رئيس التحرير: عادل صبري 07:42 مساءً | الجمعة 21 سبتمبر 2018 م | 10 محرم 1440 هـ | الـقـاهـره 34° صافية صافية

كرم القواديس.. قراءة في الملابسات والتوظيفات

أولا: قراءة في ملابسات الفاجعة

كرم القواديس.. قراءة في الملابسات والتوظيفات

وسام عبد المجيد 27 أكتوبر 2014 01:25

مع الشروع في كتابة هذه السطور، استوقفتني ذكرى سلوكيات النازية في الحرب العالمية الثانية، حيث كانوا يحسبون جدوى علاج الجنود المصابين، وفي حال ما إذا كان علاجهم لن يقودهم إلى الساحة العسكرية أو إلى أحد المصانع؛ فإن قتلهم يكون "الخيار الرشيد". فما جدوى علاج شخص حي لن يكون "نافعا" في الحرب أو السلم.

تذكرت هذا المشهد التاريخي وأنا أرثي شهداء مصر في تفجير كرم القواديس وقبلها؛ ونتمنى أن تكون خاتمة الحداد الوطني.


براجماتية المجتمع السياسي

تواصلا مع المقدمة، هل جنودنا محض أرقام في دفاتر؟ سؤال يطرح نفسه خلال عملية مراقبة التطور السريع للتعامل الإعلامي وحتى السياسي مع الحادث الأليم. بدأ المشهد بسرد رقمي أولي، ثم متابعة لتطور الحصاد الرقمي، ثم انفجار الجوقة الإعلامية ذات الحسابات السياسية مطالبة بتهجير سكان سيناء، ثم الإجراءات المتتالية التي اتخذها الرئيس المصري، ثم متتالية التوظيف السياسي المعارض لإدارة الرئيس السيسي باختلاف مقولاتها التي تتكرر مع تكرار الحوادث الإرهابية المقيتة.

بعد الحادث الأليم رأى مراقبون مصريون أن فريقان يتاجران بدماء أولئك الشهداء؛ سواء من هم في مربع السلطة أم من يقبعون في مربع المعارضة، ولا يقود لمثل تلك المتاجرة بعد مثل هذه المأساة إلا أن ينظر المتاجرون لشهدائنا باعتبارهم محض أرقام.

هذه الفاجعة تحدونا لكي نقف وقفة هادئة مع تدفق الأحداث والتفاعلات بعد الحادث المروع.


قراءة في الملابسات

من أبسط نظريات أداء أجهزة الدولة تلك النظرية التي أفادت أن الدولة الحديثة مع تعقد متطلبات وظائفها الاجتماعية صارت تحدد مجموعة من الأجهزة المتخصصة لتؤدي وظائف محددة، بحيث يصير كل جهاز أو كل بنية مؤسسية معدة إعدادا خاصا لأداء وظيفة بعينها.

وبالتبعية، فإن هذه النظرية في أبسط دلالاتها تفيد بأن فشل دولة ما في أداء وظيفة ما، جزئيا أو كليا، يرجع إما لالتباس في تحديد وظائف أجهزتها، أو لإهمال في إعداد تلك الأجهزة للتعاطي مع تلك الوظائف.

ويفيد المراقبون للوضع المصري بأن أداء المؤسسة العسكرية وفق هذه النظرية كان واضحا وظيفيا حتى توقيع اتفاقية كامب ديفيد؛ والتي تغير بمقتضاها مسمى الوزارة من وزارة الحربية إلى وزارة الدفاع. ويصف مراقبون وساسة وضع المؤسسة العسكرية – تجاوزا – باسم جيش كامب ديفيد، ومنهم القيادي البارز بحركة تمرد محمود بدر في تدوينة؛ التي وصف فيها المجلس العسكري الذي حكم مصر حكما مباشرا في 2011-2012.

وبرغم أن يزيد صايغ رفض هذه التسمية في كتابه "جمهورية الضباط"، إلا أنه لم ينكر أن نخبة كبار الضباط في مصر تحولوا إلى قطاع فئوي له مصالح قوية يحافظ عليها بجانب تأديته لدوره الأساسي.

ومع ذلك، تبقى بعض الملاحظات المرتبطة بما أصاب أبناءنا وجنودنا في سيناء، تحتاج لتسليط الضوء؛ حتى لا تتكرر هذه المأساة. ومن هذه الملاحظات ما يلي:

عملية الاستهداف: بداية الملابسات تتعلق بعدد الشهداء بصورة أساسية. فالعدد كبير. نحن نتحدث عن 30 شهيدا، و28 مصابا. نحن نتحدث عن تعداد سرية عسكرية (من 55 إلى 85 فردا في التشكيل الطبيعي). يضاف إلى ذلك قطعا كا يرتبط بمنطقة تمركز هذه الوحدة، وهو ما يفرض نمط تسليح نوعي، ونمط استخبارات نوعي، ونمط تدريب نوعي، ونمط تأمين نوعي أيضا. والسؤال هنا: أين تلك المقومات؟

أفاد المراقبون كذلك عن الإصابة الخطيرة التي لحقت باللواء خالد توفيق  رئيس شعبة العمليات بمحافظة شمال سيناء أثناء توجهه لتفقد موقع حادث التفجير، حيث انفجرت فيه عبوة ناسفة قبل موقع الحادث بـ3 كيلو، وأصيب بشظايا في الرقبة، مما قاده لحالة صحية حرجة. هنا نجدد السؤال حول الاستعدادات الإجرائية لمواجهة حالة "الإرهاب" القائمة في سيناء. كيف يمكن لقائد شعبة عمليات محافظة ملتهبة مثل شمال سيناء أن يفتقد لنمط تأمين يمنع تعرضه لمثل هذا الحادث؟

الجنود واللياقة الوظيفية: لابد كذلك أن نقف أمام مشهد ثان من ملامح الملابسات، ونتساءل: هل كان أفراد السرية مدربون على مواجهة أحداث كهذه؟ إن واقعة اختباء جندي من الوحدة في مزارع الزيتون وانهياره تشي بإجابة غير مطمئنة. وأنا أتصفح حسابي على فيسبوك وجدت صديقا ينشر صورة تقارن ما بين جنود القوات المسلحة الذين يأمنون الجامعات المصرية وبين صور "سيلفي" التقطها مجندون ذاهبون للحدود (مع ليبيا وليس لسيناء)، وكانت المقارنة متعذرة لا من حيث حجم أجسام الجنود، ولا من حيث مدى القسوة البادية على الوجوه.

والتساؤل هنا: أيهما أولى بتأدية هذا الدور أو ذاك؟ وما الأولويات التي تجعل قمع الطلاب أولوية تستدعي استقدام هذا النوع من الجنود مقارنة بمكافحة ظاهرة خطيرة كالإرهاب تهز صورة جيش مصر في عيون من يتحدونه؟ ولا يمكن في هذا الصدد تناسي تصريح السيد وزير التعليم العالي لصحيفة أخبار اليوم في 13 أكتوبر من هذا العام حين صرح بأن العلاج الوحيدة لمواجهة "طلاب الإخوان" هو الفرقة 777. هذا الخلل في الإدراك يجسد حالة عملية صناعة القرار وترتيب الأولويات الوطنية.

المشهد الأمني: من الملابسات فائقة الأهمية التي يجب أن نسأل عنها تلك المتعلقة بملامح المشهد الأمني. لا أريد التحدث عما ساقته صحف مصرية من تحميل سيارة "هيونداي فيرنا" بطن ونصف الطن من مزيد من التي إن تي والسي4، برغم أنها شهادة عيان، حيث إن رواية صحيفة الشروق ذكرت أن السيارة كانت محملة بـ200 كيلوجرام تي إن تي فقط وليس طنا ونصف الطن على نحو ما أوردت المصري اليوم. ويبقى السؤال، بعد أكثر من عام على واقعة "التفويض" كيف تتواجد بسيناء مثل هذه الكمية من المواد المتفجرة؟

إلا أن التضارب حول أسباب التفجير كان مشكلة في ذاته. فبخلاف حديث السيارة المذكورة سالفا، وجدنا مصادر أمنية تتحدث لصحف مصرية عن استهداف الوحدة بقذائف هاون، أصاب بعضها منشآت الوحدة، وأصاب بعضها دبابات مذخرة، وهو ما أدى لفداحة الانفجار. فهل نحن بصدد تفجير أم بصدد هجوم عسكري بأسلحة ثقيلة أم بكليهما؟ ولو جمعنا بين الروايات المختلفة.. فكيف تتواجد هذه المعدات العسكرية في سيناء بعد كل ما نسمع عنه من إجراءات الهدم والتفتيش والتمشيط؟

ومع رفض المحلل المدقق الدخول في عملية تفسير قد تُلحق بسياق المتاجرة المهين لدماء شهدائنا، فإن التفسير الوظيفي الجلي والمتبقي لا يعدو أن يكون إهمالا في أداء قيادات عسكرية لمهام وظيفتها؛ إذ ليس معقولا - منطقا وعملا - القول بأن ثمة تعمد لإنتاج مثل هذا الحادث. وثمة توجه آخر يرى أن موارد القوات المسلحة لا تنصرف لتسليح كفء للوحدات المنخرطة على خط النار؛ لأن هذه الموارد تتجه لنمط مساندة مجتمعية للرئيس المصري، وهو خيار سياسي في النهاية، لكنه يصبح محل أزمة حينما يتعلق بدم وطني مهراق.

التغطية الإعلامية: من بين الملابسات التي تستحق الوقوف عندها بعض الشئ نجد نمط التغطية التبسيطي المتأخر؛ حيث كان أول خبر عن الحادث المروع عبر سكاي نيوز بعد تنفيذ الحادث بما يزيد على الساعتين، تبعه نقل صحيفة اليوم السابع ما نشرته سكاي نيوز، ثم تناقلت بقية الصحف الخبر، وتابعت جميعها تطور الموقف مع مستشفى العريش لاحقا حتى إعلان الشهيد الأخير.

تطور الموقف الإعلامي في مساء نفس اليوم لنجد صحفا مصرية مقربة من القيادتين السياسية والعسكرية تجري لقاءات مع شهود عيان في المنطقة، وقرأنا مع هذه الصحف روايات مختلفة تصل لحد التضارب، اتسم بعضها بدرجة سذاجة مفرطة لا تتناسب وجلال الحدث. وفي منتصف ليل الأحد 26 أكتوبر، نشرت صحف مصرية صورة مبهمة وغير واضحة لما اعتبرته الحفرة التي خلفها الانفجار.

ربما يكون من نهج المؤسسة العسكرية التكتم على تفاعلاتها مع أطياف أعدائها، لكن التعامل هذه المرة كان يقتضي قدرا أعلى من الشفافية. فثمة تدفقات إعلامية في الواقع الافتراضي تفيد بمشاركة وحدات عسكرية مصرية في الصراع الدائر في ليبيا؛ مع ورود أخبار بمقتل بعضهم هناك، مع درجة من توثيق المعلومات، وهو تدفق مرتبط بنفي القيادة السياسية المصرية أي تورط للقوات المسلحة المصرية في ليبيا. ويحتار الوعي المصري حيال هذه التدفقات ما بين معتبر إياها دعاية من معارضي النظام، وتأكيد البعض كونها شائعة من جملة ما تموج به المشهد السياسي المصري من شائعات. وهو ما كان يقتضي درجة من الشفافية تختلف عن معالجة سابقاتها من الحوادث.

ومن ناحية ثانية، كان ثمة تحول في أداء المجتمع الإعلامي المصري من التغطية إلى المعالجة المتحيزة. كان الإعلام الفضائي ملحوظا في سرعة انتقاله من التغطية إلى المعالجة، وكان سافر الوضوح؛ فيما اعتبره كتاب وباحثون خطا كان معدا سلفا للقيام بتعبئة قوية تنقل المشاهدين من الشعور بوجود إهمال إلى الشعور بوجود خطر يقتضي التصرف بسرعة وبدون توقف لرؤية أبعاد ما دعت إليه الفضائيات. وبدأت لغة تجاوز السياسة وتجاوز التبصرة المجتمعية إلى لغة "مافيش سياسة.. فيه أمر من القيادة وتنفيذ من المواطن" و"نريد أن نرى جثثا".

وفي اليوم التالي، كان غريبا أن نتابع في بيان غرفه صناعة الإعلام واتحاد الإذاعة والتليفزيون تأكيده على الوقوف الي جوار الوطن في مواجهة الإرهاب، مع توجه لتبني وجهة نظر واحدة في تقديم المحتوى الإخباري، مما يجعل المحطات الفضائية بمختلف أطيافها؛ الحكومية والخاصة تكرر نفس الاخبار.

الترجمة العملية لبيان غرفة صناعة الإعلام أتت من قناة النهار الفضائية التي أعلنت في بيان لها أنها قررت إجراء تعديلات جوهرية علي خرائطها البرامجية، وكذلك اتخاذ إجراءات فيما يخص إعداد و تقديم برامج الهواء، ومنع ظهور عدد من الضيوف الذين يروجون لشائعات ضد مصر ومستقبلها، وتسويق الاتهامات الأجنبية ضد البلاد أو الجيش. وأكدت القناه أنها لن تسمح بالترويج للمفاهيم التي اعتبرتها "سفيهة" عبر ضيوفها لإضعاف معنويات الجيش المصري، أو هؤلاء الذين عمت ضمائرهم عن الإحساس بمشهد الحزن على دماء الشهداء في شمال سيناء.

هذا التكتيك الإعلامي شائع. فمن عادة الأنظمة السياسية التي تعاني من أزمات داخلية حادة أن تفتعل مشكلات خارجية لتحقق درجة من التماسك الداخلي، ودرجة أعلى من التوحد خلف القيادة السياسية، والعدو الصهيوني أبرز الأمثلة الإقليمية على افتعال ازمات وتضخيمها إعلاميا لتحقيق هذا التماسك الداخلي. هذا التكتيك الإعلامي يمكن تصور نجاحه عندما لا يتعلق الأمر بإخفاق السلطة التي تستخدمه في معالجة قضية هامة. غير أن الوعي الشعبي المصري يلتزم نمطا من المساندة للسلطة السياسية تسمح للقيادات الإعلامية المساندة لإدارة الرئيس السيسي بالاستمرار فيه.

هذه الاعتبارات لابد من التعامل معها إذا كان جنودنا ليسوا محض أرقام في دفتر أحوال. ويتبقى أن نستكمل المشهد بمعالجات ما بعد الفاجعة وتوظيفاتها عند الأطراف المختلفة.

اقرأ أيضا..

  • تعليقات فيسبوك
  • اعلان