق إلى مرحلة النزاع الأهلي، لأنه بنى مخططه أساسا على إذكاء حالة النزاع الأهلي، وتصور أن النزاع الأهلي، يمثل سببا كافيا لإعادة بناء مرحلة ما بعد الثورة كلها، بطريقة مختلفة. وقامت فكرة الانقلاب، على أساس أن قطاع من المجتمع يعتبر نفسه مهمش في مرحلة ما بعد الثورة، لذا فيجب بناء النظام السياسي، وبناء نموذج ديمقراطي، يشعر هذا القطاع أنه غير مهمش، حتى وإذا كانت النتيجة هي إقصاء القوى الإسلامية، فإذا لم يكن هناك توافق يرضي الجميع، فيجب إقصاء الإسلاميين.

 

فالانقلاب، ليس له أي علاقة بالمشكلات التي خرج بعض الناس من أجلها، لأن الانقلاب لم يكن لحل مشكلة السولار والبنزين، ولكن كان من أجل تصميم نظام سياسي، مدعوم من النظام السابق والقوى العلمانية، ومدعوم عربيا ودوليا. وبعد ذلك، يمكن للقوى الإسلامية، أن تشارك في نظام سياسي علماني، إذا قبلت بالشروط العلمانية السياسية.

 

أهداف الانقلاب

تتعدد أهداف الانقلاب، ولكنها تصب في النهاية، في محاولة إعادة النظام السابق، مع غطاء ديمقراطي شكلي، فالمطلوب تحقيق عدة أهداف منها:
.1 وضع قواعد لنظام سياسي، تجعل الهوية الإسلامية في الدستور مقيدة بمواثيق حقوق الإنسان الغربية، والتي تسمى دولية، حتى لا يكون للمرجعية الإسلامية دور فعلي. ويمكن تحقيق ذلك، بوضع نصوص، كتلك التي كانت في وثيقة المبادئ فوق الدستورية، والتي عرفت بوثيقة السلمي.


.2 إعطاء دور سياسي للقوات المسلحة، بأن تكون حامية الشرعية السياسية، ورقيبة عليها، وحامية للشرعية الدستورية، بنصوص كتلك التي كانت في وثيقة السلمي، أو نصوص أخرى. المهم أن تكون القوات المسلحة، هي اليد العليا في السلطة السياسية.


.3تعميق استقلال القوات المسلحة، كمؤسسة مستقلة، لا رقابة عليها، ولا سلطة مدنية عليها، حتى لا يكون لأي سلطة منتخبة، تنفيذية أو تشريعية، سلطة على القوات المسلحة.


.4 تعميق فصل عدة مؤسسات في الدولة، عن أي رقابة شعبية، وعن أي دور للسلطة المنتخبة، خاصة القضاء والشرطة، بحيث تعمل تلك المؤسسات ذاتيا، وتكون منفصلة عن النظام السياسي القائم، ولها سلطة تتجاوز أي سلطات منتخبة، مما يجعلها عمليا تحت القيادة العسكرية غير المباشرة.


.5 ترسيخ سيطرة الدولة العميقة على أجهزة الدولة، مما يمكن شبكات النظام السابق، من وضع آليات للسيطرة على أجهزة الدولة، بحيث تكون تلك الأجهزة خارجة عن سيطرة الرئيس المنتخب، وقادرة على إدارة نفسها ذاتيا، وهو ما يمكنها عمليا من عرقلة أي حكومة لها سياسات تختلف عن سياسات النظام السابق، المقبولة إقليميا ودوليا، والتي تعد جزءا من منظومة التحالف مع أمريكا.


.6 تأمين شبكات الفساد، وملفات النظام السابق، من أي ملاحقة أو محاسبة، وهو ما سيؤدي إلى توسع شبكات الفساد بصورة غير مسبوقة، حتى تكون هي المسيطرة فعليا على مقدرات الدولة والمجتمع، مما لا يسمح لأي سلطة منتخبة بأن تمارس دورها.


.7 اعتماد سياسات أمنية وبوليسية، كافية للسيطرة على العملية السياسية، وجعل الحرية السياسية، تحت الرقابة الأمنية المباشرة، مما يمكن الدولة العميقة من السيطرة على حركة الشارع. الانقلاب العسكري.. انتكاسة أم نهاية؟ يوليو 3102



.8 اعتماد سياسات، تحول دون حرية العمل السياسي للقوى الإسلامية، وتحد من قدرتهم على الحركة والانتشار، بالصورة التي تسمح بتقييد الدور السياسي للقوى الإسلامية، وهو ما قد يصل إلى محاولة الإقصاء الكامل، إذا لم تنجح خطط التقييد والتحجيم.


.9 فرض سيطرة مباشرة وغير مباشرة على وسائل الإعلام، حتى تظل كلها خاضعة لهيمنة عسكرية ومخابراتية وأمنية مباشرة، والتضييق على أي وسيلة إعلامية مستقلة، والتضييق بالكامل على أي وسيلة إعلامية إسلامية.

 

الخلاصة: أن الانقلاب العسكري، يهدف إلى إعادة بناء دولة الاستبداد، ولكن تحت غطاء من ديمقراطية مقيدة؛ ولذلك فإنه سوف يضطر إلى ترك شبكات الفساد، لأنها هي التي مولت الانقلاب، وهي التي أدارت مشهد الانقلاب، وهي أيضا التي حشدت جزءا من حشود المظاهرات؛ لذلك أصبح من الصعب مواجهتها، خاصة وأن شبكات الفساد، سوف تعمل على استرداد ما صرفته على مخطط الانقلاب، كما ستعمل على استرداد ما استطاعت الحكومة استرداده منها من المال العام، قبل الانقلاب.


وتبدو أهداف الانقلاب غريبة، من حيث أنها تعد تماديا في الاستبداد، وتماديا في الانقلاب على الثورة، وتماديا أيضا في السياسة الأمنية الهادفة إلى إقصاء فصيل سياسي كامل، حاز على الأغلبية في كل مناسبة انتخابية بعد الثورة. وهي أيضا محاولة لوضع نظام سياسي، يفترض أنه ديمقراطي، يكرس حكم الأقلية، ويقصي الأغلبية. وكل هذا بعد ثورة، قام انقلاب عسكري في وجهها، تحت شعار حماية مسار الثورة، فإذ به يهدف أساسا، إلى التخلص من كل آثار الثورة، وإهدار كل مكتسباتها.

 

مسار الانقلاب

قام الانقلاب أساسا على قاعدة جماهيرية تؤيد الانقلاب، بل وتؤيد الحكم العسكري، وهي القاعدة المعادية للمشروع الإسلامي، ولكنه لم ينجح إلا بضم قاعدة جماهيرية أخرى، تم تضليل وعيها، وهي جزء من المجتمع، الذي يعاني من المشكلات المزمنة. ووصل الأمر بهذه القاعدة، أنها أيدت القوى التي عرقلت حل المشكلات، بل وأزمت الحياة، فأصبحت تلك الكتل تختار فعليا، موقف من تسبب في إلحاق الضرر بها متعمدا، وهي تعتقد أن الرئيس والحكومة لم ينجحا في حل المشكلات، فأرادت تغيير الرئيس حتى تحل المشكلات.


ومن أراد أن يغير الرئيس حتى يحل المشكلات، فانحاز لموقف من تسبب أصلا في هذه المشكلات، ومن فجر الأزمات أكثر، ومن تسبب في تعميق شعوره بالمشكلات، لا بد أن يفيق في النهاية، ويعرف ما حدث، ويدرك أنه ساهم في إعادة النظام السابق، وإعادة الاستبداد، ومنح الحماية للفساد. وهذه الكتلة الحرجة، هي التي مكنت مخطط الانقلاب من النجاح، وهي أيضا يمكن أن تكون جزءا من إفشال الانقلاب. ولكن هذا الجانب ليس كل القصة، أقصد قصة الانقلاب ومساره.


فالانقلاب حدث على ثورة، فإما أن ينجح الانقلاب وتنتهي الثورة، أو أن يفشل الانقلاب وتنجح الثورة. ولا يوجد احتمال ثالث. فالمعركة الآن بين طرفين، الثورة والثورة المضادة. ولا يوجد أحد يقف في موضع آخر، إلا بعض الكتل القلقة، والتي تعيش تحت ضغط الظروف الحياتية.


والانقلاب العسكري، على دستور وضع بإرادة شعبية حرة، وعلى رئيس منتخب بإرادة شعبية حرة، لا يبني دولة ديمقراطية، بل يبني نظاما مستبدا، أيا كانت عمليات التجميل التي يمكن أن تتم، لإخفاء صورته. ومعنى هذا، أننا في معركة الآن، بل وفي نزاع أهلي أيضا، بين حلين، الأول يعيد الرئيس.


المنتخب، ومعه نظاما ديمقراطيا صحيحا، ودستورا جاء بإرادة شعبية، والثاني، يقيم نظاما استبداديا من جديد. وكأننا بين أن نتقدم إلى الأمام، أو نرجع للخلف، وتلك المعركة ليست غريبة على التاريخ، فلم تنجح ثورة من الضربة الأولى، والثورة المصرية نجحت بأسرع من المتوقع، وهذه هي المشكلة، لأن نجاحها لم يكن كاملا.


فالمتابع لكل ما حدث، يجد أن حسم الثورة سريعا بتنحي رأس النظام السابق، لم يكن لحسم الأمور لمصلحة الثورة، بل كان حتى لا تنجح الثورة بالكامل. فقد حسم الأمر سريعا، حتى لا ينهار النظام السابق بالكامل. وعندما فشلت كل محاولات إعادته أو تقويته، وآخرها محاولة إنجاح مرشح النظام السابق في الانتخابات الرئاسية، لم يكن هناك من حل آخر، إلا الانقلاب على الثورة، حتى يعاد النظام السابق بالكامل، بعدما فشلت محاولات إعادته تدريجيا، وبدون انقلاب عسكري.


إذن، نحن أمام معركة الثورة الأولى والأساسية، ولكن بعد تقسيم المجتمع، حول موقفه من الثورة، كما حدث في سوريا. فلأن الثورة المصرية نجحت سريعا، لذلك بدأت مرحلة تقسيم المجتمع بعد الثورة، حتى يتم إضعاف المجتمع، ولا يكون له موقف موحد من الثورة، وحتى يختلف المجتمع حول الموقف من الثورة، ومن النظام السابق، ويضعف الاجماع على الثورة. وهنا تواجه الثورة نزاعا أهليا، يعرقل مسيرتها.

 

مبرر الانقلاب ينقلب عليه

إذا كان مبرر الانقلاب، هو وجود رفض شعبي في الشارع، وهذه أقوى نقطة يعتمد عليها مخطط الانقلاب، فإنها واقعيا أضعف نقطة في هذا المخطط، لأنه إذا كانت الحشود هي التي تسببت في الانقلاب، فالحشود أيضا هي التي يمكن أن تنهي الانقلاب. لذلك فإن تحالف الانقلابين، يريد أن يسيطر سريعا على الشارع، حتى لا توجد حشود ضده. وإعلام الانقلابين يتجاهل الحشود المؤيدة للشرعية والرئيس، كما إن تنظيم بلطجية الانقلابين، يحاول تخويف المتظاهرين المؤيدين للشرعية، من خلال ارتكاب أعمال عنف ضدهم.


ولأن الانقلاب تحجج بوجود نزاع أهلي، وتسبب عمليا في وجود نزاع أهلي، لذلك فإن بقاءه مرتبط بوجود حالة نزاع أهلي في مصر، تعرقل المسار الديمقراطي أصلا، وتبقي حكم العسكر. ولكن النزاع الأهلي أيضا، يمثل خطرا على القوات المسلحة والدولة والمجتمع، وإذا أصبح هذا الخطر في مرحلة متقدمة، يصبح من الضروري نزع فتيل النزاع الأهلي، وهو ما يدفع قادة الانقلاب للتراجع، ولكن تراجعهم أيضا سوف يزيد حدة النزاع الأهلي، فلا يوجد طريق لنزع فتيل النزاع الأهلي، إلا بإعادة قواعد اللعبة السياسية الديمقراطية، وتقبل الجميع لشروط العملية الديمقراطية، حتى يتم تصريف النزاع الأهلي في عملية سياسية، بدل تصريفه في الشارع.

 

ولأن الانقلاب العسكري، لا يبني ديمقراطية، ولا يسمح بحرية، بل يعيد الدولة البوليسية، فإن الحرية التي أعقبت الثورة، تظل أملا يراد استعادته.

 

ولأن الانقلاب العسكري، لا يحمل حلما لأحد، غير النظام السابق والقوى العلمانية والكتل المؤيدة لها، أي أنه لا يحمل حلما إلا لأقلية، أعتمد عليها النظام السابق قبل الثورة مرات عدة، لذا فإن الانقلاب.

 

العسكري لا يجد ما يروجه للناس، حتى يحمي حكم العسكر بشريعة شعبية مفترضة، بل أن الشعبية التي استند عليها سوف تتقلص تدريجيا.

انتكاسة أم نهاية

هناك العديد من السناريوهات التي يمكن تحليلها ودراستها، ولكن المهم الآن، هو المسار التاريخي العام. فالثورة المصرية، أعادت للمصري حريته، والانقلاب العسكري سوف يجهض حلم الحرية. والثورة المصرية، لم تكن ثورة جياع، بل كانت ثورة أحرار، يطالبون بحريتهم. لذا فإن معركة التحرر تستمر، حتى تستكمل، ولكنها تواجه بعد الانقلاب العسكري بتحديات أكبر، تحديات قبل أن تنتصر على الانقلاب، وتحديات أكبر بعد أن تنتصر على الانقلاب.


هي انتكاسة، تستمر لفترة زمنية، حسب تطور الأحداث، فالانقلاب العسكري، لن يكون نهاية للثورة، بل انتكاسة، قد تستمر أيام أو سنوات. وهي انتكاسة، لأنها سلبت الحرية، في اليوم الأول للانقلاب، وهي انتكاسة لأنها أعادة الدولة البوليسية في اليوم الأول للانقلاب.


فقد قامت الثورة المصرية من أجل الحرية والخبز، بمعنى آخر، قامت الثورة المصرية من أجل التحرر والتقدم. وقامت سياسة الرئيس محمد مرسي على تحقيق الاستقلال، وهو يعني التحرر الكامل، والنهوض، وهو يعني تحقيق الرفاه لكل شعب مصر. وقام الانقلاب العسكري، حتى لا يتحقق الاستقلال والنهوض لمصر.


ولا يمكن أن ينجح الانقلاب العسكري، إلا إذا نجح في مساومة شعب مصر، حتى يضحوا بالحرية والاستقلال، من أجل تحقيق الرفاهية، وليس التقدم والنهوض الحقيقي. مما يعني أن الانقلاب العسكري لن ينجح، إلا بضخ أموال هائلة سريعا، تحقق لشعب مصر الرفاهية، وإن لم تحقق له بناء نهضة حقيقية مستقلة. مما يعني أن نجاح الانقلاب، يرتبط بوجود ممول قادر على دفع منح ومعونات كبيرة ومستمرة، حتى يعيش شعب مصر في حالة اقتصادية جيدة، اعتمادا على دعم مالي خارجي ومستمر. وهذا لن يحدث، لأن القوى الخارجية، تخشى أساسا من تمويل مصر ماليا، حتى لا تخرجها من أزماتها المالية الحالية، والمتمثلة في عجز الموازنة وتضخم الديون. ولا يمكن تمويل مصر ماليا بالقروض فقط، لأن هذا سيحول مصر إلى دولة مفلسة، ولن تتمكن من تحقيق الرفاهية للشعب. ولأن في مصر نسبة فقر مرتفعة، لذا فالمطلوب هو دعم مالي هائل.


والغرب لا يمول دول ليست ضمن حظيرته السياسية والحضارية، ولن يسمح بتمويل واسع لمصر، خوفا من تقوية مركزها المالي والاقتصادي ضمنا. والغرب في زمن النظام السابق، كان يدعم مصر، حتى تبقى مستمرة، دون أن تتقدم. ولا يمكن للغرب أن يدعم مصر، حتى تخرج من الحالة التي وضعها فيها النظام السابق، بإرادة غربية، وهي أن تبقى بين الحياة والموت.


لذا لا يوجد من يدفع ثمن تنازل المصريين عن الحرية، هذا إن قبل المصريون بذلك. وأيا كان الدعم المالي الممكن بعد الانقلاب العسكري، فإنه لن يغير من الأوضاع المعيشية بشكل مؤثر. مما يعني أن الانقلاب العسكري، لن يأتي بالحرية أو الرفاهية، وهو ما يجهض كل أهداف الثورة. وإعادة حالة مصر، إلى مرحلة ما قبل الثورة، كافية بأن تحقق إفاقة تدريجية لعامة الناس، حتى يدركوا ماذا حدث لهم، ويدركوا حقيقة الانقلاب العسكري. ولأن الثورة تنجح بإرادة عامة الناس، وإرادة السواد الأعظم، فإنها تستمر بإرادة السواد الأعظم أيضا. ولأن الانقلاب نجح بسبب حالة غفلة أصابت الرأي العام، فإنه لا يستمر دون استمرار الغفلة التي أصابت الوعي العام. ولأن سقوط وعي السواد الأعظم في غفلة كل الوقت، غير ممكن، ولأنه يحدث أحيانا، ولبعض الوقت، لذا فإن الانقلاب العسكري، لن يمثل إلا انتكاسة للثورة، قد تكون قصيرة، وقد تمتد.


ففي مصر ثورة قامت، وخرج الملايين عدة مرات، بل وخرجوا ومنحوا غطا ء لانقلاب عسكري، وأغلبهم لا يعرف أهدافه. لذا فإن عودة الشعب كله، إلى حالة من السلبية، كما كان قبل الثورة، غير محتمل. وبعد حالة الفوضى الشعبية، التي جعلت مصر تحتل المركز الأول في التظاهر والاحتجاج، لا يمكن أن تعود حالة السكون الشعبي.


لذا فمقومات استمرار الانقلاب العسكري، ونجاحه في تحقيق أهدافه، غير متاحة، ولكن الانقلاب العسكري، يملك قوة السلاح، لذا فهزيمته ليست أمرا هينا، وإن كانت متاحة.

الخلاصة

يقول البعض، أن دروس التاريخ تؤكد، أنه عندما تقوم ثورة لإسقاط نظام حكم مستبد، ثم تأتي حكومة منتخبة، وبعدها يحدث انقلاب عسكري، فإن هذا الانقلاب العسكري يفشل في النهاية، والحكومة المنتخبة تعود للحكم، وكل من أيد الانقلاب العسكري، يخسر في النهاية. فهل تنطبق تلك القاعدة التاريخية على مصر؟ ربما.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان