رئيس التحرير: عادل صبري 04:39 مساءً | الثلاثاء 23 أكتوبر 2018 م | 12 صفر 1440 هـ | الـقـاهـره 33° صافية صافية

"اقمع لكن بشياكة".. قراءة في نظرية حروب الجيل الرابع

اقمع لكن بشياكة.. قراءة في نظرية حروب الجيل الرابع

ملفات

مستشارا الرئيس لشؤون مكافحة الإرهاب والأمن القومي

خداع النظرية يتمثل في إحلال "الدولة الفاشلة" محل "السلطة الفاقدة للشرعية"..

"اقمع لكن بشياكة".. قراءة في نظرية حروب الجيل الرابع

وسام فؤاد 19 نوفمبر 2014 11:48

"أفضل خدعة نفذها الشيطان أنه أقنع البشر بانعدام وجوده" عبارة أطلقها السيناريست كريستوفر ماكويري في فيلم "المشبوهون الاعتياديون The Usual Suspects"، وسرت على لسان الناشطين سريانا واسع النطاق. لكن الأدهى منها أن يتمكن العدو/الخصم من إقناع عدوه/خصمه بأن عداوته ليست مع عدوه، بل مع أصدقائه الراغبين في إصلاح حاله صدقا، فينصرف أحد أطراف العلاقة الصراعية لينشغل بنفسه، ويصفي عناصر قوته. تلك هلي حقيقة مفهوم الحرب اللاتماثلية أو ما اصطلح على تسميته بحروب الجيل الرابع.


"فريق تسد".. بصيغة أخرى

لم تكن محاضرة البروفيسور ماكس مانورينج مقنعة، وهو يحاول إعادة إحياء هذا المفهوم، مستخدما السلسلة الفيلمية الشهيرة هاري بوتر كمدخل ليلقي بأول الرسائل التي يريدها أن تصل إلى الجمهور، حيث لفت خلال هذه المقدمة إلى أن "مجتمع السحرة" لم يكن يواجه متدينين أو حكاما، بل كان يواجه ساحرا منهم. محاضرة ماورينج أوضحت الأبعاد النظرية للمصطلح الذي استخدم لأول مرة في عام 1989 من قبل فريق من المحللين الأمريكيين، من بينهم المحلل الأمريكي ويليام ستِرگِس ليند؛ قبل أن تنهال أسهم النقد الأكاديمي على هذه النظرية لتبين أنها محض تبرير لفشل الاستخبارات الأمريكية في التنبؤ بالمخاطر التي تهدد الولايات المتحدة.

لم يضرب مانورينج مثالا معاصرا يدعم نظريته سوى مثال الخطبة العصماء التي ألقاها رئيس فنزويلا الراحل هيوجو شافيز أمام الأكاديمية العسكرية الفنزويلية داعيا ضباطه لاستيعاب مفهوم حروب الجيل الرابع ضمن "عقيدتهم العسكرية".

في رسائل نظرية سريعة مقتضبة تحاول أن تبدو منطقية، يقترب مانوارينج من رسالته التي افتتحها بقصة الطفل هاري بوتر، محاولا أن يعيد تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة مستخدما مفهوم "الإكراه".

بداية مقولات مانوارينج أن الحرب إنما هي محض إكراه، وأن الهدف الأساسي لأية عملية عسكرية أن يقوم فيها الطرف المنتصر بـ"إكراه" الطرف المهزوم على الانصياع لإرادته. ربما تكون هذه الرؤية صحيحة قطعا، لكن "تلبيس إبليس" يبدأ من الخطوة التالية، من محاولة وصف جهود المجتمعات للضغط على حكوماتها المستبدة أو الفاسدة لزحزحتها باتجاه الإصلاح بأنها "إكراه"، وبما أن الحرب إكراه، فإن القوى المجتمعية المطالبة بالإصلاح – وفق تعريف النظرية اللوذعية - إنما تقوم بشن حرب على الدولة التي تحكمها. وهذه القوى المجتمعية، وفق نفس النظرية، لا تقوم بهذا الضغط لغرض الإصلاح، بل تستهدف "هدفا خبيثا ماكرا"؛ ألا وهو الوصول بدولها إلى مرحلة "الدولة الفاشلة"، حيث يمثل هذا المصطلح الركن الثاني في هذه النظرية الفقيرة مفاهيميا وتطبيقيا.

ففي هذا السياق، وبعد أن قامت الحكومة المصرية بتعليب القطاع الإسلامي من معارضيها في "علبة" الإرهاب، يتبقى لديها القوى المدنية غير الإسلامية، وهي قوى لا يستقيم أمام العالم – الذي يعد إرضاؤه هدفا أساسيا بسبب الاستثمارات وغيره، ومن ثم لابد لهؤلاء من قالب "تعليب" آخر، وهو ما توفره نظرية "حروب الجيل الرابع".

وهكذا، لم تعد الدول بحاجة إلى الدخول في حروب مع جيرانها، بل يكفيها أن تدعم قيادة سياسية تعتنق هذه النظرية، وبمجرد وصولها للحكم؛ تبدأ حركة التدمير الذاتي. وهنا يبدو أن هذه النظرية دعائية تمثل غطاء للحكومات المستبدة وليس لتفسير الصراعات ومجابهتها. وهكذا، تبدأ الوقيعة بين السلطة والمجتمع. وهكذا أيضا تبدأ السلطة في فقدان الشرعية. نحن هنا إذا لسنا أمام "دولة فاشلة" وفق مفاهيم هذه النظرية العدمية، بل نكون أمام "سلطة بلا شرعية".


اقتل لكن بشياكة

الشطر السابق من هذه الرؤية يفترض حسن النية في الحكومات الجنوبية النامية، حيث يفترض أن إرادة الخهداع والقهر والقسر ليست إرادة محلية، بل تفترض أن الحكومات الجنوبية تعرضت لعملية "خداع" إستراتيجي أسفرت عن حدوث اضطراب في الرؤية لدى هذه الحكومات، فباتت لا تميز العدو من الحبيب، وباتت ترى مواطنيها مصدر الخطر، وشرعت ترى المطالب الإصلاحية نوعا من الإكراه. لكن إن صح هذا لدى بعض الحكومات، فإن بعضها الآخر لا تنطبق عليه نفس الصورة؛ بل يرى في هذه النظرية فرصة لتقديم القمع في حلة أنيقة.

عندما تجابه الحكومات الديمقراطية مشكلة داخلية، فإنها تلجأ لافتعال مشكلات ومواجهات خارجية لإحداث درجة من التماسك الداخلي تمكنها من تجاوز المشكلة الداخلية لحين تدبير خطة لـ"معالجتها". وعلى النقيض من ذلك تعمل الحكومات غير الديمقراطية.

يغلب على قيمة الإنسان لدى الحكومات غير الديمقراطية أن تكون قيمة عددية، فهو بالنسبة لها محض رقم. فلو طالعنا مشهد الطلاب الذين تعرضوا للتنكيل أو القتل خلال العامين الماضيين سنجد أن غالبيتهم أطباء في كليات الطب، والهندسة، ومن بينهم من هو في تخصص نادر كالهندسة النووية، بل إن من بينهم من كانوا مدرسين أو أساتذة في جامعات عالمية (هاني الجمل نموذجا)؛ لكنهم آثروا العودة إلى مصر مع إرهاصات الإصلاح الذي بشرت به ثورة 25 يناير، لكن هذا التميز والتفوق لم يشفع لأولئك الطلبة أمام بطش "بيادات" جنود الأمن المركزي وما شاكلها.

كما أن البيئة الداخلية بالنسبة لهذه الحكومات تبدو وكأنها البيئة الأيسر في الضبط، وتتأسس نظرة هذه الحكومات لتلك السهولة في الضبط على اعتبار احتكارها لـ"القمع المشروع" الذي يسهل مهمتها بالنظر لقيمة الإنسان لديها. ويتبقى أمر بالغ الخطورة؛ ألا وهو صورة هذه الحكومات أمام العدسات العالمية.

إذا كانت قيمة المواطن تكاد تكون منعدمة؛ فإن قيمة المتغير العالمي ليست كذلك. فقد أنتجت حركة الكوكب نحو العولمة حالة اعتمادية قوية للداخل على الخارج، سواء في حركة رؤوس الأموال أو انتقالات البضائع والأفكار والسلاح.. إلخ، وهذا ما يجعل للعلاقة مع العالم قيمة عالية، ويجعل لعدسات القنوات الفضائية العالمية قيمة كبيرة لابد من أخذها في الحسبان.

هذه الاعتبارات المتعلقة بالعالم الخراجي رتبت ضرورة وجود إطار أنيق تعرض من خلاله الحكومات غير الديمقراطية عملية "تنكيلها" بمواطنيها، وقمع الحريات، والعصف بالحقوق.

توفر نظرية "حروب الجيل الرابع" هذا الإطار الأنيق. فلم يعد السؤال الملح هو أن نقتل أم نمتنع عن إراقة الدم.. أن نقمع أم نعمق الإصلاحات التي تمنع تكرار خبرة مبارك المؤلمة.. أن نجعل القانون مطية للفساد أم نعلي من سيادة القانون بحيث يمحق هذا الفساد. بل صار السؤال هو: كيف أزين عمليات القمع والفساد والتنكيل أمام الكاميرات العالمية.

ويمكننا في هذا السياق أن نضيف بعدا محليا قد لا يكون بنفس قدر الأهمية التي يتمتع بها البعد العالمي، لكنه قد يتبدى مهما حين تثور الحاجة إلى إظهار الشعب أمام عدسات الكاميرات العالمية. فاستمرار القمع والتنكيل يثير قلق المواطن داخليا، وقد سبق أن نشرت صحف مصرية عن تقارير صادرة من جهات سيادية تحذ الرئيس المصري من عواقب استمرار القمع بدون فاعلية. وفي أعقاب تداول هذا التقرير إعلاميا بدأنا نسمع عن نظرية "حروب الجيل الرابع"؛ فيما يبدو أنه محاولة لتسويق القمع داخليا، وبخاصة ذلك القمع الذي يمارس في حق القوى المدنية. فلن يكون مقبولا وصف القوى المدنية هي الأخرى بالإرهاب، ومن ثم ربما ثارت الحاجة لتسويق عملية قمعهم داخليا أيضا عبر استخدام هذا الإطار الأنيق.

 

اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان