رئيس التحرير: عادل صبري 08:53 مساءً | الاثنين 20 أغسطس 2018 م | 08 ذو الحجة 1439 هـ | الـقـاهـره 37° صافية صافية

قصة التشيع في مصر ..من حكم المحروسة إلى هامش المجتمع

قصة التشيع في مصر ..من حكم المحروسة إلى هامش المجتمع

ملفات

الجامع الازهر-ارشيف

صلاح الدين أغلق الأزهر مائة عام للتخلص من آثار الفاطميين

قصة التشيع في مصر ..من حكم المحروسة إلى هامش المجتمع

المصريون لم يتشيعوا في ظل الحكم الفاطمي واكتفوا ببعض مظاهر حب آل البيت

مصر العربية 25 يونيو 2013 18:36

لم يبدأ تاريخ الشيعة في مصر بوصول الفاطميين إلى حكمها، فقد بدأ التشيع قبل ذلك بفترة طويلة، حيث عرفته الفسطاط – عاصمة مصر الإسلامية - بمجرد تشكله كمذهب ديني.

 

يقول المقريزي في كتابه " اتعاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين الخلفا"، إنه بعد سقوط بني أمية، وقيام دولة بني العباس، ظهرت دعوة بني حسن بن علي بمصر، وتكلم الناس بها، وبايع كثير منهم لعلي بن محمد بن عبد الله، وكان أول علوي قدم مصر.

 

ويضيف المقريزي بقوله إن الشيعة في مصر، وقبل وصول الفاطميين، شهدوا اضطهادا من قبل الولاة، على خلفية الصراع القائم بين الدولة العباسية والدولة العلوية، حيث ورد في أحد الأيام رسالة من الخليفة العباسي المتوكل على الله إلى مصر يأمر فيها بإخراج آل أبي طالب من مصر إلى العراق، فأخرجوا في رجب عام 239 هجرية "واستتر من كان بمصر على رأس العلوية"، فقام يزيد بن عبد الله أمير مصر يومئذ بتتبع الروافض وحملهم إلى العراق.

وعندما وصل المستنصر إلى الحكم أمر "بألا يقبل علوي ضيعه، ولا يركب فرسا، ولا يسافر من الفسطاط إلى طرف من أطرافها، وأن يمنعوا من اتخاذ العبيد إلا العبد الواحد".

 

وعندما استقر المعز لدين الله في مصر سنة 362 هجرية، وأسس الأزهر ليكون منبرا للمذهب الشيعي الإسماعيلي، اتسعت رقعة التشيع، وانضم بعض المصريين إلى دين خلفائهم الجدد، إلا أن المصريين لم يتحولوا بكافتهم إلى التشيع، وإنما ظلت الأغلبية متمسكة بالمذهب السني.

 

ويؤكد الكاتب الصحفي حلمي النمنم في كتابه "الأزهر.. الشيخ والمشيخة"، أن التشيع اقتصر على رجال الدولة، ولم يجذب العامة من الناس، الذين اكتفوا باقتباس العادات والتقاليد الشيعية التي لا تمس أصل العقيدة، ونقلوها إلى حياتهم اليومية.

 

ورغم بقاء الفاطميين في مصر ما يزيد على مائتي عام، إلا أن صلاح الدين الأيوبي، مؤسس الدولة الأيوبية في مصر، لم يجد مشقة تذكر، عندما اتخذ قراره بإلغاء التشيع، وإقرار المذهب الشافعي السني مذهبا رسميا للبلاد، وهو ما دفعه للإقدام على إغلاق الأزهر ما يزيد على مائة عام متواصلة، بهدف القضاء على التشيع نهائيا، ولم يفتح ثانية إلا في عهد الظاهر بيبرس، ورغم لك بقي حب آل البيت متأصلا في نفوس المصريين، خاصة وأن القاهرة تضم العديد من الأضرحة الشريفة كالحسين والسيدة زينب.

 

وطوال عهد الدولة المملوكية، عاش الشيعة في مصر، على قلتهم، كمواطنين طبيعيين، لهم كافة الحقوق التي للمسلمين السنة، وعليهم كافة الواجبات، ولم تشهد البلاد أي حوادث عنف كبيرة أو ملفتة تجاه الشيعة بسبب ممارسة شعائرهم، كما لم يعرف لهم مناطق محددة اشتهرت بوجودهم، كاليهود والأرمن وغيرهم.

 

وفي الوقت الذي توجد فيه حوادث موثقة عن تعرض الشيعة للاضطهاد في الشام إبان فترة حكم المماليك، إلا أنه لا يوجد حوادث معروفة عن هذا الاضطهاد داخل مصر، ورغم ذلك يقول المفكر الشيعي صالح الورداني في كتابه "شيعة مصر" أنه "قام المماليك مستندين إلى فتوى لابن تيمية وبتحريضه ومشاركته، في ارتكاب مذبحة كسروان الشهيرة للشيعة في لبنان، وإذا كانت هذه هي سياسة المماليك تجاه الشيعة في الشام، فكيف تكون سياساتهم تجاه شيعة مصر".

 

وإبان حكم العثمانيين لمصر، كان الصراع محتدما بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية في إيران، حيث تقاتل الطرفان في العديد من المواقع بهدف توسيع الرقعة الجغرافية لكلا الدولتين، ورغم أن غالبية سكان الدويلات التي شكلت إيران الحالية، كانوا من السنة الشافعية، إلا أن إسماعيل الصفوي – مؤسس الدولة الصفوية - حرص على تحويلها إلى التشيع بهدف "خلق هوية مختلفة عن العثمانيين، ومنع تكوين طابور خامس من السنة الذين من المتوقع تعاطفهم مع دولة بني عثمان السنية" حسبما يقول الكاتب الأمريكي يان ريتشارد في كتابه "إيران الحديثة"، وهو ما حول العداء ما بين الدولتين من عداء سياسي بحت، إلى عداء عقائدي ديني، وهو ما انعكس بالتالي على الشيعة المتواجدين في مصر، حيث بات ينظر لهم على أنهم "جواسيس" ولوحقوا بدعوى "حفظ الأمن".

 

إلا أن وضع الشيعة في مصر تحسن، في أواخر عهد الدولة العثمانية، بعدما وقعت الدولتان العثمانية والفارسية - عقب زوال حكم الصفويين عن إيران - معاهدة سلام، حيث تم الاعتراف بالمذهب الجعفري كمذهب خامس والسماح بتدريسه في البلاد الواقعة تحت حكم العثمانيين ومن بينها مصر، وإطلاق سراح أسرى الطرفين، بل وصل الأمر إلى حد تخصيص ركن لمعتنقي المذهب الجعفري في الحرم المكي.

 

أما فترة حكم أسرة محمد علي، فقد اتسمت بالتسامح الديني في الكثير من الأوقات، حتى أن العديد من مساعدي محمد علي كانوا من الأقباط، ولم يبد أفراد الأسرة أي نفور أو غضب من المذهب الشيعي أو الشيعة في مصر، وإنما انشغلت الأسرة بمحاربة المد الوهابي في شبه الجزيرة العربية، كما ازداد هذا التسامح في بدايات القرن الماضي، عندما دعا السلطان العثماني عبد الحميد إلى الوحدة الإسلامية، سامحا بالتبشير الشيعي داخل الدولة العثمانية، بهدف مواجهة الاستعمار الأجنبي الغربي الصليبي، ووصل الأمر في مصر، إلى قيام الملك فاروق، آخر ملوك أسرة محمد علي، بتزويج أخته الأميرة فوزية من ولي عهد إيران محمد رضا بهلوي.

 

وعقب قيام ثورة يوليو 1952، انشغلت الدولة بمحاربة الاستعمار الأجنبي، وعدوها الأول المرابط عند الحدود الشرقية، الكيان الصهيوني، وابتعد الشيعة عن المشهد، وذابوا داخل المجتمع المصري الذي توحد خلف مجلس قيادة الثورة، وفي عهد السادات، توطدت العلاقة بينه وبين شاه إيران محمد رضا بهلوي، حيث أمر بإنشاء بعض الجمعيات والهيئات الشيعية في مصر، مثل جمعية آل البيت، إضافة إلى السماح لبعض الطوائف الأخرى بالعمل كالبهرة، حيث وافق على قيامهم بتجديد وإعادة بناء مسجد الحاكم بأمر الله لإقامة شعائرهم بهم.

 

ويوضح الورداني في كتابه، أن هناك عائلات شيعية مصرية من أصول إيرانية وعربية لا تزال تلتزم بالتقية، وبعضها ذاب ولم يعد يحمل من التشيع سوى الاسم، ومن بين العائلات الشيعية المصرية كما يقول الورداني عائلة السيدة الراحلة تحية كاظم، زوجة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

 

وظل الوضع على هذه الحال، حتى قيام الثورة الإيرانية سنة 1979، التي اتخذ السادات موقفا معارضا لها، وقام بحل جمعية أهل البيت ومصادرة ممتلكاتها، وأصدر شيخ الأزهر عبد الرحمن بيصار فتوى تبطل الفتوى التي سبق وأصدرها شيخ الأزهر الأسبق محمود شلتوت بجواز التعبد بالمذهب الجعفري، لتبدأ لسلسة من مطاردة الشيعة في مصر، استمرت كذلك طوال عهد الرئيس السابق حسني مبارك، ولم تتوقف بعد ثورة 25 يناير.

 

وحسب تقرير صدر في أكتوبر 2009 لمركز "بيو" الأمريكي للأبحاث، يتركز قرابة أربعين بالمائة من شيعة العالم في إيران، بينما يتوزع الباقي في العراق التي تضم قرابة 20 مليون شيعي، وباكستان والهند واليمن وتركيا وأذربيجان، وبنسبة أقل في بعض الدول العربية - خاصة البحرين التي يشكل الشيعة قرابة 70% من سكانها، بينما تأتي مصر في ذيل قائمة الدول التي تضم الشيعة، حيث لا يتجاوز الشيعة المقيمون فيها بضعة آلاف على أحسن تقدير.

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان