رئيس التحرير: عادل صبري 10:34 مساءً | الاثنين 20 أغسطس 2018 م | 08 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

لعبة التسريبات.. معارضون ومسؤولون على رقعة شطرنج

لعبة التسريبات.. معارضون ومسؤولون على رقعة شطرنج

ملفات

وزير الداخلية المصري وتسريب يحسن صورته

لعبة التسريبات.. معارضون ومسؤولون على رقعة شطرنج

وسام فؤاد 24 فبراير 2015 12:37

تؤثر ظاهرة التسريبات بقوة على ذهن المتلقي لها، بصرف النظر عن صحتها من عدمه، وهذا التأثير يجعل المراقب لا يقف فقط عند قضية ضرورة التأكد المهني من نسبة التسريبات، ولكن تجعل المراقب أيضا ينصرف لمراقبة تفاعلاتها وتأثيرها.

 

قضية التأثير تدفع الصحف كما المراقبين غير الإعلاميين للوقوف على طبيعة المستفيد من هذه التسريبات، وهو ما يقودنا بالتالي لتقديم مسار تفسيري حول صحة نسبة التسريبات، ناهيكم عن أنه لا يمكن لوم صحيفة تعاملت بالنشر مع التسريبات، معالجة نشرها بقدر من المهنية يمنع إدراكها باعتبارها حقيقة لا تقبل النقاش.

 

تصريح السيسي وسلاح الشائعات

 

في حديثه الإعلامي الأخير، كان من بين كلمات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عبارة تستحق الوقوف أمامها، قال: "ما تقولش اللي بيتقال ده اتقال وللا ما اتقالش.. اللي بيتقال ده بيتقال ليه؟ هدفه إيه؟".

 

عبر هذا التصريح أرسل السيسي رسالة يريد فيها أن يؤكد أن العبرة في التسريبات المصرية ليست: هل قيلت أم لا؟ ولكن هدفها؟ في إشارة واضحة جدا لكون هذه التسريبات تحتمل النسبة إليه. وبذكاء رجل تولى قيادة إدارة المخابرات الحربية؛ التي من صنعتها الأساسية التلاعب بالشائعات والمعلومات، أكمل الرئيس المصري حديثه ليشوش على الرسالة؛ فيفهمها مؤيدوه، تاركا الفرصة لمن يؤيده أن يفهمها، ولأصحاب وجهة النظر الأخرى أن يتوهوا مع إضافات التشويش التي ألحقها برسالته.

 

لا تدعي هذه السطور أن ما تطرحه يمثل الحقيقة الواحدة، لكن الأساس في التسريبات.. أية تسريبات.. أنها تقوم على توفر طرف داخل المجتمع المستهدف بالتسريب هو الذي يقوم بالتسريب. ففضيحة "سويس ليكس" كان وراءها أحد موظفي المصرف السابقين، وهو الفرنسي الإيطالي ايرفيه فالشياني، ومؤسسة ويكيليكس قامت على مزيج من المنشقين الصينيين والصحفيين والرياضيين. والسؤال فيما هنا هو: ما الذي يمنع الطرف الذي يمثل ضحية التسريبات من القيام بنفسه بإتاحة هذه التسريبات، ليتمكن من قيادة خصومه إلى معارك وهمية، أو أن يقودهم مباشرة لتحقيق هدفه، وبخاصة لو تعلق هدفه بالتشكيك في سلامة تفكير خصومه.

 

نماذج للمصلحة المباشرة للسلطة

 

التوقف لبرهة أمام التسريب الأخير للرئيس المصري حول الخليج، يجد أن الرئيس المصري هو المستفيد الوحيد منه. فموضوع التسريب الذي سيلتفت إليه المصريون في النهاية هو اهتمام الرئيس المصري بحال المواطن، وبخاصة محدودي الدخل، وهو ما سيجعله موضوعا للاستحسان لا الاستهجان. لا ريب في أن التسريب لا يمكن أن يقود للاستحسان كهدف ما لم يتبلور في أعين الناس باعتباره "تسريبا"، وهو ما استلزم إضافات قام بها غيره، ولم يقم هو بنفسه بها، وذلك تحت داعي الحفاظ على صورته.

 

ولنعود إلى قصة التسريبات منذ بدايتها لنشير لتسريب "اللي بيتكلم في الموبايل هيدفع واللي بيستقبل بس هيدفع" والحديث عن "الظروف"، لنجد أنه كان ضمن حملة إعلامية شنت قبل ذلك لتخفيض سقف توقعات الجمهور، وإعداد المصريين لـ"حملة شقا" يمكنها أن تجعل من أي تقدم يتحقق بعدها – ولو كان محدودا – أن يكون إنجازا من الممكن تصويره بأنه "منقطع النظير".

 

والأكثر من ذلك، فإن تسريب "عناصر جذب للستات" الذي كان من المفترض أن يثير حفيظة الرجال في مجتمع شرقي، بالإضافة لتلميحات "النحنحة"، قرأه خبراء في ضوء وجود أزمة جندر بين الرجل والمرأة، وحتى بين الزوج وزوجه. وانتهى الأمر بـ"رقص" السيدات أمام اللجان.. إلخ.

 

يبقى أن نشير إلى أمرين في هذا الصدد:

 

الأمر الأول: ويبقى في النهاية أن التسريبات وسيلة تواصل فعالة بقدر ما هي وسيلة اغتيال معنوي، أو تبيان لوقائع تخفى عن أعين القانون. وكونها وسيلة تواصل فعالة يرجع لكم الإثارة المرتبط بها، والذي يؤدي لاتساع نطاق جمهورها الطوعي مقارنة بالجمهور العادي لمحتوى وسائل الاتصال الجماهيري والذي ربما يتعرض لهذا المحتوى الإعلامي بدون انتباه.

 

الأمر الثاني: أن تصريح الرئيس المصري في حديثه الإعلامي ربما يتضمن إشارة إلى انفضاض "المولد"، وتحقيق الهدف، وتبين استدراج المعارضة لكمين "الهوى السياسي"، وجاء تسريب وزير الداخلية المصري نموذجا. وتقدير كاتب هذه السطور أن مصر لن تشهد تسريبات ذات وزن لاحقا.

 

تسريب وزير الداخلية

 

ذكرنا من قبل أن التسريبات قد تكون وسيلة إظهار لوقائع تقع بصاحبها تحت طائلة المساءلة، وقد تكون وسيلة للاغتيال المعنوي، وفي الأخير؛ قد تكون وسيلة إرسال رسائل للطرف المستهدف. ويمكن القول إن تسريب وزير الداخلية المصري ينتمي لهذا النوع الأخير من التسريبات الذي يحمل عددا من الرسائل، يمكن إيجاز أبرزها فيما يلي:

 

أ – في إطار ما يلمسه المراقبون من وجود صراع مكتوم حينا وسافر حينا آخر ما بين النخبة المحسوبة على الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وتلك المحسوبة على نخبة مبارك، فقد حمل التسريب الخاص بوزير الداخلية رسالة واضحة تصب في هذه المساحة، حيث حرص وزير الداخلية على أن يوضح في التسريب أنه يعمل لصالح كتلة السيسي وليس كتلة مبارك.

 

ب – من أهم الرسائل التي وردت بالتسريب الذي بثته قناة الجزيرة منسوبا لوزير الداخلية المصري، هو حرصه على التذكير بأنه كان الضامن لنجاح 30 يونيو، وأن أية "ثورات" لن تنجح بدون مساندة المؤسستين الكبيرتين (الجيش والشرطة) لها.

 

ج – التسريب يحمل رسالة بأن فريق الوزير يحمل تعليمات منه بمنع تشكل كتلة متظاهرين حرجة يمكن أن تؤدي لانفلات الوضع الأمني. فقد تضمن التسريب توجيهات مباشرة من الوزير لطاقمه بضرورة احتواء التظاهرات، وبخاصة تلك التي تنطلق من المساجد.

د - كان من أهم الرسائل التي يبعث بها وزير الداخلية المصري أنه رجل لا يمثل عبئا على إدارة الرئيس السيسي إذ إنه يتقيد بالقانون وهو يدير علاقة الوزارة بالمتظاهرين. جاء على لسانه بالتسريب: " أنا هاتدرج معاه زي القانون ما قال صح وللا لأ؟".

ويبدو من هذه الملاحظات أن التسريب يتضمن رسائل واعية، وأن هذه الرسائل ليست موجهة في مجملها لعموم الجمهور المصري بقدر ما هي موجهة لرئيس الجمهورية؛ تحرص على تلميع صورة الرجل عنده، وإزالة اللغط حول هذه الصورة.

 

اقرأ أيضًا:

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان