رئيس التحرير: عادل صبري 10:41 صباحاً | الأربعاء 26 سبتمبر 2018 م | 15 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

زينب مهدي.. إنذار شديد اللهجة

زينب مهدي.. إنذار شديد اللهجة

ملفات

الناشطة زينب مهدي

زينب مهدي.. إنذار شديد اللهجة

وسام رجب 16 نوفمبر 2014 17:57

انطفأ أملها.. ما بين مؤسسات دينية رسمية اتخذت قرارا بجعل قيم الدين وأصوله ومبادئه ومسلماته نهبة لكل ذي غرض..

إلى إعلام قرر أن يتنكر لكل مسؤولية له عن سلامة العقل المصري، واتبع منهجا يتعامل مع المصريين ككيانات بلا عقول أو أرواح تحتاج للإنصاف والطمأنينة والشعور بانتماء ووطن..

إلى حركات إسلامية اضطربت أولوياتها، وخضعت لضغوط لإقصائها عن محاولات سد العجز في مواجهة الخواء الروحي المخيف، ذلك الخواء الذي نتج عن غياب أي رؤية سليمة لحلم وطن يُدار يدار بكفاءة؛ بعد إقصاء الله عن مشهد الإصلاح..

إلى منظمات مجتمع مدني مصرية اعتبرت أنه لا أمل في مصر حرة، فقررت التنازل عن كل ثابت آمنت به وعملت لأجله طيلة الأعوام الثلاثين الماضية، وقررت التفرغ لإدارة محافظها المالية وامتيازاتها السياسية..

إلى جهاز دولة تفرغ للجباية الخاصة بعدما فشلت الدولة في مشروع الجباية العامة المفترض أن يتوجه لسد الحاجات الأساسية للعاملين الحالمين بحياة كريمة..

إلى إطار سياسي قرر أن استمراره أهم من استمرار مفهوم الوطن..

بين كل هذه الملامح المصرية انطفأ أمل زينب مهدي حسين أحمد وآمال عدد سبقها ممن هم في مثل عمرها..

"تعبت.. استُهلكت.. ومفيش فايدة.. كلهم ولاد كلب.. وإحنا بنفحت في ماية.. مافيش قانون خالص هيجيب حق حد.. بس إحنا بنعمل اللي علينا.. أهه كلمة حق نقدر بيها نبص لوشوشنا في المراية من غير ما نتف عليها.. مفيش عدل.. وأنا مدركة ده.. ومفيش أي نصر جاي.. بس بنضحك ع نفسنا عشان نعرف نعيش".. تلك هي العبارات التي ساقتها زينب مهدي لتحدد مسؤولية كل أولئك عن أزمة هذا الجيل.

هي أزمة جيل. حكى لي بعض أصدقائها أن زينب لم تكن الأولى في هذا الطريق. ولفتوا إلى مقدار ما عاناه أولئك من قهر كان آخره أن أهليهم قرروا أن ينكروا موتهم الاحتجاجي رغبة في أن يترحم المجتمع عليهم، فيرافقوهم إلى مستقرهم ومثواهم بعد احتضانهم بين يدي ربهم في صلوات جنازة يأملون أن تشفع لهم عند ربهم.

كل المؤسسات المسؤولة عن بناء وجداننا وصياغة هيكل المعاني التي يحلم بها الشباب أسهمت في تحميلهم بعبء كراهية لا طاقة لهم به، ولا طاقة لاحد به إلا أولئك الذين فقدوا القدرة على الإحساس بالناس؛ إما لفقرهم المدقع أو لحسابات مصالحهم التي لا مكان لعامة الناس فيها.


أبعاد المأساة

ولكي نحاط بأبعاد مأساة هذا الجمع الكريم من الشباب يمكننا الوقوف عند عنوان معالجة صحيفة الوطن لمأساتها: "زينب انتحرت بعد هزيمة عبد المنعم أبو الفتوح في الانتخابات"..

واستمرارا لمتابعة أبعاد المأساة نجد صحيفة الوفد تعتبر أن زينب ضحية العقوبات التى فرضها مجلس التاديب على الراحلة، حيث استبعدها عن المشهد الإعلامي لمدة عام مما أدخلها فى حالة نفسية سيئة قادتها إلى الانتحار.

لا داعي للخوض في وحول المجال العام المصري أكثر من ذلك. فكل مراقبون للمشهد المصري يعلم قد نتن هذا الوحل.



الحلم والانتحار

مهما أوجزت عبارات زينب ملامح المسؤولية العامة المشتركة التي قادتها لهذا الاختيار المر، لا ننسى مسؤولية أكبر. إن انطفاء الأمل لا يعفي المعنيون بصناعة وجداننا وأحلامنا من المسؤولية عن اتخاذ هذه الزهرة القرار بالانسحاب وجوديا من الحياة.

لقد تنقلت زينب من المدرسة السلفية العلمية إلى المدرسة الإخوانية، ومنها إلى خبرة التيار المصري الذي خرج من الإخوان بعد تجربة سلبية الخبرة، ومنها إلى حملة د. عبد المنعم أبو الفتوح. مسيرة طويلة تبدأ من مدرسة توغل في الاعتماد على النص منغلقة دون تراكم المعرفة المكتسبة من العقل البشري؛ إلى أقصى اليسار المرتكن للمنجز البشري الحميد المتضافر مع تقدير معتبر لموروث الأمة من الوحي: قرآنا وسنة وفاعليته الأخلاقية.

طول الرحلة يرتبط ببحث دؤوب عن الأمل في مصر أفضل. رحلة بدأت من تيار يحبس نفسه عن المجال العام باتجاه تيار ينخرط فيه؛ فيربي ويعلم ويسعى للتغيير. ثم تحدث الوقفة الثانية. ليس السعي للتغيير هو الأبرز، بل نحتاج لكفاءة ذاتية في الفكر والحركة حتى يصبح التغيير خيارا. ومن هنا انتقلت زينب إلى محطتها الثالثة.. محطة التيار السياسي الخلوق الذي يسعى لتغيير نفسه وتغيير المجال العام من حوله، عبر تغييره لنفسه. ولهذا ضفرت انتقالها للتيار المصري بالانخراط في الحملة الانتخابية للدكتور عبد المنعم أبو الفتوح. ثم لم تلبث إثر ذلك أن آثرت أن تكون وحدها من دون إطار يجمعها بالمجال العام.

ما نود أن نتوقف عنده هو ذلك الانسداد الذي أدى لخروج زينب من كل مساحة عامة دخلتها، وقررت أن "تكون مع نفسها"، حتى من دون أسرتها. ومن دون حجابها كذلك.

كان قرار زينب بخلع الحجاب قرار احتجاجي ضد كل ما هو صوري مما مرت به من دوائر العمل الجماعي. لكنه قرار لم يبلغ بعد إحساسها بصورية المجال العام بأسره في مصر. 


لك تكن هذه القنوات المسدودة وحدها مصدر إحباطها، فعندما قررت أن تكون "مع نفسها" لم تتمكن. فمقدار اختراق المجال العام لحياتنا الخاصة أكبر من تجاهله، وأعمق من تجاوزه. فالمؤسسات دينية، ووسائل الإعلام تنقل سموم حساباتها داخل كل بيت. لم تتمكن من الاستمرار في عملها لأنه محكوم بحساباتهم أيضا. لم تستطع التكيف، ولم تتمكن من تقبل عمل يخالف كل ما تؤمن به. لم تر زينب بصيص أمل حتى في المجال العام المصري (الوطن). لم تر إلا ركاما من الانسدادات، فقامت باختيارها الأخير.

 

اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان